تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)

المولى عبد الرحمن بن عِماد الدِّين الشَّامِيّ الْحَنَفيّ

وهو إذ ذاك مُفتِيها، وناشِرُ لواءِ الإفادة بنادِيها، ومُحي من رسومِ المدارس كلَّ دائِرٍ بها ودارِس.

إن جاد فجُودُة تَمِيمةً للعدم، أو وَعَد فوعْدُه للغِنَى سَلَم، مع صِدْق مقالٍ، تُعْقَد منه الأقوالُ بالأفعال.

إذا ذُكِر ما فيه من محاسِن الصِّفات، سجَدتْ له الخناصِر كأنه آياتُ سَجْدات، أو سُرِدَت نُعُوتُه فكلُّ نعتٍ مقطوع، وكلُّ وصفٍ تابِعٌ له، وهْو مَتْبوع.

وقد مُتِّعْتُ منه بما هو ألذُّ من نَيْل الوَطَر، وليس العَيان كالخَبَر، وهَبَّت عليَّ رِيحُ إقْبالِه قَبول وجَنُوب، وأطْربَتْني أنفاسُه والكريمُ طَروب، وصَرْفُ الزَّمان مغلولُ اليديْن، والزمانُ مُنقَادُ لجمْعِ الشَّمل، كأنه عليه دَيْن، فقِلْنا في ظِلِّه الظِّليل،

ولم نَرَ فيه نقْصاً سِوى أنه قليل، وناهِيكَ بطِيب عُنصُر لو رآه النَّظَّام أثْبتَ به الجوْهَر الفَرْد، مع لُطفِ طبعٍ هو شقِيق الروضِ المُخْجِلِ بلُطْفِه خَدَّ الورْد، وحُسنِ تقْريرٍ وتحْريرٍ يهتز طرباً له كلُّ غصنٍ نَضِير.

وبالجملة فهو في كلِّ كمالٍ مُفْرَد، مُستَغْنٍ عن التَّعريف بفضْلٍ له لا يُحَدّ، فإنه أصِيلُ عصْرِه، وعِمادُ دهرِه، كأنما عَناهُ مَن قال:

أرأيتُمْ في النَّاسِ ذاتَ لطيفٍيشرَحُ الصدرَ مثلَ ذاتِ العِمادِ
حَسبُها من لطافةٍ أنها لميخلُقِ الله مثْلَها في البلادِ

وقد دارتْ بيني وبينَه كئوس محاوراتٍ لها ثَغْر الحَبَاب باسِم، تُنْظَم منها في جِيد الآداب عُقودٌ لها بَنانُ البيان ناظِم، ولما قُوِّضَتْ خِيامُ المُقام، وَزُمَّتْ مطايا العزائم، كتبتُ له مُودِّعاً وشاكراً لما أفاضه عليَّ من سوابِغ المكارم قولي:

قسَماً بلُطفٍ مالكٍ لفُؤادِيوبرَوضِ أُنْسٍ مُثْمرٍ لِودادِي
وبطَلعةٍ نزلَتْ لدى حرَمِ العُلاوبسُدَّةٍ هي قِبْلةُ القُصَّادِ
أنِّى ارْتحَلْتُ وذكُركم أبداً علىطُولِ المَدى ماءِي النَّمِيرُ وزادِي
يا واحدَ الدُّنيا وبيتَ قصيدِها الزَّاهِي لدَى الإنْشاءِ والإنشادِ
يا ابنَ العِمادِ لأنت عُمْدةُ سادَةٍتُمتْاحُ في الإصْدارِ والإيرادِ
إرَماً غدَتْ أرْضُ الشَّآم لأنهاذاتُ العِمادِ بكُمْ وأيّ عِمادِ
بل جَنَّةً فيها الثَّناءُ مُخَلَّدٌأتَرى لها بعد البِعادِ بعادِ
وحديثُ فضلِكمُ المُعَنْعَنُ مَجْدُهأضْحى بأصْلِكَ عالِيَ الإسْنادِ
يُثْنى عليه رائحٌ أو غادِيأبداً برغْمِ عشِيرةٍ أوْغادِ
واسْلَمْ ودمْ في عِزَّةٍ أيَّامُهالِلِقائِه لبِستْ حُلَى الأعْيادِ

وبعد هذا الفصل: مولايَ، هذه نَفْثَةُ مصدُور، وغُلالةُ صُادٍ لولاك لم تُرْوَ بها الصُّدور، وبَدِيهَةُ غرِيبٍ من الأوطان والأحِبَّة مهْجُور، والطَّبع وإن كان في حَلْبتِه جَواد، فقد يكْبُو الجَواد، وقد يبْخل الجوَاد، ولكنَّني أقول كما قال ابن عَبَّاد:

أما لولاكَ ما رأتْنِي القَوافِيفي وِهادٍ من أرْضِها ونِجَادِ
إن خَيْرُ المُدَّاحٍ مَن مَدحَتْهُشعراءُ البلادِ في كلِّ نادِ
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «من لقلب يهيم في كل وادي»

والسلام.

فأجاب:

هذِي درَارٍ نُورُها لِيَ هادِيوشِهابُها رُجُمٌ على الأضْدادِ
أم رَوْضةٌ بسَمتْ ثغورُ زهورِهاأم حُلَّةٌ وْشِيتْ من الأبْرادِ
أم تلك أبياتٌ البِناَرُفِعتْ على عُمْدٍ رَفَعْنَ عِمادِي
بُنِيتْ بأيْدِي فِكْرِ قُسِّ خفَاجةٍتبَّت أيادِي فكرِ قُسِّ إيادِ
مولايَ يا فرْدَ الوجودِ فضائلاًوشمائلاً يا أوْحدَ الآحادِ
قد كنتُ أسمعُ عن فضائِلِك التيشنَّفْنَنِي من حاضرٍ أو بادَ
ولطالَما قد كنتُ أرجو المُلْتَقَىوتُبَعِّد الآمالُ طولَ بِعادِي
حتى شهِدتُ جمالَكم فلِمِحْنتِيجذَبتْ محبَّتُكم شِغافَ فُؤادِي
ودَنا الرَّحيلُ مُخِّلفاً قلبي لكمْوَقْفاً على الاتْهامِ والإنْجادِ
سِرْ بالهَنَا أمَّا خَيالُ كمالِكمْفهو السَّمِيرٌ لُمهْجتِي في النَّادي
واسْلَم ولا تَنْسَ العِمادِي إنهلَيْعِّللُ الأحْشا بقُرْبِ بِعادِ

ومما أنشدني قولُه:

سأطْمِسُ آثاراً هَوايَ أثارَهاوأنفُضُ من ذَيْلِ التَّصابي غُبارَهَا
لقد آن صَحْوِي من سُلافِ صَبابةٍلقد طال ما خاَمرْتُ جَهْلاً خُمارَهاَ
هجْرتُ الهوى والزَّهْوَ حتى اشْتياقَهوطيبَ لياليِ الَّلهْوِ حتى ادِّكَارَهاَ
وعفَّيْتُ سُبْلَ الهَزل بالجدِّ مُقلِعاًوعِفْتُ مَسرَّاتٍ جنَيْتُ ثِمارَهاَ
أَثامٍ كُفِيتُ اليومَ بالتَّزكِ شرَّهالعلَّي غداً في الحشرِ أكْفَى شَرارَهاَ
قَطَفْتُ أزاهيرَ الصَّبابةِ في الصِّباوقد صار عاراً أن أَشُمَّ عَرارَهاَ
فلو صائداتُ القلبِ أقْبَلْنَ كالْمَهاَوقبَّلْنَ رأسِي ما قِبلْتُ مَزارَهاَ
وقد كنتُ أوْدَعتُ الحِجاَ فاسْتَردَّهُإلى النَّفسِ شَيْبٌ قد أعاد وَقَارَها
وكان شَبابي شَبَّ نارَ صَبابتيفمُذْ لاحَ نُورُ الشَّيْبِ أخمدَ نارَهاَ
تُرَى شيْبَتي ما عُذْرُها لشَبيبتَيوقد صَبَغتْ قبل الكمالِ عِذارَهاَ
تبسَّمَ ثَغْرُ الشِّعرِ فيها تعجُّباًلها إذْ رَأَى ليلَ السّبَالِ نهارَهاَ
فما زار وكْرَ الشّعر فيها غُرابُهولا دارَ حتى اسْتوطَن البازُ دارَهاَ
عسى الآن عمَّا قد عَثُرْتُ إنابَهٌيُقيلُ بها للنفسِ ربيِّ عِثارَهاَ
عسى رَحْمةٌ أو نَظْرةٌ أو عِنايةٌيَتِمٌ سُعوِدي في صُعودِ مناَرهَا
عسى نَفحةٌ من نُورِ نُورِ معارفٍتَهُبُّ فتَختارُ الفؤادَ قَرارَهاَ
ويشرحُ صدْرِي نورُ علم مُقدَّسٍيُرِينيَ أسرارَ العلومِ جهارَهاَ
وأُمْنح ألْطافاً من الانسِ أبْتَغِيخَفاَها ويأَبْى إلا اشْتِهارَهاَ
وتُكْشَف عن عْينِ البصيرةِ حجْبُهاَبأنْوارِ عِرفانِ تُزِيل اسْتِتارَهاَ
فَيظهرُ لي سِرُّ الحقيقةِ مُسرِقاًعلى ظُلَمِ الكون التي قد أنارَها
وأحْظَى بحالاتٍ من القُرْبِ أكْتَسِيبدُنيا وأُخْرى فضْلَها وفَخارَهاَ
ولُطْفُ إلهي قُطًبُ دائرِة المُنَىفإنَّ عليه في العطاءِ مَدارَهاَ

وقال قُبَيل موتِه، رحمة الله:

قد شابَ فَوْدِيَ حين شابَ فؤادِيفكأنما كاناَ على مِيعادِ
حُسْنَ الخواتِم أرتْجي من مُحْسِنٍقد مَنَّ لي قِدْماً بحُسْنِ مَبادِي
وعِمادِيَ التَّوحيدُ فهْوَ وَسِيلتيفي نَيْلِ ما أرْجُوه عند مَعادِي
إن قيلَ أيُّ سفينةٍ تَجْري بلاَماءٍ وليس لأهلها مِن زَادِ
قُلْ رَحمْةُ الرحمن مَن أنا عَبْدُهُتَسَعُ العبادَ فَمَن هو ابنُ عِمادِ

وكتب إليَّ وهو مريض، وقد سمع بعَوْدِي لمصر، ولم يلبَثْ بعدَه إلا قليلا، ما صورتُه:

أسْعَد الله تعالى طالِعَ مصر وما حولها من الأبصار، وأنجَد هذا العصرَ وما يلِيه

من الأعصار، وأبَّد عِزَّة العلومِ وأهْلِيها، وأيَّد دولَة الفضائل وطالبِيها، بدَوام سعادِة أيام عيْنِ أهلِ المعارفِ والمعالي، ووَاسِطة عِقْدهم الغالي، ونادِرةِ فلكِهم العالي، الذي هو صدْر العلماء وبَدْرُهم، ومَن يدور عليه أمرُهم، فكأنهم فلَكٌ هو قُطْبُه، أو جسد هو رُوحُه وقلبُه، علاَّمة العلومِ والمعارِف، وروضةُ الأدب الوَرِيقةِ وظِلُّها الوارِف، شمسُ عصْرِه، وعُزِيز مِصْرِه، جامع المزايَا والمناقِب، شهابُ الفضلِ الثاقبِ.

أُهدِي إلى حضرته العليِّة تُحَفَ التَّحِيّة، وطُرَف الأدْعية المرْضِيَّة.

وأُنْهى إليه شِكايةَ نِكايةِ الشَّوق، واسْتِطالةَ سُلطانِه، ومَدَّ مُدَّةِ البَيْن واسْتطالةَ زمانِه.

وأُهنِّيه برُتْبة الرِّياسة العِلْميّة، التي بعضُ صفاتِها ولايةُ مصر المحمية، جُزْءٌ من آلائِها وآلاتِها، حيث أتَتْ تسْعَى إليه، ومدَّ بالأمر الشَّريف رُواقَها عليه، على أن المولى أنْوَهُ قَدْراً، وأنْبهُ شأناً وذكراً، من أن يُهَنَّى بولايةٍ، وإن أمِرَ أمْرُها، وعلا بين أهل العُلا قدرُها.

ومنصِبُ مصر وإن عظُم موقعُه، فالمولى بحمْدِ الله وتعالى يرفعُه والمنصِب لا يرفُعه، وما شَرَفُه المؤثَّل المعلوم، إلا بفُنون الفضائلِ والعلوم.

وحين بلغنا وصولُه بالسَّلامة بتيْسِير المُيَسِّر، عجبْنا كيف رِكب البحرُ البحرَ، وسلك البَرَّ البَرَّ، وقلنا عاد قُسٌّ إلى عُكَاظِه، وقلنا عاد قيْسٌّ بحِفاظِه.

ولقد أحسن مولانا السلطان، إذ أنام الأنامَ في حِرْزِ العدل والأمان، بنَصْب فيْصَلِ حُكْمِه، وحُسام قضائه؛ لحَسْم مادَّة الظلم وانْتِضائِه، فتحَ بذلك باب دَوْلة العرب، ورَواج بضاعة العلم والفضْل والأدب، فخلَّد اللهُ دولةَ سعادتِه مدَى اللَّيالي والأيام، ونظَم أعوامَ مُدَّةِ سَلْطنتِه في سِلْك التَّأبِيد والدَّوام.

ونسأل الله لحضرتِكُم طول البقاءِ، ودَوام العزِّ والارْتقاء.

النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول في محاسن أهل الشَّام ونواحِيها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.