من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
عبد الرحمن، وعلى ابنا كثير المكّيَّان
أديبان هما في وجهِ الكمال غُرة، وجَوادان سماءُ كرَمِهما للعافِين ثَرَّة.
أمْتَطيا ظهْرَ المجد، ونزلا بطْنَ تِهامةَ وظْهر نَجْد.
بهِمة إذا غزَتْها النَّوائب، كانت عن حَدّ المُرْهفَات نوائِب الْتجافي الدولة الَحَسنِية إلى طِراز الدُّول، وأوَيا لها حيث لا عاصِمَ من طُوفان الخُطوب غلا ذلك الجَبل.
فأصبحتْ يدُ الجود لأسْباب الغَنى رابِطة، ونُظمتْ عقودُ الكرَم في جيِد أملِهما بلا وَاسطِة، ففي تلك الأكُفّ بِحارٌ تَغْرَق فيها الآمال، ويرشَح من عرَقِ الخجلِ لها جَبينُ السَّحاب الهَطَّال.
من كل مَن مسَحَتْ راحةُ إحسانهِ، قذَى الفقرِ عَيْن زمانِه.
فنادى لسانُ العياَن، قد وضَح الصُّبح لمن له عَينْان.
فمما أنشد لعبد الرحمن قوله:
كبارُ زمانِنا أضْحَوْا صغاراًوقد غضِب الزمانُ على الكبارِ
كأنَّ زمانَنا من قوم لوُطٍله وَلَعٌ بتقْديمِ الصّغارِ
وفي معناه قول المِعْمار:
أبْرى مُغرًى بالّلواطِ الذييقبحُ لا سِيمَّا على مثْلِهْ
أوقَفَ لا تسَلْ ما جَرىوصرتُ خلْفَ الناسِ من أجْلهِ
وقلت:
وزمانٌ فيه الصَّغيرُ يُقدّمْأتُراهُ لذلك الذَّنْبِ ينْدَمْ
لعَن اللهُ قومَ لوُطٍ فهُمْ قدْعلموهُ التقْديمَ حتَّى تقَّدمْ
وقلت أيضا، وهو أحسن مما تقدَّم:
أقول لهذا الدَّهْرِ عَتْباً على م لاتُقدمُ مَن قد قدَّمَتْهُ الورَى حقا
فهمَّ بتْقديمِ المُقدَّم تَوْبةفكان الذي قد رامَ تقْديمه عِلقْاَ
ومما أنشدته لعلىّ بن كَثير قوله:
صحِبتُ الأنامَ فألفْيتُهمْوكلٌ يميل إلى شَهْوتِهْ
وكلٌّ يُريدُ رِضى نفْسِهويجلِبُ ناراً إلى بُرْمَتهْ
فاللهَّ دَرُّ فَتى عارفٍيُدَارِى الزمانَ على فِطنتِهْ
يُجازِى الصَّديقَ بإحْسانِهويُبقْى العدوَّ إلى قُدْرتِهْ
ويلبَسُ للدهرِ أثْوابَهُويرقصُ للقرْد في دَوْلتِهْ
وقوله:) يجلب ناراً إلى بُرْمتَه (البرمة: قِدر من حجارة، بلُغة أهل مكَّة.
هذا المثل كقولهم في مثل آخر:) كلٌّ يحطِب في حْبلِه، ويجر النارَ لقُرْصه (أي رغيفه.
وما أحسن قوله أيضا:
ويوم قَر زاد أرْياحُهيخْمشُ الأبْدانَ من قَرْصِهاَ
يومٌ توَدُ الشمسُ من بَرْدِهِلو جرَّت النارَ إلى قُرْصِهاَ
وفي معنى قوله:) ويرقص للقرد (ألخ، قولُ الأهْوازِى
قُلْ لمن لامَ لا تلُمْنِيكلُّ امْرِئ عالمٌ بشَأنِهْ
لا ذنْبَ فيما فعلتُ أنيرقصْتُ للقرْدِ في زمانِهْ
من كرَمِ النفسِ أن ترَاهاتحْتمِل الذُّل في أوَانِهْ
ولأبي تمامَّ:
لا بُدَّ يا نفسُ مِن سُجودٍفي زَمنِ القِرْدِ للقُرودِ
وتقدم الصغار داره قديم، مَّمن ابْتُلىَ به الثَّعالبي، وقد اشْتكاه بقوله: في قصيدة له:
لكَ الدُّنيا وما فيها بِلادٌتُلاحِظُها بَعْينيْك احْتِقارَا
تكَبَّر ذا الزَّمانُ على بنيِهفعِشْ حتى تُعّلمَه الصَّغارَا
وصار صِغارُهمْ فيه كِباراًفدُمْ حتى تَردَّهُمُ صِغارَا
خدمْتُ لك الملوكَ أرُوضُ نْفسِيلآمنَ تحت خِدْمِتك العَثارَا
ولو كانتْ لنا الدُّنيا جعلناَلك الدُّنْيا وما فيها نِثارَا
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع