تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)

جمال الدين بن صدر الدين بن عصام الدين، العلامة الإسْفَرَايِنِىّ

فاضلٌ نَشاْ بمكَّة بين تِهامة ونَجْد، ورُبّىَ في حَجْر المعالي والمجد، ففاق طبُعه رِقه وطِيباً نسيمَ النْرجِس والوَرْد.

وخلعتْ عليه الأيامُ جمالَها، وأفاض اللهُ عليه فضْلَها وأفْضالَها.

واللهُ جميلٌ يحبُّ الجمال، والدهرُ قد يُسعِفُه وإن كان عدوَّا لأهل الكمال.

فحاز كرماً ومجدَا، وفاح عَنْبَراً ونَدا.

عَطاه ولا مَنٌ وحُكمٌ ولا هَوًىوحِلْمٌ ولا عجْزٌ وعزٌ ولا كِبْرُ

وهو في الفضل عصِاميٌ عريق، له عَذْبُ مَشْربٍ بين العُذَيب والعَقيق.

وأنا وإن لم أرَه فقد صاحبُتُ أخاه عليَّا، ورأيتهُ وقد رفعه الله مكاناً عَلياَّ، ففُزْت بصُحْبته وقد طافتْ وُفودُ الآمالِ حولَ كَعْبتِه.

جمالَ ذِي الأرضِ كانوا في الحياةِ وهمْبعدَ المماتِ جمالُ الكُتْبِ والسّيَرِ
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «أدر أحاديث سلع والحمى أدر»

فمن شعره قوله:

فنِجْانُ قَهْوةِ ذّا المليحِ وعْينُه الكَحْلاْء حارَتْ فيهما الألْبابُ
فسَوادُها كسَوادِها وبياضُهاكبياضِها ودُخانُها الأهْدابُ

قال أبو منصور الجْوَاليِقي في كتاب) المُعرَّب (: الفنجان معرَّب، وصوابه فنْجانة، وفيه نظَر وتشبيه الدُّخان بالأهْداب تشبيه بديع.

ومثله في الحُسنْ قولُ الصَّنَوْبَرىّ

مُجمَّرةٌ طاف بها الغِلْمانُأبدَعَ في صَنعتِها الزَّمانُ
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
كأنها فيما حكَى العَيَانُفَوّارةٌ وماؤها دُخانُ
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
في بِرْكةٍ حَصْباؤها نيِرانُإذا تَبدّتْ حَزِن الرَّيحْانُ
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

وسُرَّتِ الجُيوبُ والأرْدَانُ

وقلتُ فيها، من أرجوزة أيضا:

لله ما أحْسنَها من مُجمَّرهْأنْفاسْها طيبةٌ مُعَطره
كأنَّها ورِيحُها طُيَّابُنَرْجسَةٌ من فوقِها ضَبابُ

وعلى ذِكْر الأهداب انظر حسنُ قولي، في مليح لبي فَرْوة سَمور

وضَبيٍ مِن السّمُّورِ ألْبس فرْوَةًوماسَ كما هزَّتْ ضَباً سُحرة سَرْوَا
كأنّ عيونَ الناسِ من دَهْشةٍ بهتُخلّف أهداباً فتحسَبُها فَرْوَا

ولشيخنا العِناياَتي، من قصيدة:

قَهْوةٌ لا صُداعَ فيها نَعَمٌ فيها مُزيلٌ مِن الصُّداِع مُريح
صِبنَ في الصّينِ مِسْكُها فحكاهالَعَسٌ في بياضِ ثْغرٍ يلُوحُ
ليلُ وصْل في صُبْحِ لُقْيا حبيبٍطاب منها غَبُوقُها والصَّبوحُ

وللأستاذ محمد البَكْرى، أو لمحمد ماَماَى المعروف بالرُّومِي:

أنا المعشوقةُ السَّمْرَاوأجْلَى في الفناَجِين
وعودُ الهِنْدِ لي طِيبٌوذكْرِى شاعَ في الصِّينِ

وكتب جمال الدين للقطب المكَىّ، يهنّيه بشهر رمضان:

يا شيخَ أهل العلمِ في أمّ القُرَىرمضانُ هَلَّ ببَهْجةٍ لم تُوصَفِ
فَتَهَنَّ وحدَك إن ذاتَك أصبحتْهي اشرفٌ في أشْرفٍ في أشًرفِ

فأجاب، وأجاد، وأجاز:

يا واحدّ الفُضلاءِ أنتَ جمالُنافَتَهَن بالشهرِ الشريفِ الأشْرفِ
شعْرٌ بِشْعر لا رِباً فيه وإنزاد العِيارُ فوزْنُ هذا الأشْرَفي

الأشرَفي في العُرْف بمعنى الدّينار، نسبةً للملك الأشرف، وتوحيده جرّته القافيةُ.

ولابن الَقّيم وقد مدح مَن أجابه، وأجازه:

ولما مدحت الهِبْرزِى بنَ احمدٍأجاز وكافَني على المدْحِ بالمدِْح
فعَّوضنيِ شِعْراً بشْعرٍ وزادنيعطاءَ فهذا رأسُ ماليِ وذَا رِبْحِي
لفظْتُ ملوك الأرضِ حتى لقِيتهُفكنتُ كَمن شقَّ الظلامَ إلى الصُّبحِ

وهذا من قول ابن سِنان الخَفاَجِيّ:

طوَيتُ إليك الباخِلينَ كأنَّنيسرَيْتُ إلى شمسِ الضُّحَى في الغَياهِبِ

ومما يشبه هذا قولُ البَبَّغاء:

زمنُ الوردِ أشرفُ الأزْمانِواوانُ الرَّبيعِ خيرُ أَوانِ
أدرك النَّرْجِسُ الجنِىُّ وفُزْنامنهما بالخُدودِ والأجَفْانِ
للشاعر الببغاء، من قصيدة «زمن الورد أظرف الأزمان»
أشْرفُ الزَّهْرِ زارَ في أشرفِ الدّهرِ فصِل فيه أشرفَ الخِلاَّن
للشاعر الببغاء، من قصيدة «زمن الورد أظرف الأزمان»

ومدح البُحتُرِيَ طاهرَ بن إسماعيل الهاشِمي، فبعث له بدنانير، وكتب معها:

لو يكون الحِياء حسْبَ الذش أنْلدينْا له مَحَلٌ وأهلُ
لُحَييبَ اللُّجَينَ والدُّرَّ والياقوتَ حَثْواً وكان ذاك يَقِلُّ
والشَّريفُ الظريفُ يسمحُ بالعُذْرِ إذا قصَّر الصديقُ المقِلُّ
للشاعر البحتري، من قصيدة «لَوْ يَكُونُ الحِبَاءُ حَسْبَ الذي أنْت»

فردَّها، وكتب إليه:

بأبيِ أنتَ للبرَّ أهلُوالمساعي بَعْدٌ وسَعْيُك قَبْلُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «بأبي أنت للبر أهل»
والنّوالُ القليلُ يكثُر إن شاء مُرجّيك والكثيرُ يقِلُّ
للشاعر البحتري، من قصيدة «بأبي أنت للبر أهل»
غير أنَّى رَدَدتُ برَِّك إذْ كان رِباً منك والرّبا لا يحلُّ
للشاعر البحتري، من قصيدة «بأبي أنت للبر أهل»
وإذا ما جزِيْت شعراً بشْعرٍيبلُغُ الحقُّ والدنانيرُ فَضْلُ

ومثله قول أبي القاسم الدَّاوُدِي:

ربما قصَّر الصديقُ المُقِلُّعن حقوقٍ بهنَّ لا يسْتقلُّ
ولئن قلَّ نائلٌ فصَفاهُفي وِدادٍ ونيَّةٍ لا يِقلُّ
أرْخ سِتْراً على حَقارةِ برِىّهَتْكُ برَّ الصديقِ ليس يحِلُّ

ولنْورد هنا رِبا الشعر، وما قيل فيه؛ فإن الحديث شُجون.

وقد قال الصنَوْبَري:

لستُ أستحسنُ الرّبا في سوى الوُدّ فأجْزِي مثْلاُ بمثلٍ وأُضْعِفْ
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

ولما هنَّأ الشعراء ابن طاهر بولاية خُرَاسان وأنشده تّمام بنُ ابي تمام

هنَّاك ربُّ العرشِ هنا كامامِن جزيل المُلكِ أعْطاكاَ
قرَّتْ بما أعطِيتَ ياذا الحِجاَوالباسِ والإنْعامِ عيْناكَا
أشرقتِ الأرضُ بما نِلتهُوأوْرقَ العودُ بجَدْواكاَ

استضعف الحاضرون شعرَه، وقالوا: ما أبعدَ ما بينه وبين أبيه.

فأجابه بعضُهم بقوله:

حيَّاك ربُّ الناسِ حيَّاكاَإنَّ الذي أمَّلتَ أخْطاكاَ
مدحْتَ خِدْناً متهما ما لهولو رأى مَدْحاً لواساكاَ
فهاكَ إن شئْتَ بها مِدْحةًمثلَ الذي أعْطَيْتَ أعْطاكا

فقال: أعز الله الأميرَ، الشعر بالشَّعر رِباً، فاجعل بينهما مِنَحاً من الدراهم؛ حتى يحِلَّ.

فضحك، وقال: إن لم يكن معه شعرُ أبيه، فمعه ظَرْفُه، وأجزل جائزتَه.

وقال السّراج الورَّاق:

وعوَّضَنيِ على شِعْري بشعْرٍوجازَى بالمُحال على المُحالِ
ولستُ ألوُمه فيما أتاهُلِعادتهِ قديماً بالبدالِ
للشاعر السراج الوراق، من قصيدة «وجازاني على شعر بشعر»

وكتب دِعْبل لأبي دُلفَ، وقد انقطع عنه:

هجَرتُك لم أهجُرك كُفْرانَ نِعْمةٍوهل يُرْتَجى نَيلْ الزيادة بالكُفرِ
ولكنني لما أْتيتُك زائراًفأفْرطتَ في بِرَّى عجزتُ عن الشكرِ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة»
فإن زدْتني بِرا تزايدْتُ جَفْوةفلا نَلتقي طولَ الحياة إلى الحشْرِ

فوجَّه له ألفَ دينار، مع رُقْعةٍ فيها:

إلا رُبَّ ضيفٍ زائرٍ قد بسطْتُهوآثرْتُه قبلَ الضّيافةِ بالبشْرِ
أتاني بترْحيبٍ فما حال بيِنْهوبين الِقرَى والبشْرِ من نائلٍ نزْرِ
رأيتُ له فضلاً علىَّ بقَصْدهِإلى أن يراني موضعَ الحمدِ والشكرِ
فزوَّدْتُه مالاً يقلُّ بقاَؤهوزوَّدني حَمْداً يدومُ على الدَّهرِ

فردَ دِعْبل الألفَ، وقال: الشّعر بالشعر، والبرُّ رِباً.

ومثل قول دِعْبل لأبي العلاء المعَرّي

لو اخْتصرتُمْ مِن الإحْسانِ زُرْتُكمفالعَذْبُ يُهْجرُ للإفْراطِ في الخَصَرِ
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر»

وكنت كتبتُ لبعض الناس شعْراً فأجاب عنه بشْعرٍ فكتبتُ له:

فدَيْتُك قد بعْثتُ الشّعر دُرّانفيساً عِقْدُه مِنَنُ الرَّقابِ
فجثتَ بمثْلِه مِن غير وَزْنٍيُعفّر في الوُجوهِ ولا يُحابِى
عملْتَ بسنةَ المختارِ لَّمامنَنْتَ به سريعاً في جوابي
وقلتَ بلا رِباً وفَّنْتُ مَدْحاًبمَدْحٍ منك صرْتَ به تُرَاب

ى

النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر مكة المشَّرفة ومن بحماها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.