من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
السيد يحيى القُرطْبِيّ
هو فيما بَلغني روضٌ مُخصِب ربيع، من وادٍ بالفضل مَرِبع.
مِن فُرُوعِ الدَّوْحَةِ العَليّة العلَوية، وثمراتِ تلك الشجرةِ النبوية، الباسِقة بما سقاَها من ماء الندى، والمُورقة المُثْمرة بالعلم والهُدَى.
فَخَارٌ لو أنَّ الشمسَ تُكْسى سَنائًهُلما غشِيَتْها المُظْلمِاتُ الدَّوَامِس
أسِر بالأنْدلس في وَقعةٍ أسَرَتْ أفراحَ القلوب، وشَقَّت قلوبَ المؤمنين قبل الُجْيوب، فأصبحَ في حالٍ تعُدُّ المَنايا أمانياَ، ويَرى لضَعْفِ الدّين الموتَ طبيبِاً شافيا.
إذ عَثُرتْ خيولُ الفِتَن والنّقَم، بَذوِى المروءةِ والنّعم، فأرسلَ قصيدةً نعَى بها الإسلام، ونادى ملوكَ الرُّوم وعلَماءها الأعْلام، فلم يجد بها صَفيِا، يقول له لقد أسْمَعْتَ لو ناديتَ حَيا، وذلك في عهد السلطان سُلَيمان، الذي دخل في خبركان، وهي هذه:
لكلّ شئ إذا ما تمّ نُقْصانُفلا يُغَرُّ بطيبِ العيش إنسانُ
هيَ الأمور كما شاهدُتَها دِوَلٌمَن سرَّه زمنٌ ساءتْه أزْمانُ
وعالَمُ الكونِ لا تْبقَى محاسنُهولا يدومُ على حالٍ لها شَانُ
يمُزَّقُ الدهرُ منَّا كلَّ سابِغةٍإذا نَبَتْ مَشْرَ فيَّات وخُرْصانُ
وينْتضَى كلَّ سيفِ للفناءِ ولوكان ابن ذِى يَزِنٍ والغِمْدُ غُمْدانُ
أينَ الملوكُ ذوو التّيجانِ مِن يَمَنٍوأينَ منهم أكاليلٌ وتيِجانُ
وأين ما شادَه شَدَّادُ من إرَمِوأين ما سَاسَهُ في الفُرْس ساَسانُ
وأين ما حازَه قارونُ من ذهبٍوأين عادٌ وشَدّادٌ وقَحْطانُ
أتى على الكلَّ أمرٌ لا مَرَدّ لهحتى قَضَوْا فكأنَّ الكُلَّ ما كانُوا
وصار ما كان مِن مُلْكِ ومن مَلكِكما حكَى عن خَيالِ الطَّيْفِ وَسْنانُ
دار الزَّمانُ على دَارَا وقاتلِهوأمَّ كِسْرَى فما آواهُ إيوَانُ
كأنّما العَّصْبُ لم يُسْهِل سَببٌيوماً ولم يَمْلكِ الدُّنْيا سُليمانُ
فَجائِعُ الدَّهرِ أنواعٌ مُنوَّعةٌوللزَّمانِ مَسرَّاتٌ وأحْزانُ
وللمصائبِ سُلْوانٌ يُهوَّبُهاوما لِماَ حلَّ بالإسْلامِ سُلْوانُ
دَهَى الجزيرةَ خَطْبٌ لا عَزائ لههَوىَ له أحُدٌ وانْهدَّ ثَهْلانُ
أصابَها العينُ في الإسْلام فامْتُحنتْحتى خلَتْ منه أقْطارٌ وبُلدْانُ
فَسلْ بَلَنْسِيةً ما شأْنُ مُرْسَيةٍوأين قُرْطَبةٌ أم أين جَيَّانُ
وأين حِمْصٌ وما تحْويهِ من تُرَهٍونهْرُها العذبُ فيَّاضٌ ومَلآْن
كذا طُلَيْطُلًةُ دارُ فكْممن فاضلٍ قد سمَا فيها له شَانُ
وأين غَرْناطَةٌ دارُ الجهادِ وكمْأُسْدٍ بها وهُم في الحرْب عُقْبان
وأين حَمْراؤُها العَلْيا وزْخرُفُهاكأنَّها من جِنِان الخُلْدِ عَدْنان
قواعدُ كُنَّ أركانَ البلادِ فماعسى البكاء إذا لم تَبْقَ أَرْكانُ
والماء يجْرِي بساحاتِ القصور بهاقد حَفَّ جدْولَها زَهْرٌ ورَيحْانُ
ونهرُها العذبُ يحكي في تَلسلهُسيوفَ هندٍ لها في لحوَ لمعانُ
وأين جامُعها المشهوُر كم تُليِتْفي كلّ وقْتٍ به آيٌ وفُرْقانُ
وعالِمٌ كان فيه للجَهُول هدًىمُدرّسٌ وله في العِلمْ تِبْيانُ
وعابدٌ خاضعٌ للهِ مُبْتهلٌوالدَّمعُ منه على الخدَّيْنِ طوفانُ
وأين مَالَقَةٌ مَرْسَى المراكِبِ كمْأرْسَتْ بشاحتِها فُلكٌ وغِرْبانُ
وكم بداخِلها من شاعرٍ فَطِنٍوذِى فُنونٍ له حِذْقٌ وتِبْيانُ
وكم بخارِجها من مَزْهٍ فرجٍوَجَنَّةٍ حولَها نهرٌ وبُسْتانُ
وأين جارتُها الزَّهْرَاء وقبَّتُهاواين يا قومُ أبْطالٌ وفُرسانُ
وأين بَسطةُ دارِ الزَّعْفرانِ فهلْرأى شبيهاً لها في الحُسن إنْسانً
وكم شجاع زعيمٍ في الوغَى بطَلٍبدَا له في العِدى فَتْكٌ وإمْعانُ
كم جَنْدلتْ يدُه من كافرٍ فَغداتبْكيهِ من أرْضِه أهلٌ ووِلدانُ
ووَادياً مَن غدَتْ بالكفر عامرةًورُدَّ توحيدُها شِرْكٌ وطُغْيانُ
كذا الْمَرِيةُ دارُ الصّالحين فكمْقُطْبٍ بها عَلمٍ غَوْثٍ له شانُ
تبْكِى الحنيفَّيةُ البيْضاء من أسَفكما بكَى لفِراق الإلْفش هَيْمانُ
حتى المحاريبُ تبْكى وهْىَ جامدةٌحَّى المنابرُ تبكى وهىْ عِيدانُ
على ديارٍ من الإسْلام خاليةٍقد أقْفَرتُ ولها بالكفر عمرْانُ
حيثُ المساجد قد أمْسَت كنائسَ مابهِنَّ إلا نَواقيسٌ وصلْبانُ
يا غافلاً وله في الدَّهرِ موعِظةٌإن كنتَ في سِنَةٍ فالدهرُ يْقظانُ
وماشياً مرِحاً يُلْهِيه موطِنهُأبَعْدَ حِمْصٍ تَغُرُّ المرْءَ أوْطانُ
تلك المصيبةُ أنْتْ ما تقدَّمَهاومالَها مَعْ طويلِ الدَّهْر نِسيْانُ
يا راكبينً عتِاقَ الخْيل ضامِرةكأنَّها في مجالِ السَّبْق عِقْبانُ
وحاملينَ سُيوفَ الهنْدِ مُرهَفةًكأنَّها في ظلام الليلِ نِيرانُ
ورائعينَ وراء النهَّرِ من دَعَةٍلهم بأوْطانِهم عِزٌ وسُلطانُ
أعندكُمْ نَبَا من أمْر أندْلسفقد سَرَى بحديثِ القومِ رُكبانُ
كم يْستغيثُ صنادِيدُ الرّجالِ وهُمْأسْرَى وقْتلى فلا يهتزّ إنْسانُ
ماذا التقاطُع في الإسْلام بينكمُوأنُتُم يا عبادَ اللهِ إخْوانُ
إلا نُفوسٌ أبيِاَّتٌ لها هِممٌأمَا على الخيرِ أنْصارٌ وأعْوانُ
يا مَن لنُصْرةِ قومٍ قُسَّموا فِرقاًسطَا عليهم بها كفرٌ وطغْيانُ
بالأمسْ كانوا مْلوكاص في منازِلهمْواليومَ هم في قُيودِ الكفرِ عُبْدانُ
فلو تراهمْ حيَارى لا دليلَ لهمْعليهمُ من ثيابِ الذُّلّ ألوانُ
فلو رأيتَ بُكاهُمْ عند بَيْعِهمُلهالَكَ الأمرُ واسْتَهْوتكْ أحْزانُ
يا رُبّ طفلِ وأم حيلَ بينهُماكما تفُرَّق أرواحٌ وأبْدانُ
وغادةٍ ما رأتْها الشمسُ بارزةًكأنَّما هيَ ياقوتٌ ومَرْجان
يقودُها مِلجُ عند السَّبْي صاغِرةوالعينُ باكيةٌ والقلبُ حَرَّان
لمثْل هذا يذوبُ القلبُ من كمدٍإن كان في القلب إسْلامٌ وإيمانُ
هل للجهادِ بها من طالب فلقدْتزَخْرفَتْ جَنَّةُ المأوى لها شَانُ
وأشرفَ الحورُ والولدانُ مِن عُرَفٍفازَتْ لعَمْرِى بهذا الخيْر شُجْعانُ
ثُمَّ الصَّلاُ على المختارِ من مْضَرما هبَّ رِيح صَباً واهتز أغصانُ
)
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع