من «الدرة الخطيرة في شعراء الجزيرة» لابن القطاع الصقلي (ت ٥١٥هـ)
أبو العرب مصعب بن محمد بن أبي الفرات القرشي
[شاعر دهره، وواحد عصره] مولده بصقلية في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، وخرج عنها لما تغلب الروم عليها في سنة أربع وستين وأربعمائة قاصداً المعتمد محمد بن عباد فمدحه [وحظي بصلاته].
من ذلك قوله من قصيدة مدحه بها أول ما لقيه في ربيع الأول سنة خمس وستين وأربعمائة:
أحادينا هذا الربيع فخيموأمنية المرتاد والمتيمم
وحط به عن ناجيات كأنهاقسي رمت منا البلاد بأسهم
ومنها:
يشاهد أسرار الزمان جليةًبفطنة مدلول البصيرة ملهم
أياد أبانت عنه وهي صوامتورب مبين ليس بالمتكلم
فلا الغرض الأقصى عليه بعازبٍبعيد ولا المعتاص عنه بمبهم
وقال:
تخشى بوادره والحلم حاجزهاإن السيوف لتخشى وهي في القرب
ويضرب الذكر صفحاً عن مواهبهكأنه لم يجد يوماً ولم يهب
وأولها:
اهجر رشادك في وصل ابنة العنبولا تعقن أم اللهو والطرب
متع شبابك واستمتع بجدتهفهو الحبيب إذا ما بان لم يؤب
من ضيع اللهو في بدء الشباب طوىكشحا على أسف لم يغن في العقب
والحلم قيد فدعه واخط في مرحوالجد داء فداو النفس باللعب
واللهم للنفس شيطان يوسوسهافاقذفه من أنجم الصهباء بالشهب
بكر حصانٌ إذا ما الماء واقعهاأبدت لنا زبداً من سورة الغضب
كادت تطير نفاراً حين لامسهالولا الشباك التي صيغت من الحبب
وقال:
وما لحظت عيناي في الدهر قبلهفريداً أرى كل الورى منه وحده
ومن معجزات المجد والفضل أننيأشاهد منه الضد ينصر ضده
دنا كرماً لما تباعد رفعةدنو الغمام المستهل وبعده
أقرت له هام الأعادي فحالفتقلوباً عرفن الحق واعتدن جحده
وقال:
أبهى المناظر في عيني وأحسنهاكأس بكف رخيم الدل سحار
كأنه إذ يسقى سادة زهرانجم يوزع شمساً بين أقمار
وقال:
كأن فجاج الأرض يمناك إن يسربها خائف تجمع عليه الأناملا
فأنى يفر المرء عنك بجرمهإذا كان يطوي في يديك المراحلا
وقال:
لما لقوا جيشك المنصور منتظماظلت رؤوسهم بالبيض تنتشر
أولغت شبلك في الهيجا دماءهمحتى تورد منه الناب والظفر
إن الدماء لمكروه مغبتهالكنها عند آساد الوغى هدر
وقال:
وإني لأستشفي بطيف مسلميبل غليلي باللقاء ويبرد
وما خاف طيف في الزيارة رقبةولكن رقيب الطيف طرف مسهد
وهل في ضمير الدهر للقرب عودةفتغني كما كنا، أم الصبر أعود؟
ليالي ترضينا الليالي كأنهاإلينا بإهداء المنى تتردد
همام يجر الجيش جماً عديدهلأرض الأعادي زائر متعمد
كأن الضحى يعتل منه فيكتسيشحوباً وعين الشمس تقذى وترمد
فقل هو ليل في الظهيرة مظلموقل هو بحر في البسيطة مزبد
كأن الردى فيه تضل نفوسهمفيهديه من صوت القواضب منشد
نجوت فعمري مستجد وإنمانجاة الفتى بعد المخافة مولد
وأحسنت الأيام حتى كأنماتنافس في الإحسان يومي والغد
وقال:
عرفت فودعت الصبا والغوانياوقلت لداعي الحلم لبيك داعيا
فما تزدهيني ذات دل غريرةٍتزين للكهل الحليم التصابيا
ولكن قصرت العين عن كل منظرفما أرسلت لحظا على القلب جانيا
غضوب لدين الله في كل موطنيعاف الرضى حتى يرى الدين راضيا
ألا إنني لما عددتك أولاختمت وما استثنيت بعدك ثانيا
وقال:
إلام اتباعي للأماني الكواذبوهذا طريق المجد بادي المذاهب
أهم ولي عزمان عزم مشرقوآخر يغري همتي بالمغارب
ولا بد لي أن أسأل العيس حاجةتشق على أخفافها والغوارب
علي لآمالي اضطراب مؤملولكن على الأقدار نجح المطالب
فيا نفس لا تستصحبي الهون إنهوإن خدعت أسبابه شر صاحب
ويا وطني إن بنت عني فإننيسأوطن أكوار العتاق النجائب
إذا كان أصلي من تراب فكلهابلادي وكل العالمين أقاربي
وما ضاق عني في البسيطة جانبوإن جل إلا اعتضت منه بجانب
إذا كنت ذا هم فكن ذا عزيمةفما غائب نال النجاح بغائب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع