من «الروضة الفيحاء في أعلام النساء» لياسين الخطيب العمري (ت ١٢٣٣هـ)
مزنة بنت عبد الله الكناني
كانت من أجمل أهل زمانها وجهاً ومنظراً تزوجها رجل من بني عمها، وذلك قبل الإسلام وكان لزوجها أخ أصغر منه، فأقامت عندهم زماناً ولم ينظرها الأخ الصغير، ولا هي أظهرت له نفسها لفرط حسنها، فاتفق [في] يوم من الأيام أن زوجها سافر إلى بيت الله الحرام، فخرجت يوماً، مزنة، لبعض حاجاتها، وهي حاسرة تخجل الشمس في الصاحية، فنظرها أخو زوجها فأحبها، فلما رأته يطيل النظر إليها غطت وجهها بمعصمها، فزاد ذلك بلابله، وتغيرت أحواله، وحمل الشوق على بدنه حتى لم يبق إلا رأسه، وعيناه تدوران في وجهة، فقدم أخوه الكبير فوجده عليلاً، فأرسل إلى الحارث بن كلدة طبيب العرب، فقدم إليه ولمس عروق ذلك المريض، فإذا ساكنها ومتحركان فقال الحارث: ما به إلا العشق. فقال له: سبحان الله، هذا ميت، وأنت تقول: عاشق! فاستدعى الحارث بشراب وسقاه، فلما انتشى أنشد يقول:
ألاَ رفقاً ألا رفقاًقليلاً ما أكونهْ
ألما بي على الأبياتِمنْ حيفٍ إذا رهنهْ
غزالٌ ما رأيتُ اليومَفي دورِ بني كنَّهْ
أسيلُ الخدِّ مربوبٌوفي منطقهِ غنّهَ
فقال: هذه دور قومنا، فليت شعري من هي؟ فقال الحارث: من الغد أغدوا إليكم: وأفعل هكذا فربما، أظهر محبوبه بشعره، وأما هو فلا حياة له، فأتى الحارث وفعل، مثل الأول فأنشد:
أيُّها الجيزةُ أسلمواوقفوا كي تكلِّموا
وتقصفوا لبانةوتحيوا لتغنموا
خرجتْ مزنةُ منالسَّجف ريَّا تجمجمُ
هي ما كنَّتني وتزْعمُ أنِّي لها حمُ
فقالَ: اشهدوا أنها طلقة ليرجع إلى أخي فؤاده، فإن المرآة توجد، والأخ لا يوجد، فقال المريض: أشهدوا علي، هي علي كظهر أمي إن تزوجها، ومات كمداً بها.
قال في " الهداية ": الظهار كان طلاقاً في الجاهلية. فقرر الشرع أصله، ونقل حكمه إلى تحريم مؤقت بالكفارة غير مزيل للنكاح، وهذا لأنه جناية، لكونه منكراً من القول وزوراً، فيتناسب المجازات عليها بالحرمة وارتفاعها بالكفارة، والظهار هو إذا قال الرجل لامرأته، أنت علي كظهر أمي. فقد حرمت عليه، لايحل له وطؤها، ولامسها، ولا تقبيلها حتى يكفر لقوله تعالى (والذين يظاهرون من نسائهم (إلى أن قال: (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا (فإن وطئها قبل أن [يكفر بتحرير رقبة] يكفر، أستغفر الله، ولاشيء عليه غير الكفارة، وإن قال: رأسك علي كظهر أمي، أوفرجك، أووجهك، أورقبتك، أونصفك، أوثلثك، كله ظهار، لأنه يعبر بها عن جميع البدن، وإن قال: أنت علي مثل أمي أو كأمي، يرجع إلى نيته، فإن قال: أردت الكرامة فهو كما قال، وإن أراد الظهار كان ظهاراً، وإن قال أردت الطلاق فهو طلاق بائن لأنه تشبيه بالأم في الحرمة. فكأنه قال، أنت علي حرام، ونوي به الطلاق، وكفارة الظهار عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً وكل ذلك قبل المسيس، ويجزي في عتق الرقبة الكافرة والمسلمة والذكر والأنثى، والصغير والكبير، ولايجزي العمياء، ولا مقطوعة اليدين أو الرجلين، ويجوز الأصم والعوراء، ومقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين، وفي "التتار خانية": لو قال: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي مائة مرة فعليه لكل مرة كفارة وفي "الجوهرة": وظهارها منه لغو، أي: ظهار المرأة بقولها لزوجها: أنت علي حرام كأبي أو أخي، فلا حرمه فيه، ولا كفارة وبه فتى. وقال صدر الشريعة: الظهار هو تشبيه زوجته أو ما عبر به عنها، أو جزء شائع منها بعضو، يحرم نظره إليه من أعضاءٍ محرمة نسباً أو إرضاعاً، وفيه إذا قال: أنت علي حرام كظهر أمي. هذا ظهار لا غير. وفي"الينابيع": لو قال ظهرك علي كظهر أمي أو بطنك أو فخذك لا يكون مظاهراً، وفيه عن الحسن: المرأة إذا قالت لزوجها أنت علي كظهر أمي فعليها كفارة يمين. وقال أبو يوسف ﵁: يجب عليها كفارة ظهار، وهذا على خلاف ما ذكره في "الجوهرة".
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع