من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
نزيل مصر
شمس فصاحة طلعت في آخر الزمان من المغرب، لو رآه ابن سعيد لنسي بفكاهة مفاكهته) المرقص والمطرب (.
ما كنت أظن المغرب تنجب له بمثيل، إن الزمان بمثله لبخيل.
ارتحل لمصر، واختلط بناسها، وميز حال فصولها وأجناسها.
ولما قدم كتبت له خاطبا لعقائل وداده، جاليا كئوس المؤانسة على فؤاده:
أيا شمسَ أهلِ المغربِ شَرَّفْتَ مِصرَناوقلَّدتَه عِقداً نقيساً من الأُنسِ
فصار رَبيعاً باعْتدالِ قُدومِكمولا بِدْعَ فيما قلتُ في شرَف الشَّمسِ
وكانت حالي معه حالية، وموارد أنسي به من قذى الكدر صافية، أراضعه ثدى الآداب، وأتخذه ممن مودته تدخل بيت القلب بغير إذن وحجاب.
إلى أن أرتحل إلى المحلة، وجعل كرم قاضيها مقر أمله ومحله، وفارق إخلاءه وصحبه، لما كابده من صحبته الأمر بين الفقر والغربة، فانعطفت عليه أغصان المسرة وألهنا، وأقام في رياض المكارم تحت ظلال المنى.
إلى أن حالت الحال، وأذنت شمس حياته بالزوال، فجاد بنفسه، وغاب في مغرب رمسه، بعدما وقف على أطلال الهمم، باكيا على دارس رسوم الكرم.
وكان مغرما معي بالمزاح، لابسا للخلاعة وبرد الجد عنه غير مزاح.
وأنشدني له يوما قوله:
حكَيْتُ إبليسَ خَناًوصُورةً مِن عَوَرِهْ
يا سابني عن العَمَىعندِي نِصْفُ خَبَرِهْ
فقلت له: قد سبقك إلى هذا الباخرزي، في قوله:
فلا تحسَبُوا إبْليسَ علَّمني الخَنَافإنِّيَ منه بالفضائح أبْصَرُ
وكيفَ يرى إبْليسُ مِعْشارَ ما أرَىوقد فُتِحتْ عَيْنايَ لِي وهْوَ أعْوَرُ
وهو من قول الآخر:
وكنتُ فتًى من جُنْدِ إبْليسَ فارْتَقَىبِيَ الحالُ حتى صار إبْليسُ من جُنْدِي
ولو مات مِن قَبْليِ لأحْيَيْتُ بعدَهطرائِقَ فِسْقٍ ليس يُحسِنُها بَعْدِي
وكان إذا أغار على معنى أغار، ولا يبالي بأنه يرى مغزاه إذا انجلى الغبار، تبعا لمذهب القائل:
فإنَّ الدرهمَ المضروبَ باسْمِيأحَبُّ إليَّ من دينارِ غَيْرِي
كقوله:
يا تاركاً شُرْباً لقهوتِنا التيتجلُو صدَا القلبِ الكئيبِ العاني
في ترْكِ مثلِك شُربَها لِيَ راحةٌتوفيرُها وطهارةُ الفِنْجانِ
وهو من قول ابن الرومي:
يا لائمي في الرَّاحِ غيرَ مُقصِّرٍمازال ظنُّكَ سيِّئاً في الرَّاحِ
فأفَلُّ ما في تَرْكِ مِثْلِك شُرْبَهاتوفيرُها وطهارةُ الأقْداحِ
ولم يزل باللهو معروفا، وبغزلان النقا مشغولاً مشغوفا، لاسيما إذا تفتح عن ورد الخدود أكمام العذار، وشاهد صنع الله الذي يولج الليل في النهار.
وقالُوا أتَتْ كُتْبُ العِذارِ بغزْلِهِفقلتُ لهم لا تعْجَلوا فبِها وُلِّى
ويقال أن هذا الأمر أذهب خبره وخبره، ومحا بيد الفنا عينه وأثره، حتى عصفت رياح المنية بروضه القشيب، وهصرت يد الردى يانع غصنه الرطيب، فاحتضر واحتضر، بأمر الملك المقتدر.
لازال جدثه روض من رياض الجنان، ولابرح مجرى لجداول الرحمة والرضوان.
فمن العنبر الذي أذكته مجامر فكره، وقذفته في سواحل المحاورة بحور شعره، ما أنشده لي من قوله مضمنا:
قلُ للقضيبِ ورَاحُ الريِّح تعطِفُهأثْناءَ بُرْدٍ من الأزْهار مُنْتسِجِ
أشْبَهتَ قامةَ من أهْواهُ لو طلَعتْأعْلاَك شمسٌ وفُقتَ المِسْك في الأرَجِ
لك البِشارةُ فاخْلَعْ ما عليك فقدْذُكِرتَ ثَمَّ على ما فيكَ من عِوَجِ
ولابن أبي حجلة مضمنا:
قل للهلالِ وغَيْمُ الأُفْقِ يسْترُهحكَيْتَ طَلْعةَ من أهْواهُ بالبَلَجِ
لك البِشارةُ فاخْلَع ما عليك فقدْذُكِرْتَ ثَمَّ على ما فيك من عِوَجِ
وأنشدني له أيضا مضمنا:
أأسْلُو في الهوَى طَعْمَ الهوانِورَبْعُ الحسنِ مَأْهُولُ المغانِي
ومَن أهواهُ واصَلنِي جِهاراٍوصِرتُ من الَّقيبِ على أمانِ
وقد حلَّ العِذارُ بوجْنَتيْهِبمنْزلةِ الرَّبيعِ من الزَّمانِ
وأنشدني قصيدة، منها:
أتُسِلُ دمْعِي ثم تسألُ ما جرِىعجباً لعَمْرِك ما رأيتُ وما أرَى
هذِي دِماَ نفْسٍ هواكَ أذابَهافهَمَتْ على خَدِّي نجِيعاً أحْمرَا
ومنها:
مَن كان يقْبِضُه جلالُ الحُبِّ عنبِسْطِ الجمالِ فلم يزَلْ مُتَحيِّرَا
فأنا جمَالِيُّ الغرامِ وهكذاوِرْدُ الجمالِ لن تَراه مُكَدَّرَا
ومنها في حسن الختام:
وإليْكهاَ والحسنُ بعضُ صفاتِهابِكْراً تُحاكِيها الملاحةُ منْظرَا
قد زََّفها فكْري إليك ومهْرُهانَقْدُ القَبولِ وسقُّها أن تُمْهَرَا
حاشاكَ تُهمِلها ويعرِفُ قدرَهامن قد ترى بين الثُريَّا والثَرَى
ختَم البيانُ بها فكلُّ سليم طَبْعٍ صار من عَجَب بها مُتَحيِّرَا
وله في الهجاء مضمنا:
لقد قلتُ للِطُّورِيّ لمَّا بدَا لناكجُلمودِ صخْرٍ حطَّهُ السَّيلُ من عَلِ
بوجْهٍ كليْلِ الهجْرِ أسْودَ طائلٍألا أيُّها الليلُ الطَّويلُ ألا ابْخَلِ
ومما أنشدنيه لنفسه قوله:
ولمَّا دار بالخَدَّيْن نَبْتٌحكَى عصرَ الصِّبا قبلَ المشِيبِ
تيَّقنْتُ الوِصالَ وليس وَعْدٌهناكَ ولا خُلُوةٌّ ولا رقِيبِ
ولكن دَارَةُ القمرِ اسْتَتمَّتْ فدلَّتْنا على مطَرٍ قريبِ
وأنشدت له قولي في معناه:
على خَدِّه مُذ لاح نَبْتُ عِذارِهِجرَتْ أدمُعي في الخدِّ ذاتَ صَبِيبِ
إذا ما اسْتدارَتْ دَارَةُ البدْرِ حولَهفإنَّ وقوعَ القَطْرِ غيرُ عجيبِ
ومما أنشدنيه قوله من لفظه مضمنا:
يا سالبَ الغُصْنَ حُسْنَ القَدِّ والمَيَلِمُلْبِسَ الشمسِ ثوبَ الحُزْنِ والخجَل
ما شاَن خدَّك نبْتُ بل صفاَ فترَاءتْ في سَناهُ ظِلالُ الهُدْبِ والمُقَلِ
فاثْبُتْ على حُبِّه يا قلبُ تَحْظَ بهِفهل سمعْتَ بظِلٍّ غيرِ مُنْتقِلِ
ومعنى البيت الثاني مما سبق إليه، كقول الأرجاني:
أعِدْ نظراً فما في الخدِّ نبْتٌحَماهُ اللهُ من رَيْبِ المَنُونِ
ولكن رَقَّ ماءُ الخدِّ حتَّىأراكَ خيالَ أهْدابِ الجُفونِ
ومما قلته في معناه مضمنا:
صَقِيلُ خُدودِهِ مِرْآةُ قلبيوماءُ الحسنِ رَقَّ به ورَاقاَ
تُحِيطُ به العيونُ إذا تَبَدَّىوهل طَرْفٌ يُطِيقُ له فِراقاَ
فَخالُوا رِقَّةَ الأهْدابِ فيهعِذاراً قد كساَ بدْراً مَحاقاَ
وظَلْنا نجْتلي منه مُحيَّاكأنَّ عليه من حَدقٍ نِطاقاَ
وكان يهوى بمصر غلاما وقد دب ظل العذار على ورد خده، وجعل حارس الحسن بنفسجه سياج ورده، هام به هيام سعد بن أنيس بورده، ووهبه روحا لابسة حلل المودة، فكان لا يسر إلا إذا اصطبح من عذاره بالآس ثم لما أدركه الغرق من الوجد واليأس، عمل فيه مزدوجة لم يدركها مدرك، فكان ذلك سببا
لصده المهلك، فارتحل لافتضاحه للمحلة الكبرى، فكتبت له إذ ذاك قصيدة، لأجدد له الذكرى.
منها:
مَن لم يُدِمْ ذكرَ الحبيبِ النَّاسيومعاهداً فيها فليس بناَسِ
بِي مَن كساَ جسْمِي السِّقامَ وَعَلَّنيبمُدَامِ دمْعِي يالَهُ من كاسِ
في نُقْطةٍ من خالِه يرجُو الوفاَدمعٌ زيادتُه بغيْرِ قِياسِ
لمَّا خشِيتُ على الكرَى من مَدْمعِيأوْدعتُه في طَرْفِه النَّعَّاسِ
يقْسُو علىَّ فؤادُه ياليْتَهيَعْدِيه لِينُ قَوَامِه الميَّاسِ
تاللهِ ما حُبِّي لعارِضِ خدَّهكالوَرْدِ بل حُبِّي له كالآسِ
ومنها:
يا جوهراً للمجْدِ صار مُجرَّداًما أنتَ إلا الرُّوحُ لْلأكْياسِ
لو لم تُحدِّثْ عن شمائِلِك الصَّبالم تكْتسِب ذا الطِّيبَ في الأنْفاسِ
يا راحلاً عنِّي ومُجْرِىَ أدْمُعِيما في وُقوفِكَ ساعةً من باَسِ
عِقْدٌ على جِيدِ الزَّمانِ مُنظَّمٌروْضٌ له ظِلٌّ على الجُلاَّسِ
لم أسْتطِعْ وصْفِي لهيبَ صَبابتِيمَن يُودِعُ النِّيرانَ في القِرْطاسِ
ومنها:
فاسْتَجْلِها بِكْراً نتيجةَ ليْلةٍصَهْباءَ سالبِةً عُقولَ النَّاسِ
لا زال يا إنْسانَ عيْنِ العصرِ مِنذِكْرِي بسالفِ عْهدِكَ اسْتِئْناسِي
مولاي أما الشوق فقد اشتعل ضراما، وكاد عذابه أن يكون غراما، حتى قال فم الجفن: يا نار كوني بردا وسلاما.
فأني ألقي إلي كتاب كريم، فاح منه شميم عرار نجد وما بعد العشية من شميم، فمتعت بما هو أحلى من الوصل بعد الهجر، ومن الأمن بعد الخوف، ومن البرد بعد السقم، ولم أدر أطيف منام، أو زائر أحلام، أم قرب نوى بعد البعاد، أم حبيب وافى بلا ميعاد، من أديب أشرق بدر مجده ساطعا، وألبسني برد المسرة أخضر يانعا.
أهُمُّ ببَسْطِ حِجْرِي لالْتقاطٍإذا حاضَرْتَ بالدُّرِّ النَّسيقِ
فحدانى أن أحث مطي الهمم، إلى نحو كعبة الفضل والكرم، فحركت مجمل الطبع حتى عبق عنبرا وندا، وهززت قضب اليراع على خدي الطرس فانتثر أقاحا ووردا.
وقد كنت ممن زجر عن هذه الصناعة طبعه، فإنها كما قيل كالياسمين لا يساوي جمعه.
ولسان التقصير، كما قيل قصير لاسيما والجود عبد أنت سيده، والفضل عقد أنت مقلده، والبلاغة سوار ليس لغيرك عليه يد، ورداء المعارف مستعار منك، وان كان لا يسترد، وللفصاحة ماء لا يجري في غير ناديك، وينبوعه لا يتدفق إلا من أياديك.
ولو صوَّرت نفسَك لم تزِدْهاعلى ما فيكَ من كَريِم الطِّباعِ
وزمان الأنس غابت عني أسراره، وطريق المجد أظلم دوني ليله ونهاره، وانطوى عني دجاه وضحاه، فسامرت نسره ونعائمه، ونفضت بعصا النسيار نجوده وتهائمه، وعود الهوى، قد يبس وذوى، وعهدي قديم بالنضال، وأني في السبق قد أثقلني قيد الكلال.
ولا ينكر من القرائح جمودها، ولا من نيران الذكاء خمودها، وقد غاض الكرام، وفاض اللئام، والحر لا يستعبد بغير الوداد، ولسان المرء من خدم الفؤاد.
ولولا ابتسام ثغر المنى، وامتداد خط الأمل لنا لمل كل قلب عاني، يقتات السوف والأماني.
فقد صرفت عن كل شيء وجه ميلي، لما نفر عني كل شيء حتى صبح ليلي، واستوحشت من كل شيء حتى ظلي، ومللت حتى الملل فقلت من لليلي ومن لي.
إنَّ دهراً يلُفُّ شملي بسعديلزمان يهم بالإحسان
وفي المثل:) أعطي العبد كراعا، فطلب ذراعا (.
فعسى أن تمنوا بسطور، هي سلالم يترقى بها إلى السرور.
لا زلت ترفل في ثوب بقاء بالصحة معلم، وتقيل في ربيع مسرة حماه عن الاكدار محرم، ألما الظلال عذبى المشارب، تسطر محامده بين دفتي المشارق والمغارب، ما حن صديق إلى صديق، وصرف بدارهم النجوم دينار الشمس الأنيق، والسلام.
فأجاب بقوله:
أسَقِيطُ طَلًّ في حديقة آسِأم ذا حبابٌ دار فوق الكاسِ
أم دُرُّ ثَغْرِ الأُقْحُوانةِ باسِمٌأم دمعُ طَرْفِ النَرْجِس النَّعَّاسِ
أم جَنَّةٌ جُنَّ النَّسيمُ بحُسنِهاأغْصانُها من ذاك في وَسْواسِ
أم هذِه زُهْرُ النجومِ تزيَّنتْمنها السماءُ هِدايةَ للنَّاسِ
أم ذا هو السِّحرُ الحلالُ حَلاَ أم الْعذبُ الزُّلالُ وكلُّ عُضْوٍ حاَسِي
أم رُقعةٌ رفَعتْ لواءَ بيانهافأتى البديعُ لها ذليلَ الرَّاسِ
نطقَتْ بكلِّ فضيلةٍ ظلَّتْ لها الْأحداقُ بين مُحقِّقٍ أو خاَسِي
الشِّعرُ فاخَر أنْجُمَ الشِّعْرَى بهاوالجَوُّ قال الفضْلُ للِقرْطاسِ
مَن ذا يُطاوِلها ومطْلَعُ نُورِهاأفُقُ الشَهابِ وظُلمةُ الأنْقاَسِ
وافَتْ فما وفَّيْتُ بعضَ حقوقِهاإَلا ببَذْل النَّفُسِ والأنْفاسِ
طار الفؤادُ لها وَقارُهاما في وقوفِكِ ساعةً من باَسِ
جاءتْ تُحدِّثُ عن محاسنك التيشُدَّت إلى حُسنِ الثَّناَ بِمِراسِ
أمَّا الفصاحةُ صَحَّ أنَّكَ قُسُّهاَبالرَّغم من غِمْرٍ حسودٍ قاسِي
ِللهِ دَرُّ عَقِيلةٍ أبرَزتَهاعقَلتْ بِبَهْجتِها عقولَ النَّاسِ
مِن كلِّ بيتٍ كاد يُشبِه لفظُهمعناه كلٌّ دَقَّ عن إحْساسِ
شَرحَتْ ليَ الوُدَّ القديمَ وذكَّرَتْقلباً فَديْتُك لم يكنْ بالنَّاسِي
ما أخطأتْ رَشَداً وإن تكُ أبْطَأتْخيرُ اللِّقا ما كان بعدَ الْياَسِ
فالحُبُّ أن أرْضى بما تَرْضى وهاحُبِّي وحَقِّك راسخٌ بأساسِ
كُنْ كيفَ شئْتَ فشِيمَتيِ حِفْظُ العهُودِ وإننِّي طَوْدُ الوفاءِ الرَّاسي
يا مَن زهاَ حُرُّ القرِيضِ بلفْظِهوغَنِي به الإنْشاءُ من إفْلاسِ
ومَن اسْتَنَارتْ منه مصرُ وأُفْقُهالَّما كساها الفضلُ خيرَ لِباسِ
ومَن انْمَحَى ذنبُ الزَّمانِ لأجْلِهوغَدَتْ به الأيامُ كالأعْراسِ
دُمْتَ المُقدَّمَ في المجادةِ والإجادةِ والإفادة والنَّدى والباَسِ
وإلَيْكهاَ وهي الملاحةُ نَفْسُهاوالحسنُ بالأنْواع والأجْناسِ
فإذا أصاخَ لها الحسودُ حسِبْتَهما بين كأس أو ظِباءِ كِناس
عذْراءُ تبسطُ عُذْرَ تقْصيري ومِنداءِ التطاوُل فهْيَ نِعْمَ الآسِي
أنَّى لمْثلِي أن يجيءَ بِمثْلِ ماتأْتِي وأين الشَّمسُ مِن نِبْراسِ
لكنَّهاَ ردُّ السَّلامِ سلكْتُ فيهِ الطُّولَ قدْرَ زيادةِ اسْتِئْناسِ
فعلَيْكَ من أوْفَى السَّلام أَبَرَّهمَّمن يُكابِد بُعْدَه ويُقاسِي
حَلَّ المْحَلَّةَ جسمُه والقلبُ فيمصرٍ لديكَ وأهلُه في فاسِ
بعد تقبيل ثريا ذلك الثرى، الذي عبق في المشام عنبرا، وقلد جيد الزمان دررا.
لا زال منبع البيان، ومنتجع الأعيان، ولبرح جوهر حصبائه يفضله العيان، على قلائد العقيان.
هذا، وقد وصل إلى، وصل الله لك أسباب العلا وألبسك رائق الحلى، كتابك الخطير في رقعة من محاسن لفظك الرائق الجلباب، المزري برونق ريق الشباب، وبهجة من بدائع خطك المستوقف للناظر، المخجل بحسنه الوشي الفاخر، والروض الناضر، فأجناني ثمر البر يانعا، وجلى على وجه الود لأبيض ناصعا.
وأراني كيفَ انِقيادُ القَوافِيفي زمامِ البيانِ سَمْعاً وطَوْعاَ
وفتح للمخاطبة بابا، طالما كنت له هيابا، ورفع حجابا، ترك القلب وجابا.
مازلت أغازلها أملا، فلا أطيق لها عملا، وألاحظها أمدا، وأذوب دونه كمدا.
وفي تَعَبٍ من يحسُدُ الشمسَ نورَهاويزعُم أن يأْتي لها بضَرِيب
لا جرم أنه اقتضاني خالص ود، وصحيح عهد، لم يلتفت مني إلى معذرة، ولم يكلآني إلى ما في الوسع من المقدرة، وقد يعود على علمك بحر القريحة ثمدا، وحسام الذهن معضدا فتكلفتها بحكم هذا الغرام تحت حصر، ونازح بصر، فإن سمحت بالإغضاء، وسامحت في الإقنضاء، سلمت لك اليد البيضاء، وظهرت لشكرك بالقضاء.
وأما العذر الذي توخيت - ولا عدمت - شرحه، وحميت بقوة الكلام سرحه، فأنت غني عن تكلفات إيضاحه، ومد أوضاحه، فالذي يثبت في النفوس، من الود المصون المحروس، لا يخشى عليه من تسلط الطموس والدروس.
ولا أقول إن ودي لك كالتير، إذ لا يصفو ما لم يشبه لهيب الجمر، ولا كالراح، حيث يفتقر في الرفة إلى مر المساء والصباح.
بل أقول: إن ودي لك - أبيت اللعن - كالفرات العذب، يشفي غليل القلب، ويطفي لهيب الصب، يحل بالأرض الميتة فيحيها، ويمر بالروضة الذابلة فيتوجها بالأزهار ويحليها.
وأنت - أعزك الله - لا تثريب عليك إذ كل يعمل على شاكلته، ويجري في أموره على مقتضى مرتبته، فإن حنو السيد - وأنت ذاك - يستكثر قليله، وإخلاص العبد، وهو أنا، يستحقر، كما علمت جليله، والحق أغلب، ومعرفي المرء نفسه أصوب.
وإن تفضلت بالاستفسار عن أحوال العبد، فالحال في خير، والمآل يعلمه الله تعالى.
وبالجملة، فسهم المصيبة إن سدده الدهر فعلى مثله وقع، والتألم بمثل هذه الحالة قد ارتفع.
ولم أرَ مثل الصَّبْرِ أما مذاقْهُفحُلْوٌ وأما وجهُه فجميلُ
وكذلك كل من دعا الصبر لما شاء أجاب، وأراه من نشره الأفق المنجاب، وأقامه بين مبرات وألطاف، وأعطاه مما أحب جني قطاف.
ولله در القائل:
يعيشُ المرءُ ما استغْنَى بخْيرٍويبْقَى العًودُ ما بَقِيَ اللَحاءُ
وهو الدهْرُ لا يُرَدّ عن مراده، ولا يصادر في إصداره وإيراده.
فيومٌ عليناَ ويومٌ لناَويومٌ نساءُ ويومٌ نُسَرُ
على أن طول الغيبة ليس لشيء، علم الله آثرته على لقياكم، إذ استبدله طوعا لكنه ارتكاب للأخف من الضررين، واختيار للأهون من الشرين.
عسى غلطاً يُثْنِى الزمانُ عِنانَهبدَوْرِ أمورٍ والأمورُ تدورُ
فتُدرَك آمالٌ وتُقْضى مآرِبٌويحدثَ من بعدِ الأمور أمورُ
فلذلك قدمت من البحر بالوشل، وسرحت في رياض المنى بين عسى ولعل، فقد قيل إذا دار الفلك، فعليك أو فلك، ولله في خلقه أمر لا تدرك العقول حكمته،) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَينْشُرُ رَحْمَتَهُ (.
وما اجتليته في كتابك الخطير، وروض كتابك المطير، استدعي شيئا من نظم العبد ونثره، والتنويه بذلك من خامل ذكره.
فلا عدمت منك مولى على الإحسان مثابرا، وحكيما لكسر إكسير الخاطر جابرا.
مع تشتيت الحال لبعد مزارك، ونأي داري عن دارك.
وأقسم أني صممت عن التغافل عن الجواب، وهو الأولى بالصواب، إذ ليس بلبيب من يقيس الشبر بالباع، والجبان بالشجاع، وكيف لا، وكل من تكلف فوق طاقته، افتضح لساعته، ولكن عدم الامتثال محذور، والملجأ إلى ما لا يطاق معذور.
فتكلفت لما يعرض عليك من المسمطات، سوى القصيدة المشار إليها بذكر بعضها، فإنها متقدمة على ورود مشرفتكم.
فمثلك من سد الخلل، وتجاوز عن الزلل.
والله يبقيك، ومن كل سوء يقيك، والسلام.
قوله في القصيدة:) حلٌ المَحلَّة (الخ، كقول ابن الخازن:
يوماَ بحُزْوَي ويوماً بالعقِيق ويوماً بالعُذَيْبِ ويوماً بالخُليْصاءِ
ولأبي تمام:
بالشَّام أهْليِ وبغداد الهوَى وأنابالرَّقْمَتَيْن وبالفُسْطاطِ إخْوانِي
وللأمير أبي فراس الحمداني:
يا هل لصَبٍ بِكَ قد زِدْتَهعلى بَلايَا أسْرِه أسْرَا
قد عدِمَ الدنيا ولذَّاتِهالكنَّه ما عدِمَ الصَّبْرَا
فهْوَ أسيرُ الجسم في بلدةٍوهْوَ أسير القلبِ في أُخْرِى
ولابن عبد ربه الأندلسي صاحب) العقد (:
الجسمُ في بلدٍ والرُّوحُ في بلدِيا وَحْشةَ الروح بل يا غُرْبَةَ الجسَدِ
إن تَبْكِ عيناك يا من قد كلِفْتُ بهمِن رحمةٍ فهما سهْمانِ في كَبِدِي
ولابن الفارض:
كيفَ يلْتَذُّ بالحياةِ مُعنًّىبين أحشائِهِ كوَرْىِ الزِّنادِ
في قُرَى مِصْرَ جسمُه والأُصَيْحابُ شَاماً والقلبُ في بغدادِ
وقلت أنا في مثله:
شُتِّتَ النَّوْمُ والأحَّبةُ عنيمع تأْليفِ أدْمُعِي ووُلوعِي
أنا في بلْدةٍ وأهْلي بأُخْرَىوحبيبي بغير تِلكَ الرُّبوعِ
فكأن الزَّمانَ مني اشْتَرى الصَّفْوَبنَقْدٍ أسالَهُ من دمُوعِي
وقوله في المنثور:) وُدِّي لك (الخ، كقول أبي محمد بن سفيان من شعراء) القلائد (: كتبت وما عندي أصفى من الراح، وأضواء من سقط الزند عند الاقتداح.
وقول أبي محمد بن القاسم الوزير في جوابه:
كتبت عن ود لا أقول كصفو الراح، فإن فيها جناحا، ولا كسقط الزند فربما كان شحاحا، ولكن أصفى من ماء الغمام، وأضواء من القمر ليلة التمام.
فراجعه بقوله: كتبت - دام عزك - عن ود كمء الورد نفحه، وعهد كصفائه صفحه، ولا أقول أصفى من ماء الغمام فقد يكون معه الشرق، ولا أضواء من قمر التمام، فقد يدركه النقص ويمحق.
وليس ما وقع فيه الاعتراض مختصا بصفو الراح، ولا بسقط الزند عند الاقتداح، فإن أمور هذا العالم هذا سبيلها، وجياد الكرم تجود كيفما أرسلها مجيلها.
وعلى ذكر القصة قلت:
إن الصفَّي الذي كنتُ أعهَدُهعند المُلَّماتِ ذُخْراً للوداد مُذِقْ
وقد يغَصّ بخيْر الزْادِ آكلُهوقد يكون من الماء الزُّلالِ شَرَقْ
وقلت أيضا:
إن كنتَ تُوجعني بالّلوم في زَللِيوظَلْتَ تُبْرِيءُ من الدّاءِ بالدَّاءِ
فقد يسوغُ بضَرْبِ الظَّهر غُصةُ مَنقد اسْتغاثَ فلم يُنْجِدْه بالماءِ
)
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع