من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
الوزير عبد العزيز الثعالبي الأديب
ساحر تخلب نفثاته العقول، وفاضل الأيام من فضله غرر وحجول.
إن ذكر رقة طبعه في الشمأل والشمول، أو شعره فما أبيات غيره إلا دارسات رسوم وطلول.
إذا طرز بكلامه برود المجد، تخاله من جارو سكان تهامة ونجد.
قدت من أديم المجد خلاله، ففضح الرياض وسحر السحر أقواله.
ديمة مجد أمطرت سحائبه وسماء فضل شرف كواكبها مناقبه.
شمائلُ لا جَيْبُ الزَّمانِ مُعطَّراًحكاَها ولا خَدُّ الشَّمول مُوَرَّدَا
أطلع في رياض ورده وسوسنه، وأصبح للفقه ملكا فضائله في صحف الدهر) مدونة (.
بمثله بطون الإمكان عقيمة، فلو رآه الثعالبي توج به) تتمة اليتيمة (.
إذا جلى كواعب كلمانه فضحت الكواكب نورا، وإذا أنشد عد نثره سواه هباءً منثورا.
ولما قدم قسطنطينية الروم اجتمع به الأفاضل، وعظمه من بها من الصدور والأماثل، فكتبت إليه مادحا، ولعذب أدبه مائحا، بقولي من قصيدة:
وافَتْ وطَرْفُ النَّجم مكحُولُ الحَدَقْوعارِضُ الظلماءْ في خَدِّ الشَّفَقْ
سكْرانةٌ الألحاظِ من خمر الصِّباتعثُر في ذيلِ ظلامٍ وفَرَقْ
واستعْجلَتْ في خَطْوِها تكان أنتسِبقَ طَيْفَ آملٍ لها طَرَقْ
مائسةٌ تفضَحُ أغْصانَ النقَالها من الحلْىِ ثِمارٌ ووَرقْ
فأبْصَرتْني للسَّقام لابساًملابساً من وَشْيِ أفكارِي أدَقّ
فابْتَسمتْ فكاد مِن بارِقِهافحمُ الدُّجى يحَرْقُه ضوْء الفَلقْ
ما اهتزَّ عصنُ البانِ إلَّا فَرَقاًلأنَّه لهَيَفِ القَدَّ سَرَقْ
ومنها:
ماءُ الجمال في رياض خدَّهاراقَ لنا ظِرى وُرُودُه وَرَقَ
ماذُقتُه وماءُ صَفْوِى كدِرٌبهَجْرِها فكيف لي منه شَرَقْ
وِرْدٌ بأفْواهِ المُنَى مُتعَذَبٌكوِرْد بحرٍ قد نفَى قَذَى الملَقْ
عبدُ العزيز مَن بعِزَّ مْجدِهأحيى زماناً فيه للفضْل رِمَقْ
رَوْضٌ سحابُ الفضل جادَ نَوْرَهحتى زهَا مُقْتَطَفاً ومُنتَشَق
للفضلِ مالكٌ وفي مِضمارِهمن أشْهبِ بقَصَب السَّبْقِ أحَقّ
خُذْها عروساً لبست ثوبَ البهاَسعَتْ إليك بين خَبَّ وعَنَق
لو صُرَّ دُرٍ طَرَقتْ أسماعَهأهْدى لها دُرَّ الثّناء في طَبَقْ
قد وصف السّحرَ لسانُ طِرْسِهابعارِض خُطَّ على خَدَّ الورَقْ
حتى غَدا العْنبرُ يُلْقى نفسَهفي النْار من غَيْظٍ لديه وحَنَقْ
ومدحه صاحبُنا الأديب أبو المعالي الطَّالُوِىَ بقصيدة أنشدنيها، منها:
لعبدِ العزيز الأوْحدِى الثَّعالِبيبدائعُ فاقتْ مُبْدَعاتِ الثَّعالِبي
فما بعدَها في الدَّهرِ تُلْقَى يَتيمةٌولا قبلَها وَشَّتهُ أقلامُ كاتبِ
سَوادُ سطورٍ في بياضِ مَهارِقٍوشَامٌ على خدّ لحسناء كاعبِ
وإلاَّ لَمّى وَسْط الشَفاهِ يُعَلُّ مِنجَنَى النَّحلِ ممزوجاً بماءِ المذَانِبِ
وإلاَّ رياضٌ قد كسَتْها يدُ الصَّباطرائفَ وَشْىٍ من نسيجِ السَّحائبِ
كأنَّ عليها عَبْقرِىُّ مَطارِفِومن حُلَلِ الدَّيباجِ وَشْىُ عصائبِ
فكيف ترَى عينٌ يتيمةَ دهْرِهاوأمٌّ سجاَياهُ وَلودُ الغرائبِ
فاللهِ مولى قد شهدْنا بما وَشىمُكاتبةَ الصَّادَيْن صابٍ وصاحبِ
وحَكَّم في نْظمِ القريضِ خواطراًأبتْ غيرَ نظمِ النَّيراتِ الثَّواقبِ
فما يَشْكُرِىُّ القومِ يوماً وإن شدَابنظْمِ القوافِى عنده غيرَ ناعبِ
فكم بنت فكرٍ قد جلاها بنَانُهعلينا وما غيرُ الأديبِ بخاطبٍ
كأنَّ صَباَ دَارِين فَضَّتْ عضيَّةعلى عِطْفها الميَّاسِ مسْكَ الحقائبِ
ومرَّتْ بوادي الشّجْرِ مجُتازَةَ الَلوَىلوِىَ الرَّملِ فيه البانُ مُرْخَى الذَّوائبِ
تجُاذِبُ من نجْدٍ شَمِيمَ عَرارِهِفيرْنُو لها الحَوْذانُ من لْحظِ غاضبِ
وواَفتْ الزَّرواءِ ليلاً فساجلَتْعلى الكرْخ داراً بالدُّموِع السَّواكبِ
وللمغْربِ الأقْصَى ثنَتْ من عِنانِهاتَؤمُّ حِمىَ البيْضاءِ عَزَّتْ لطِالبِ
بحيث تَرى البيْتَ الإمامِىَّ معتلًىتطوفُ به الأمْلاكُ من كلَّ جانبٍ
مَجَرُّ العوالِى السمْهرِيَّة والقَناومجْرَى الجيادِ المُقْرباتِ السَّلاِهبِ
عليها أسود الإنْس في يوم سِلمِهاوفي الحرْبِ تُلقَى دامِيات المَخالبِ
بها يكْلأُ اللهُ الخلافةَ في حِمىَمليكٍ قصىَّ العزْمِ داني المواهِبِ
حِمَى الملكِ المنْصورِ موْلاىَ أحمدٍإمامِ الهدى رامِى العِدى بالمقَانِبِ
أسودٌ على متْن السَّراحيبِ غابُهامن الأسَل الخطَّىَ دامِى الثَّعالبِ
تلَوَّى بأيْدِى الدَّارِ عينَ كأنَّهاصِلالُ نقاً مَذْعورةٌ في مسارِبِ
تَرى السَّرْدَ نَهْياً والقَتِرَ حَبابَةُفتكْرعُ في حوضٍ من الدَّمَّ راغبِ
مُؤيَّدُ دينِ اللهِ مُشْتجِرُ القَناومُعترِك الَهيْجا بماضِي القواضِبِ
سليلُ الوغَى إن ينتضى يومَ مَعْرَكٍوفيه المنايَا مُزَّفتْ في الكتائبِ
ومنها:
فيا ابْنَ الألَى هذِى مناقبُ فخرِهمْوهل بعد هذا الفخرِ شَأْوٌ لطالبِ
لَعِنْدى على بُعْدِ الدَّيارِ ونأيِهاقلائدُ نظمِ كالنَّجومِ الثَواقبِ
ولكن قوافِى الشّعرِ كيف أجيِدُهاوفيكمْ أتَى التَّنْزيلُ يا آلَ طالبِ
وأنّى لأهْوَى أن أكونَ مع الصَّبارسولاً إلى البيْضاءِ تُقْضَى مآرِبِى
لدَى ملِكٍ دانى النَّوالِ وكفُّهلراجيهِ أندْى من غّيوثٍ سَواكِبِ
على كلَّ خطّ منأسرَّةِ وجْهِهدليلٌ على أن الرَّجا غيرُ كاذبِ
لُسدِتِه مأوَى العُفاةِ بَعْثتُهاقوافِ عسى عَّنى تقومُ بواجبِ
عليها من المدْحِ الإمَامِىّ جوْهرٌترَقْرَق ماءَ في متونِ القواضبِ
وأنشدني الفاضل عبد العزيز بقسطنطينية قصيدة، منها:
زُجاجةُ الفجْر أبدتْ خَمْرةَ الشَّفقِولُجَّة الصَّبحِ أخْفَتْ نَرْجسَ الأفُقِ
فبات في زُهُر طِلاًوليس غيرُ دخانِ النَّدّ من غَسَقِ
والليلُ قد قلَّد الإصْباحَ حين بدَاكأسْودٍ لابسٍ طوْقاً من الورِقِ
وما محاَ الصُّبحُ نِقْسَ الليلِ واسْتَترتْسَوْساَنةُ الفجْرِ يوماً وَرْدةُ الشَّفَقِ
لكن دمُ اللَّيلِ لمَّا سالَ عَنْدَمُهأنَتْ لتْقطعَه كافورةُ الفَلَقِ
في روضةٍ أودعَتْها السُّحْبُ سِرَّ شَذاًفنَمَّ وَفْدُ الصَّبا عن نَشْرِه العَبِقِ
فيها لكُمْتِ كؤوسِ الرَّاح مُعْتركٌوليس غيرُ اْحمرارِ الوردِ من عَلَقِ
حيثُ الأسِنةُ زُرقٌ من بَنَفْسَجهِوخَضْرُ أوراقهِ فيهنَّ كالدرَقِ
وللشَّقيقِ اْحمرارٌ في جوانِبهِكأنَّهن جِراحاتٌ على نَسَقِ
والرّيحُ فوق مُتُونِ الماء طالعةٌبيضاً على زَرَدٍ مفْكوكة الَحلَقِ
والرّوضُ مثلُ أبى حفْصٍ وبهْجتُهكخُلْقِه وشذَا ربَّاهُ كالخلقِ
نَجْلُ السّرِىّ أبى العباس من ظَهرتْآياتُ سُؤددِه في وجْهِه الطَّلقِ
وعلى بنوالها قول الحلي:
فَيْرُوزَجُ الصُّبحِ أم ياقُوتَهُ الشَّفَقِبَدتْ فهيَّجتِ الورْقاءَ في الورَقِ
وبيت الشقيق من قول القاضي عياض:
انْظُر إلى الزرْعِ وخاماتِهتحُكى وقد ماسَتْ أمامَ الرّياحْ
كَتيِبةً خضْراءَ مهزومَةًشقائِقُ النُّعمانِ فيها جِراحْ
ولابن الزقاق الأندلسي
نُثِر الوَرْدُ في الغدِيرِ وقدْدرّجه بالُهبُوب نَشْرُ الرّياحْ
مثل دِرْعِ الكِمِىَّ مزَّقَها الطَّعْنُ فسالتْ بهِ دِماءُ الجِراحْ
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع