من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
بهاء الدين) محمد (بن الحسين العَامليّ الْحَارثيّ
الشَّامِيّ أصلا ومَحْتِدا، الفَارِسيّ مَنشَأَ ومَولِداً.
فاضل لَمَعَتْ من أُفْقِ الفضلِ بوارِقُه، وسقاه من مُورِده النَّمِير عَذْبُه ورائِقُه، لا يُدرِك بحرَ وَصْفِهِ الإغْراق، ولا تلْحَقُه حركاتُ الأفْكار ولو كان في مِضْمار الدَّهر لها السِّباق.
زَيَّن بمآثِرِه العلومَ النَّقْليَّة والعقليّة، وملك بنَقْد ذهنِه جواهرَها السَّنِيَّة، لا سِيَّما الرياضيات، فإنه رَاضَها، وغرَس في حدائق الألْبابِ رِياضَهَا.
وهو في مَيْدان الفصاحةِ فارسٌ أيّ فارِس، وإن كان غُصنُه أيْنَع وربا برَبْوة فارِس، فإن شجَرتَه نبتَتْ عروقُها بنواحِي الشَّام الزَّاهِية المغارِس، والعِرْقُ نزَّاع وإن أثَّر الجِوار في الطِّباع.
ولما تدفَّق ماء كرمه خرج منها سائحاً، بعدما ألْقَى دَلوَه في الدِّلاء ماتحاً، لابساً خِلَع الوقار، قاطِعاً من رياض الكَوْن ثَمرات الاعْتبار، فجاب البلاد، وأتى إرَمَ مصر ذاتِ العماد، فنَمَّى متاعَ فضلٍ به اتّجَر، والمعالي في كَفَالات السَّفر، فاجْتَنى نَوْرًا انْفتحت كَمائمهُ، وَسَرى سُرًى قلبُ الوجود كاتمُه.
وسُرَّ دَهْرٌ هو صَدْرٌ لهبعالمٍ ذي نَجْدةٍ عامِل
وفي أثناء ذلك نظَم عقود أشْعارٍ حِقَاقُها العُقُول، وجمع مِن أزْواد فضله مجموعة سماها) الكَشْكول (، طالعْتُها فرأيتُ فيها ما تنْشرح له الصُّدور، وتَحُلُّ عُقَدَ الإشْكال عن كل مَصْدُور.
وكان رئيس العلماء عند عبَّاس شاه، سلطان العجم، لا يَصْدُر إلا عن رأيه إذا عقَد ألْوِية الهِمَم، إلا أنه لم يكن على مذْهبه في زَنْدقته وإلْحادِه لانْتِشار صِيتِه في سَدادِ دِينه ورَشادِه، إلا أنه عَلَوِيُّ بلا مَيْن، وهو عند العقلاء أهْوَنُ الشَّرَّيْن، فإنه أظهر غُلُوَّه في حبِّ آل البيْت، وجارَى في حَلْبة الوَلاءِ الكُمَيت، وأنشد لسانُ حالهِ لكلٍّ حيٍّ ومَيْت:
إن كان رَفْضًا حُبُّ آل محمدٍفلْيَشْهدِ الثَّقلان أنِّي رَافضِي
وشِعرُه باللِّسانَيْن مُهذَّب مُحرَّر، وبالفارسيَّة أحسنُ وأكثر.
ولما ساحَ في البُلدان، وأجتمع بمن فيها من الأعيان، عاد بدْرُ ذاتِه لفلَك أقطارِه، فعانق في أوْطانِه عقائلَ أوْطاره.
وهو الآن قُرَّة عيْنِ مجدِها، وغُرَّةُ جَبِين سَعْدِها، تطوف بحَرَمِه وُفُود الأفاضل، وتتَوجَّه شِطْرَه وُجُوهُ الآمالِ من كلِّ فاضل، بنعيمٍ مُقيمٍ تتحدَّثُ عنه طُروس الأسْفار، وتَكْتَحِل بإثْمِد مِدادِه عُيون الطُّروس والأسْفار.
فمن أنوارِ كلامِه، التي أطْلَعَتْها غُصون أقْلامِه، قولُه من قصيدة:
يا ندِيمِي بمُهْجَتي أفْدِيكْقُمْ وهاتِ الكئُوسَ مِن هاتيكْ
هاتِها هاتِها مُشعْشَعةًأفْسَدتْ عقلَ ذَي التُّقَى النَّسِّيكْ
خَمرةً إن ضَلِلْتَ ساحتَهافسنَا نُورِ كأْسِها يَهدْيكْ
يا كليمَ الفؤادِ دَاوِ بهَاقلبَك المُبْتلَى لكْي تشْفِيكْ
هي نارُ الكليمِ فاجْتَلهاواخلعِ النَّعْلَ واترُكِ التَّشْكِيكْ
صاح ناهِيكَ بالمُدامِ فدُمْفي احْتِساهَا مخالِفاً نَاهِيكْ
عَمْرَك اللهَ قُل لنا كَرماًيا حَمامَ الأراكِ ما يُبْكِيكْ
أتُرَى غاب عنك أهلُ مِنّيبعدَ ما قد توهَّنُوا نادِيكْ
إن لي بين ربْعهِمْ رَشَأَطَرْفُه إن تَمُتْ أسًى يُحييكْ
ذُو قَوامٍ كأنه غُصُنٌماسَ لمَّا بدَا به التَّحْرِيكْ
لستْ أنْساهُ إذْ أتى سَحَراًوحْدَهُ وحْدَه بغير شَريكْ
طرقَ البابَ خائفاً وَجِلاقلتُ مَن قال كلُّ ما يُرضِيكْ
قلتُ صْرِّحْ فقال تجهلُ مَنسيْفُ ألحاظِه تَحكَّم فِيكْ
قمتُ من فَرْحتِي فتحتُ لهواعتَنقْنا فقال لي يَهْنيكْ
بات يَسْقِي وبِتُّ أشْربُهاخَمرةً تترُك المُقِلَّ مَلِيكْ
ثم جاذبْتُه الرِّداءَ وقدخامرَ الخمرُ طرفهَ الفَتِّيكْ
قال ليِ ما تُريد قلتُ لهيا مُنَى القلبِ قُبْلَةً من فِيكْ
قمتُ من فَرْحتِي فتحتُ لهواعتَنقْنا فقال لي يَهْنِيكْ
بات يَسْقِي وبِتُّ أشْربُهاخَمرةً تترُك المُقِلَّ مَلِيكْ
ثم جاذبْتُه الرِّداءَ وقدخامرَ الخمرُ طرفَه الفَتِّيكْ
قال ليِ ما تُريد قلتُ لهيا مُنى القلبِ قُبْلَةً من فِيكْ
قال خُذها فُمذْ ظِرتُ بهاقلتُ زِدْني فقال لاَ وأَبِيكْ
ثم وَسَّدْتُه اليمينَ إلىأن دنَا الصُّبحُ قال لِي يَكْفِيكْ
قلتُ مهْلاً فقال قُمْ فلَقَدفاحَ نَشْرُ الصَّبا وصاحَ الدِّيكْ
وله من أخرى، مدح بها الأستاذ البَكْرِيّ، وقد اجتمع به، وهو مما يدلٌّ على سلامةِ عقيدتِه، قولُه:
يا مِصرُ سُقْياً لكِ من جنَّةٍقطوفُها يانِعَةٌ دانِيهْ
ترابُها كالتِّبْرِ في لُطفِهوماؤُها كالفِضَّة الصَّافيهْ
قد أخجلَ المِسْكَ نسيمٌ لهاوزَهْرُها قد أرْخَص الغالِيةْ
دَقيقةٌ أصنافُ أوْصافِهاومالَها في حُسنِها ثانِيهْ
مُنذ أنخْتُ الرَّكبَ في أرْضِهاأُنْسِيتُ أصْحابي وأحْبابِيَهْ
فيا حَماها اللهُ من رَوضةٍبهْجتُها كافِيةٌ شافِيهْ
فيهاَ شِفا القلبِ وأطْيارُهابنغمةِ القانونِ كالزَّارِيهْ
ومنها:
مَن شاءَ أن يحْيا سعيداً بهامُنعَّماً في عِيشَةٍ راضِيَهْ
فلْيدَعِ العلمَ وأصْحابَهوليجْعلِ الجهلَ له غاشِيَهْ
والطَّبَّ والمنطقَ في جانبٍوالنحوَ والتفسيرَ في زاوِيهْ
وليترُكِ الدَّرسَ وتدْريسَهوالمْتنَ والشَّرحَ مع الحاشِيهْ
إلى مَ يا دهرُ وحتىَّ متىتَشْقَى بأيّامِك أيَّامِيَه
تُحقِّقُ الآمالَ مُستعطِفاًوتُوقِع النَّقْصَ بأمَالِيَهْ
وهكذا تفعلُ في كلِّ ذِيفضيلةٍ أو هَّمِةٍ عاليَهْ
فإن تكنْ تحسَبُني منهمُفهْيَ لعَمْرِي ظِنَّةٌ وَاهِيَةْ
دَعْ عنكَ تعذِيبي وإلا فأشكُوكَ إلى ذَي الحضْرةِ السَّامِيهْ
وله رباعيَّات لطيفة، منها:
أغْتَصُّ برِيقَتِي كحَسْيِ الحاسِيإذ أذكُرُهُ وهْو لعْهدِي ناسِي
إن مِتُّ وجَمرةُ الهوى في كبدِيفالويْلُ إذاً لساكِنيِ الأرْماسِ
وله:
كم بِتُّ من المَسَا إلى الإشْراقِمن فُرقَتِكْم ومُطرِبي أشْواقِي
والهمُّ مُنادِمي ونَقْلِي نَدَمِيوالدَّمعُ مُدامِتي وجَفْني السَّاقِي
ومنها
لا تَبْكِ مُعاشِراً نأَي أو إلْفاَالقومُ مَضَوْا ونحنُ نأتي خَلْقَا
بالمُهلةِ أو تَعاقُبٍ نَتْبَعُهمْكالعطْفِ بثُمَّ أو كعطْفٍ بِألْفَا
ومنها:
من أربعةٍ وعشرةٍ أمْدادِيفي ستَّ بِقاعٍ سكنُوا يا حادِي
في طَيْبَةَ الغرَّاء مع سامَرَّافي طُوسَ وكَرْبَلا وفي بَغْدادِ
ومنها:
للشَّوقِ إلى طَيْبَةَ جَفْني بَاكِيلو صار مُقامِي فلَكَ الأفْلاكِ
أستنْكِفُ إنْ مَشيتُ في روْضتِهافالمْشْيُ على أجْنحِة الأمْلاكِ
ومنها:
هذا النَّبَأُ العظيُم ما فيه كلامْهذا لِمَلائِكِ السَّموات إمامْ
مَن يَمَّم بابهَ ينَل مطْلَبَهمَن طاف به فهْو على النَّارِ حرامْ
ومنها:
هذا حَرَمٌ بفضْلهِ العقلُ أَقَرّفيه لملائِكِ السَّموات مَقَرّ
كلُّ منهم يقول يا زائَرِهُقبِّلْ عنِّي تُرابَ تلك الأعْتابْ
إن هُم سألُوا عن البَهاءِ فقُلْقد ذابَ من الشَّوقِ إليكم قد ذَابْ
ومنها:
يا ريحُ أقُصُّ قِصَّةَ الشَّوقِ إليكْإن جِئْتَ إلى طُوس فباالله عَليْكْ
قبِّلْ عنِّي ضريحَ مولايَ وقُلْقد مات بهاؤُكَ من الشَّوقِ إلَيْكْ
ومنها:
أَهْوَى رَشاً عرَّضنِي للبَلْوَىما عنه لقَلْبِ المُعَنَّى سَلْوَى
كم جئتُ لاشْتكِي فمُذْ أبصَرنِيمِن لَذَّةِ قُربِه نسِيتُ الشَّكْوَى
ومثلُه قولي:
لو تُسْمَعُ لَذَّ للمُعنّى الشَّكوَىلا مَنَّ بذا وليس عنه سَلْوَى
كلٌّ بهَواه مُبْتَلًى ذو دَنَفٍقالُوا وتَطيبُ إذ تَعُمُّ البَلْوَى
ومنها:
يا غائبُ عن عيْني لا عَن بالِيالقُرْبُ إليكَ مُنْتَهى آمالِي
أيامُ نَواكَ لا تَسَلْ كيف مضَتْواللهِ مضَتْ بأسْوأِ الأحْوالِ
وفي معناه وَوَزْنِه قول الأرَّجانِيّ:
لا بأسَ وإن أذَبْتَ قلبي بهوَاكْالقلبُ ومَن سلَبْتَه القلْبَ فِدَاكْ
وَلَّيْتَ وقُلتَ أنْعَم اللهُ مَساكْمَوْلايَ وهل يَنَعْمَمُ مَن ليس يَراكْ
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع