من «الروضة الفيحاء في أعلام النساء» لياسين الخطيب العمري (ت ١٢٣٣هـ)
عنان جارية الناطفي
كانت جميلة الصورة، حسنة السيرة، ما رآها أحد إلا وأحبها وكانت تحسن الغناء، والألحان بحسن صوت يذهل الألباب، وكان أبو نواس قد شغف بها، وله فيها أشعار تحير الأفكار، فاتفق يوماً من الأيام [أن] أصاب عنان مرض منعها عن القيام، ولم يعلم بذلك أبو نواس، فتمرض لمرضها وامتنع من الخروج، فدخل عليه بعض أصحابه يعودونه فوجدوا فيه خفة فجلس معهم وسألهم، من أين أقبلتم: فقالوا: من عند عنان عدناها. فقال أبو نواس: أو كانت عليلة. قالوا: نعم، وقد عوفيت، فقال: والله لقد أنكرت علتي هذه، ولم أعرف لها سبباً غير أني توهمت وظننت أن ذلك لعلة نالت بعض من أحب، ولقد وجدت في يومي هذا راحة ففرحت، وقلت: عسى أن يكون عافاه الله قبلي، ثم دعا بداوة، وكتب إلى عنان.
إنِّي حممتُ، ولمْ أشعر بحمَّاكحتَّى تحدَّث عوَّادي بشكواكِ
فقلتُ ما كانتْ الحمَّى لتطرقنيمن غيرِ ما سببٍ إلاَّ بحمَّاكِ
وخصلة كنت فيها غيرُ متَّهمعافاني اللهُ منها حيت عافاكِ
حتَّى إذا اتَّفقتْ تفسي ونفسكِ فيهذا وذاكَ وفي هذا وفي ذاكِ
وأرسلها إلى عنان فشكرته على صدق محبته لها. ونظير ذلك ماحكي: أن مجنون ليلى كان جالساً عند جماعة من قومه، فل يشعر إلا والدم يجري على محل الفصد، وذلك بغير مبضع فتعجب الناس منه. ثم انقطع فسأل عن ذلك، فقيل إن ليلى قد فصدت وهي في حيها، ولما قطعته، انقطع دم المجنون، والله أعلم. وهذا يدل على صدق المحبة، وأما في زماننا هذا فكثير من يعشق الصبح، ويواصل الظهر، ويسلو العصر، ثم يعشق غير محبوبه، وأما مجنون ليلى فقلما يوجد مثله.
روى المرزباني: أن المجنون خرج مع أصحابه يوماً ليمتار من وادي العزى فمر بجبل نعمان، وقد كانت ليلى تنزله، وهما جبلان، فسأل المجنون أصحابه: أي ريح تهب من نحو أرضها؟ فقالوا: الصبا. فقال. والله لا أبرح حتى تهب الصبا، فأقام في ناحية الجبل، ومضى أصحابه وامتاروا لهم وله، ثم عادوا إليه فحبسهم حتى هبت الصبا، وسار معهم، وأنشد يقول:
أيا جبلي نعمانَ باللهِ خلِّيانسيم الصَّبا يخلصُ إليَّ نسيمها
أجدُ بردها أو تشفّ منّي حرارةًعلى كبدٍ لمْ يبقَ إلاّ صميمها
فإنَّ الصَّباريحٌ إذا ما تنسَّمتْعلى نفسِ مهمومٍ تجلَّتْ همومها
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع