من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
الفاضل أبو الطيب بن رضى الدين الغزي، نزيل الشام
كان شامة الشام، وغرة الليالي والأيام.
وله في الفضل والأدب فنون، ثم تبدلت الفنون كما يقال جنون، فاشتغل بدائه، وصار هوى الأحبة منه في سويدائه، فاعتزل الناس، وصار وسواس حليه حلى الوسواس، بعدما كان طبعه ارق من شمائل الشمال، ومعانيه أدق من دلائل الدلائل.
وشعره لفضله شعار، وحسن خطه يتعلم منه الحسن نمنمة العذار.
كقوله:
صادفْتُه والحسنُ حِلْيَتُهكالرَّيم لا رُعثاً ولا قُلباَ
والعِيدُ للألْحاظِ أبرَزهُوالبدرُ أقربُ منه لِي قُرْباَ
أهْوَى لتهْنِئتي ومَدَّ يداًوَفْقَ المُنَى فتناولَ القَلْباَ
ومد اليد المعتاد، للمصافحة في الأعياد، مسنون لإظهار القرب والاتحاد، فجعلها لأخذ الفؤاد معنى بديع.
ومثله ما قلته في مد اليد المسنون المأمور به في الدعاء، وهو مما لم اسبق إليه، فان أمر السائل بمد اليد، بمعنى خذ ما طلبت وأزيد:
دعَوْناكَ من بعد قولِ ادْعُنِيفكيفَ نُرَدُّ وكنَّا دُعِيناَ
أُمِرْنا بمَدَّ يدَىْ سائلٍليْملأَها أكْرمُ الأكْرمِيناَ
وهذِي وجوهُ الرَّجاءِ اغْتَدتْترى بِعيونِ الظُّنونِ اليقِيناَ
ومن شعره قوله من قصيدة:
مؤنَّبي لا برِحْتَ في عَذَلٍفحبَّذا حُبُّه علىَّ وَلِى
غُصْنُ دَلالٍ أغَرُّ طلعتهشمسُ الضُّحَى فوق ناعِمٍ خَضِلِ
يجُولُ في عِطْفِه الدَّلالُ إذاتحمِل نَقَوَيْهِ فَتْرةُ الكَسَلِ
رَقَّمتُ في طِرْس خَدَّه قُبَلاًفظلَّ يْمحُو بَنانُه قُبَلِى
وأخْجَلَ الوَردَ في نَضارتِهِشَقِيقُ خَدٍّ في وَرْدَتَيْ خَجِلِ
وقوله أيضاً:
ترامَتْ نحوها الإبلُوشامَتْ بَرْقَها المُقَلُ
فتاةٌ من بني مُصَرٍيُجاذِبُ خَصْرَها الكَفَلُ
فما الخَطَّارُ إن خطَرتْوما المَيَّالةُ الذُّبُلُ
تَكَنَّفَها لُيوثُ وَغَىيُحاذِرُ بأْسَها الأجَلُ
لَئن شَطَّ المزَارُ بهاوأقْفَر دونَها الطَّلَلُ
يمثَّلها الفؤادُ بهِويُدِنيها لَه الأمَلُ
وكمْ لي يومَ كاظِمَةٍفُؤادٌ خافِقٌ وَجِلُ
وطَرْفٌ بعدَ بُعْدِهمُبِمِيلِ السُّهْدِ مُكتَحِلُ
علِقْتُ بها غَداةَ غدَتْمَواطِئَ نعْلِها المُقَلُ
فإن سارَتْ بأَخْمَصِهاتداعَي الوابِلُ الهَطِلُ
وإن قرَّت تَقَرُّ العْينُ فِينا يُضْرَب المثَلُ
وقوله:
لم أَنْسَ ليلةَ زارنِيوالبدرُ يجنَحُ للغُروبْ
ثَمِلاً يميلُ كأنماعَبثتْ به رِيحُ الجَنُوبْ
ولرَّبما جاد البَخيلُوربَّما صدقَ الكَذُوبْ
فنَهَضْتُ إجلالاً لهوالقلبُ بالُّلقْيا طَرُوبْ
وفرَشْتُ خَدَّي مَوْطِئاًفمشَى عليهِ ولا لُغُوبْ
وضمَمْتُه ولثَمْتُ فَاهُ ألذَّ من كأسٍ وَكُوبْ
حتى بدَا الإصْباحُ وهوَلدىَّ مِن أدْهَى الخُطوبْ
ولَوَى به مِن حيثُ جاءَ ومُقْلتِي عَبْرَى سَكُوبْ
هذا الذي أهْواهُ إذحازَ البهاءَ على ضُروبْ
ملأَ المسامِعَ والخواطِرَ والنَّواظرَ والقُلوبْ
وقوله:
وشِرْبٍ أدامُوا الوِرْدَ من أكْؤُسِ الطّلاوقد أنِفُوا الإصْدارَ عن ذلك الوِرْدِ
سقَطْنا عليهم كَي نَلَذَّ لديهمُسُقوطَ النَّدى عند الصَّباحِ على الوَرْدِ
وقوله:
عاطَيْتهُ حَلْبَ العصير ولا سِوَىزُهْرِ السَّماءِ تِجاهَ زَهْرِ المجلسِ
أنظُرْ إليهِ كأنه مُتَبَّرمٌمَّما تغازِلُه عيونُ النَّرْجِسِ
وكأن صَفْحَة خدَّه ياقُوتةٌوكأنَّ عارضَة خَمِيلةٌ سُنْدُسِ
واصله لابن هانئ الأندلسي:
عاطَيتْهُ كأْساً كأنَّ شُعاعَهاشمسُ النَّهارِ يُضِيئُهُ إشْراقُهاَ
أنظُرْ إليه كأنَّه مُتَنَصَّلٌبجُفونِه مما جَنَتْ أحْداقُهاَ
وكأنَّ صفْحةَ خدَّه وعِذارَهُتُفْاحةٌ حَفَّتْ بها أوْراقُها
وقوله:
خالَسْتُه نظَراً وكان مُورَّداًفازْدادَ حتى كاد أن يتَلهَّباَ
أنظُر إليهِ كأنَّهُ مُتنصَّلٌبجُفونِه من طُولِ ما قد أذْنَبَا
وكأن صفْحَةَ خدَّه وعِذارَهتُفَّاحةٌ رُمِيَتْ لتَقْتُل عَقْرباً
ومن أربابها المدلجين إلى منازل الفناء، السائرين عند وصولي إلى دار البقاء، الأمجد الاوحد، العلم المفرد:
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع