تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)

فصل (٦)

(

ذكر لي يوما أنه مشتاق للقائي، مستوحش لظلمة التنائي، فقلت ما جوابي لك غير قول أبي العيناء للمتوكل، وقد قال له: قد اشتقت لك يا أبا العيناء.

فقال له: يا سيدي، إنما يشتد الشوق على العبد؛ لأنه لا يصل إلى مولاه، أما السيد فمتى أراد عبده دعاه.

وما أكذب الشوق بالمقال، إن لم تقم عليه شواهد الإقبال.

وقد شرحنا حالنا في التنائي والتداني، وقول ناصح الحين الأرجاني:

وإذا رأيتَ العبْدَ يهْرَبُ ثُمَّ لَمْيُطْلَبْ فَمَوْلَى العبدْ منه هاَربُ
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «نفسي فداؤك أيهذا الصاحب»

فاهتز عطفا، وتاه رقة ولطفا.

ثم قال لي: من أي معنى أخذ هذا؟ قلت: لا أدري.

فقال هو من قول المتنبي:

إذا ترحَّلْتَ عن قومٍ وقد قدَرُواأن لا تُفارِقَهُمْ فالرَّاحِلون هُمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

فأبدع وأبدع، وأعلم أنه من الأدب بمرأى ومسمع.

ومنه أخذ القائل:

ليس ارْتحالُك ترتْادُ الغنى سفَراًبل المْقامُ على بُؤْسٍ هو السَّفَرُ

والمتنبي أخذه من قول الطائي:

وما الفَقْرُ بالبيدِ الفضاءِ بل التينبَتْ بي وفيها ساكِنُوها هي الفَقْرُ

ولما رأى وزراء الروم، وما هم عليه من دارس الرسوم، من تكبر بلا نفع يرجى، وتبختر كل دابة منهم حتى العرجى، قال أهؤلاء عني الغزى بقوله:

مِن آلة الدَّسْتِ ما عند الوزير سِوَىتَحرِيكِ لِحيتِه في حالِ إيماءِ
فهْوَ الوزيرُ ولا أزْرٌ يَشُدُّ بهمِثْلَ العَروضِ له بَحْرٌ بلا ماءِ

فذيلته بديهة له، وقلت:

عسى تدورُ عليهمْ دائراتُ رَدًىتُقطِّعَنَّهمُ تقْطيعَ أحْشائي

فقد شابه الرئيس المرءوس، وقام على جرب الأبدان قرع الرءوس، وما هذه الدول، إن لم يعرها الآن خلل، إلا كسقف السماء، وقبة الخضراء، قائمة بلا عمد ولا أطناب ولا وتد، فهي كبيوت الأشعار، لا تظلل في حضر ولا أسفار.

كما قلت:

جيوشٌ مالها في المُلْك نَفْعٌحكَتْ صُوَراً تُصوَّرُ في كتابِ
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة
رأيتُ قتالَهمْ من غيْرِ نَبْلِكمثلِ الضَّربِ في كُتُبِ الحسابِ
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة

وعلى بحر العروض يعجبني هنا قول الأرجاني:

راعَ الفؤادَ نَوَى الخَلِيطِ ولم يكنْقبل النَّوى من حادثٍ بمَرُوعِ
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «عدد لكم أن سرت في تشييعي»
وأرى فُؤادي في الزَّمانِ كأنَّهبيْتُ العروضِ بُراد للتَّقْطيعِ
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «عدد لكم أن سرت في تشييعي»

وللحظيري:

وعِرْضٍ بلا ذنْبٍ يُقطَّعُ دائماًكبيتِ عَروضٍ والحوادثُ أطْوارُ

وقلت في معناه:

دوائرُ أفلاكٍ تلوحُ بُحورُهابأصْفارٍ نجْمٍ قابلتْها بتَصْريعِ
كما خُطَّ في رَسْمِ العَروضِ دوائرٌجميعُ الذي مُعَدٌّ لتقْطِيعِ

وقلت أيضا:

وأنِّي في تضْييعِ ما قد جمعتُهلأجْلِ الذي يُولِي الوزيرُ من الغِنَى
كبائعِ بيتٍ كان فيه مَقَرًّهُيقول كفاَني بيتُ شِعْرِيَ مَسْكَناَ

النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الثاني: محاسن العصريين من أهل المغرب وما ولاهما

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.