تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)

أحمد بن شاهين الشَّامِيّ

صديقنا الصَّادقُ الوداد، الفاضل المُستَغرِق بمحاسنِه لمراتِب الأعْداد، قَنَّاص سوانح الأفْكار، حائزُ قَصَب السَّبْق في كلِّ مِضْمار.

أديبٌ حديثُه الحسن كقِطَع الروض، ولذة النَّشْوان، يُخيَّل لسامعِه أنه صَبَّ عليه الْجُمان، وجرَى خِلالَه ماءُ البَيان، تتسابق ألفاظُه ومعانيه إلى القلوب والآذان، حتى لا تدْرِي أيُّهما السابقُ في الولوج للسمع والجَنان، فكم هبَّت شَمْأَلُ شمائِله، فأضْحتْ سماءُ فضائِله، فيا عجباً كيف هَمَي منه النَّدَى، وقد انْقَشع به غمام الغَيِّ عن مطالِع الهُدَى، فهو نُكْتَة عُطارِد، الوارثُ من المجدِ كلَّ طَرِيف وتالِد، حتى أدْنَى جُودُ أيادِيه الحِسان، ولم يشُقَّ غُبارَه سوابقُ الاسْتِحْسان.

وله نَظْمٌ ونثر أرَقُّ من دَمْع الصَّبّ، وأعْذَب من زُلال القَطْر غِبَّ الجَدْب:

لو بَقِيَتْ سِلْكاً على الدُّهورِلعطَّلتْ قلائدَ النُّحورِ
وأخْجَلتْ جواهرَ البُحورِوسُمِّيتْ ضَرائِرَ الثُّغورِ
تُهدِْي إلى الأكْبادِ والصُّدورِرَوحاً يُحاكِي نَفْثَةَ االمصْدُورِ

ولما وافَيْتُ في رحلتي إلى الشَّام، نظَمَنِي وإيَّاهُ في عِقْد الصُّحبة سِلْكُ الأيَّام، في أُوَيْقاتٍ كلُّها أصِيِلٌ وسَحَر، ولا عَيْب فيها سِوى ما بها من قِصَر.

) وكذاك أيَّام السُّرورِ قِصار (

فشرَّفنِي بقصيدةٍ أتْحَفنِي بها، وهي قولُه:

أيُّ دهر قد جادَ لي بابتهاجِوصَباَحٍ لاحَ لي بانْبِلاجِ
وزمانٍ قد مَنَّ لي بنعيمٍوقرانٍ وافَي بأسْعدِ تاجِ
وازْدِيارٍ من غْيرِ وَعْدِ حبيبٍكشفاءٍ من غيْرِ سَبْقِ عِلاجِ
واجتماعٍ لنا بغيْرِ اتَّفاقٍكَغنًى جاء طالباً ذا احْتِياجِ
وسَخاءٍ من الزَّمانِ بأهْناَنِعْمةٍ قد أتَتْ لأحْوج رَاجِ
بقُدوم المولَى الإمام المُفَدَّىأحمدَ السَّيِّد الشِّهابِ الخَفَاجِي
الشِّهابُ الذي أضاءَ فضَاءَتْشامُنا مِن سِراجِه الوهَّاجِ
زارَنا في دِمَشْقَ غَيْثٌ رَوِىٌّغَيْثُ علمٍ من طبْعهِ الثَّجَّاجِ
حين وَافَى مِن مِصْرَ والسَّعْدُ عَبْدٌخادمٌ عنده بغيْرِ اخْتِلاجٍ
ولو أنِّي وفَّيْتُ حقَّ قُدومٍساد حظِّي منه وزادَ ابْتهاجي
كنتُ أفْرشْتُه جُفُونَ عيونيورفَعْتُ الغُبارَ فوق الحجاجِ
عالِمٌ يُخْرِجُ الخَفِيَّ المُعَمَّىمن علوم الأُلى بلا اسْتِخْراجِ
عنده كالصَّباحِ من كلَّ علمٍمُدْلَهمٍّ كالليل أسْودَ دَاجِ
أشْتَكِي غُرْبَتي إلَيْكَ وأنِّيبين أهْلي في خِسَّةٍ واندِمَاجِ
غيرَ أنيِّ شَرْوَى غَرِيبٍ لفقْدِيأهلَ وُدِّي وعِشْرتي وامْتزاجي
منهُم عُمْدَتِي الذي كان دهراًمُفْتِيَ الشامِ مُستَنِيرَ السِّراجِ
العِمادِيُّ ذاك مَن قد تقَضَّىعُمُره في دُعاكَ ضِمْنَ الدَّياجِي
كان واللهِ عِطْرَنا النَّدَّ لَمَّاونلْتَقي في ثنَاكَ حين التَّناجي
كان شيْخِي وكان خِلِّي إذا مانابَنيِ حادِثٌ وطُبٌ مِزَاجي
فرمَتْنِي فيه الليالي عِناداًوالليَالي معروفةٌ باللَّجاجِ
فتخلَّفْتُ في دِمَشْقَ وحيداًفي اعْتِقالٍ وهِمَّتي في انْفِرَاجِ
أيها السَّيِّدُ الجليلُ المُفدَّىعُجْ بحاَجِي عن سَيْرِ حظِّي السَّاجيِ
فابنُ شاهِين ذو جناح مَهيضٍباءَ إن لم تَرُشْه كالدُّراجِ
كنُ لرِاجٍ من فضل جاهِك عَوْناًحيثُ يمْضِي بما ترى مُحتاجِ
جارَ دَهْرِي علىَّ فانظَر لأمْرِيلا تكِلْني إلى اهْتمامِ احْتياجِ
رقَّ حالي فاجْبُرْه قبل انْصِداعٍفمُحالٌ في الكَسْر جَبْرُ الزُّجاجِ
كسَتْ مُدَّةً بضاعةُ فضْليوبمْولاي جاء وقتُ الرَّواجِ
بيننا حقُّ نِسْبةٍ لكريمٍذِي بُكورٍ للمجْدِ مَعْ إدْلاجِ
لابن عبدِ الغنِّي ذاك المُصَفَّىجَوْهراً عالياً مَحلَّ التَّاجِ
قدَّس الله روُحَه وحَياهُبرضَاهُ من غير سَبْقِ انْزِعاجِ
وابْقَ واسْلَمْ ففي معاليك عنهُخَلَفٌ للمُنَى بلا مِعْراجِ
كلُّ وجْهٍ تأتِيه تلْقاهُ طَلْقاًسافرَ البِشْرِ وافَرِ الإنْتاجِ

ومحمد بن عبد الغنيّ المذكور كان قاضيَ العساكر بالرٌّوم، وله) حواشٍ على تفسير البَيْضَاوِيّ (وسنذكره إن شاء الله تعالى، آخر هذه) الرَّيْحانة (.

النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول في محاسن أهل الشَّام ونواحِيها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.