من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
فصل (٥)
(
دعانا مرة داعي الصبا، فحرك منا ما حركته من عذبات ألبان أنفاس الصبا، إلى روض أنيق، وواد تزوره السراء من كل فج عميق.
نبهت عيون أزهاره أكف نسيم السحر، ونيطت على قدود قبضه بعد اخضرار عارض نباته تمائم الزهر.
والرِّيحُ تجُذِبُ أطْرافَ الغُصُون كماأفْضَى الشَّقِيقُ إلى تنْبِيه وَسْنانِ
في مجلس سكرت فيه أباريق الصهباء، فرجعت أصواتها ترجيع تمتام وفأفأه.
مع خلان، وخلص إخوان، كل منهم قرة، في عيون المسرة.
فيه طراز حلل الليالي، وروضة تنبت أنوار المعالي.
تتحاسد عليه القلوب والعيون، وتختم به صحف الطرف وختامه مسك يتنافس فيه المتنافسون.
قام لديهم ساق كألف على سين أعطى قافه للإبريق، أو غصن عبثت به الصبا فكاد يعقد من اللين ذيل حواشي لطفه الرقيق.
لولا كثيف كثيب ردفه، القائم عليه هيف عطفه.
لولا سِهامُ جفونِه انْتَظَمتْعُقِدَتْ على وجَناتِه القُبَلُ
فنادى: حي على الصبوح، هلموا إلى ريحانة الروح، شقيقة نفس الإنسان، صابون درن الحزان، درياق ملسوع الغموم، مطية لهو ترتحل بها من منازل الهموم، باز له دستبان من ذهب، يصطاد به سوانح الفرح والطرب، حيث لا يسمع صراخ لغير الأوتار، ولا بكاء إلا للقناني ولا رقباء سوى عيون الأزهار.
فلم يزل يحكم فيها الكاسات، ولا يسمعون من عذب ألفاظه غير خذ وهات، في يوم شابت ذوائبه، من قبل ماطر بالعشية شاربه.
فلما دنا المسير، وغاب بدر الكأس المنير، نام بعضهم ثملا سكران، وذهب حافيا رجلان، فنسي نعله، وأودع عند الخمار عقله، فكأنما فر هاربا لما طرح أحمال أحزانه ورماها، وألقى صحيفة فكره والزاد حتى نعله ألقاها.
فكتبت غليه أعزيه فيها، وأخفف عنه مصائب الدهر وأرثيها، بقولي على لسانه مداعبا، ومفاكها له مطايبا.
لقد خانَنا دهرٌ وكنَّا به نعْلويوَدُّ هِلالُ الأفْقِ لو أنه نَعْلُ
وقد كان لي نعلٌ فشتَّتَ شملِهاوما الدَّهرُ أهلٌ أن يدومَ له شَمْلُ
وكانتْ تَقي بالنَفْسِ رِجْلي فأصبحتْتُفارِقُها من بعد ما آذنَ الثُّكْلُ
وقد كنتُ ذا بِشْرٍ فأصبحتُ حافياًوكم حزنتْ من بعدها الكَعْبُ والرِّجلُ
فكم صحَبتْني في سرورٍ وشِدَّةٍولم تتخلَّف عن مُرادِي ولم تَعْلُ
ونَقَّلَتِ الأقْدامَ للرَّاحِ سُحْرةًفعُدْتُ ولا عقلٌ لديَّ ولا نَقْلُ
كذلك عاداتُ الشّراب وفعلُهفما اختارَه مُضنّى بهِ وله عَقْلُ
وأنْشَدتُ خِلِّي حين ضاعتْ ولم يكنْليَنفعْنِي في ذلك الحادِثِ الخِلُّ
وإنَّ أخِلاَّءَ الزَّمانِ غَناهُمُقليلٌ إذا الإنسانُ زَلَّتْ به النَّعْل
فأنشَدني بيْتاً يثبِّتُ مُهجَتيلكَيْما فؤادي عن محبتها يسْلُو
تزَوَّدْ من الدنيا متاعاً لغيْرها فقد شمَّرَتْ جَيْدَاءُ وأنْصَرَمَ الحبْلُ
فلَهْفي عليها حين أمْسَت شهيدةًوقد جادها بالدَّمعِ قَطْرٌ له هَطْلُ
وأضْحَتَ على وجهِ الثَّرى دون دافنٍولكن بكفِّ السُّحْبِ أمسى لها غُسْلُ
فلما سمعها الفشتالي استظرفها جدا، وكتب له:
رأيتُ أديباً واضعاً كفَّ حائرٍعلى ذَقَنٍ إذ للهمُوم به شُغْلُ
فقلتُ له هل بَتن إلفٌ لَوَت بهنَوىً قَذَفٌ أم لا يُرجَّى له وَصْلُ
فقال علِمْتُم أن جارِيتي يدِيوراحِلتي في كلِّ نائبةٍ نَعْلُ
خرجت مع البازِي لِحَانِ مُدامةٍرجاءَ سرورٍ والطَّريقُ بها وَحْلُ
فأُبْتُ وبي من حادثِ الدَّهرِ لَسْعَةٌبخُفَّيْ حُنَينِ لا ثراءٌ ولا عَقْلُ
نأَتْ عن أديمِ الأخمَصَيْنِ وِقايةًوما بي شُعورٌ إذ تخطَّفَها الوَبْلُ
كذا فلْيَجِلَّ الخطبُ في وَثَباتِهِبكلِّ كريمٍ لا يفارِقُه فَضْلُ
وفي كلِّ قلبٍ للخُطوبِ مآثِمٌيحِقُّ لأرْبابِ القريضِ بها شُغْلُ
فقلتُ له إن العِيافَة تَقْتضِيبتصْحِيفِ نَعْلٍ أن قدرَكم يَعْلُو
تعوَّدَ دهرٌ جُودَكمْ وأتى لهفألْقَتْ إليه عند ذَا نَعْلَها الرِّجْلُ
وكتب إليه الأديب زين الدين الإشعافي الحلبي:
تَعزَّ أخي إن كنتَ ممَّن له عقلُولا تُبْدِ أحزاناً إذا ذهبَتْ نَعْلُ
ولا تعْتِبِ الدَّهرَ الخَؤُونَ فدَأْبُهلعَقْدِ اجتماعِ الشَّملِ دون المَدى حَلُّ
لَحَى اللهُ دهراً لا يزال مُولعاًبتكْديرِ صَفْوِ العيشِ ممَّن له فَضْلُ
يُفرَّقُ حتى شَمْلَ رِجْلِي ونَعْلِهاأشدَّ فِراقٍ لا يُرَى بعدَهُ شَمْلُ
فما شئْتَ فاصْنَعْ ما اللبيبُ بجازِعٍولا تاركٍ صَفْواً إذا زَلَّتِ النَّعْلُ
بحقِّكَ قُم نَسْعَى إلى الرّضحِ سُحْرَةًنُجدِّدُ أفراحاً لكلِّ صَداً تجْلُو
إلى دارِ لذَّاتٍ وروضِ مَسرّضةٍبرَحْبِ فِناها من غُصونِ المُنَى ظِلُّ
ولابن قلاقس، وقد سرقت نعله:
قُلْ لنجْم الدين يا مَن نهْتَديمن مُحَّياهُ بأسْنَى قَبَسِ
ما الذي أوْجَب عَوْدِي راجلاًبعد أن وَفيْتُكمْ ذَا فَرَس
خلَعوا نعْلِيَ لمَّا علِمُواأنَّني من رَبْعِكم في قُدُسِ
)
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع