تجاوز إلى المحتوى

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الشيخ عرس الدين الحمصي الخليلي

أديب أحرز من الأدب طرقاً. وحوى منه جانباً مستظرفاً. فنظم شعراً وسطاً. وصال به متشاعراً وسطاً. وكان بغيضاً إلى الطباع. بعيداً عن الانطباع. وقد حاجاً إلى مكة المعظمة. وفي نفسه ما فيها من التكبر والعظمة. فلم يلتفت إليه من أهلها أحد ولم يكن له بها من المعارف ملتحد. فخيل له فكره المريض. أن يهجوهم بالكناية والتعريض. فمنى منهم بالداء العياء. والداهية الدهياء. حتى أضرع وخضع. وألقى سلاحه وأوضع. فكفوا الألسنة. وتلافوا السيئة بالحسنة. ثم انتقل إلى المدينة المنورة فولى بها خطيباً. واستنشق من عرف ذلك الجوار الشريف طيباً. ولم يزل بها حتى بلغ عمره المدى. فألبسه المنون رداء الردى. وكان أول ما نظمه في أهل مكة قوله

جيران مكة جيران الاله لذالا يعبؤن بمن قد غاب أو حضرا
لولا الطبيعة عافتهم لكان لهماسراء روح بسر السرّ قد ظفرا

ثم قال فيهم أيضاً

علما مكة جاوزوا إلا فلاكاعزاً وحق لهم لعمرك ذاكا
لولا الرئاسة في رؤس نفوسهمكانوا وحقك كلهم أملاكا

فكان أول من انتدب لجوابه القاضي تاج الدين المالكي فقال مجيباً له عن البيتين الأولين

جيران مكة غرس الدين أينع فيقلوبهم باسقا يهدي الهدى ثمرا
سقوه من أنهر الاخلاص صافيهافاخضل يطلع من أكمامه زهرا
ومن يكن روض غرس الدين مهجتهأسرى وفاز بسر السر حين سرى
به قد اتحدوا إذ كان بينهمتواصل معنوي من الست جرى
فحيث دارت كؤوس الاتحاد علىالأرواح ما اعتبروا الأشباح والصورا

فلما بلغته هذه الأبيات كتب إلى القاضي تاج الدين

يا شهم مكة يا تاج الرؤوس بهايا سهم بك قد بكت من عذرا
يا حبر علم يزيد الطالبين بهايا بحر فهم به يستخرج الدررا
يا رب حذق غدا رب البيان لهعبداً وألقى عصى التسليم مقتفرا
يا ألمعياً أضاءت من لوامعهمشارق الذهن بالذوق الذي بهرا
يا لوذعياً بلاعي يمازجهأعيا وأفحم من قد قال أو شعرا
يا رب ظرف ولطف كسّرا خطاأغصان غراسي على بعد وما شعرا
هل ترفين الذي أخلقت من حاليأو تقبلن الذي يأتيك معتذرا

فأجابه القاضي بقوله

كللت إكليل تاجي بالثنا درراًلما بعثت بعقد المدح معتذرا
مضمخاً طيب شكر عرف نفحتهكروض غرسك حيته الصبا سحرا
غرس من المبد الفياض قد سقيتأعراقه فنما يهدي الهدى ثمرا
غرس روى حين روّى الفضل منبتهللسمع نواره عن طيبه خبرا
هدى إلى ما هو الأحرى بنا وبهإذا اقتفينا طريق القوم والأثرا
فحرفة الفقر إن لم يوف لابسهابشرطها نبذته كاسباً بعرا
عود البدء فمم الاعتذار ولمتقر إن قلت بكت الذي عذرا
وقلت في حق من جازي وعرض لميشعر وأغصان غرسي مخطياً كسرا
قد حصحص الحق فاعلم إنما كسرتأغصان غرس الذي أخطا وما شعرا
إني عذرت وقد عرضت معترضاًلعرض قوم ثناهم لم يزل عطرا
أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزهمعنه فجحدك ذنب غير ما غبرا
قضى بأن جرت الأقلام منك بماجرى به القلم المحتوم حين جرى
كبا الجواد ومن يعثر يقل كرماًفنسأل الله غفراناً لمن عثرا

فأعاد عليه الجواد ثانياً

استغفر الله من وهم لنا سترالعل يرفع من البابنا كدرا
يا تاج ديني والدنيا بأجمعهايا بن السراة السراة السادة الكبرى
طولت ما قصرت عنه اساتذة الانشا وسادة أهل العلم والشعرا
ركبت كالبرق اسراعاً براق ذكاوبت ترقي بفهم افهم النظرا
حتى وصلت إلى قاب البيان ولميزغ فؤادك عما نال بل بهرا
وثم أوحى إلى القلب السليم أجلجبريل ذوقك ما أوحاه مستترا
آياته كلها للكل معجزةبالفعل لا صرفة عاقت لمن شعرا
كللت اكليل تاجي بالثنا درراًفصار شمساً على راس العلى ظهرا
وقد بعثت بعقد المدح معتذراًإليك لكن ما ألفيت من عذرا
له ضياء تجلى من فرائدهكضوء تاجك أبداه البها قمرا
تاج ولا تاج كسرى في أكاسرهكلا ولا قيصر في قصره نظرا
تاج على راس للكل محتوياًعلى المحيط ولكن يخطف البصرا
هدى الهداة إلى عين اليقين ومنسواه أهدى إلى أتباعه أثرا
بدا لعود فما عودي بمنعطفعمن تجاريه في المضمار حين جرى
وخرقة الفقر وفاها شرائطهاإذ صبر الوهم منبوذاً بظهر عرا
أولت قولي فظلت اليوم تعتبنيفنفسك أعتب ولا تعتب لمن شعرا
قد حصحص الحق لكن ليس يعرفهإلا فتى مزق الأشباح والصورا
إذ لست ممن يكون الدهر معترضاًلعرض قوم ثناهم لم يزل عطرا
وجعلك الذنب لي ذنب لكم أبداًإن قلت بالدور أو سلسلت لي خبرا
فاجمع أو أقصر ولا تفرح بها أبداًوقصر المنظر أو طول لنا السيرا
قضى الاله بأني لا أرى لكمإلا صبوراً شكوراً ناقلاً أثرا
لله درك من بيت ختمت بهنظام مسك حوى في سلكه دررا
فيه الشهادة لي أن الجواد نعمأنا الجواد بلا بخل لديّ يرا
فواجب أنكم تعفون لا كرماًعن الكريم إذا في حيكم عثرا
لقول من جوهر الأرواح جوهرهونوره نور الأشباح والصورا
فيما روينا أقيلوا عثرة الكرمافنسأل الله غفراناً لمن غفرا

فكتب إليه القاضي مجيباً

يا ناطقاً ولسان الحق أنطقهحسبي جواباً مقال منك قد بهرا
قد حصحص الحق لكن ليس يعرفهإلا فتى مزق الأشباح والصورا
در حيث دارت كؤوس الاتحاد تجدذاك الفتى ثم ذرنا نترك الهذرا
دعنا بحقك نطوي الكشح عنه فمابنشره غير إنا نبخس الدررا
واخش الاله فقد عرضت ثانيةإذ قلت لست فاتل البيت معتبرا
فحسب جيران بيت الله ربهميردي الذي قال فيهم وافترى نكرا
لله أنت لقد وفيت شرط لباس الفقر بالقول والفعل الذي ظهرا
ومنعك الذنب ما لم يلف مستندله مكابرة تلفى لدى النظرا
هذا إلى ما تلاه من منافضةأضحت تلوح لدى من دقق النظرا

فأجابه الشيخ غرس الدين

يا ناطقاً واله الخلق أنطقهحسبي صواباً جواب فيك قد كبرا
قد حصحص الحق لكن ليس يعرفهإلا فتى قال شيئاً منك قد ظهرا
لولا الرياسة عاقتكم لكان لكمسعي إلى غرسنا كي نجتني ثمرا
در حيث درت فإن الطبع عاقكمعن العروج إلى شأو الذي قهرا
ولا أقول كما قلتم بلا سببرأيتم ثم ذرنا نترك الهذرا
ها قد خرجتم عن الاداب فاقتصروامن قبل يقضي قضاء لا يرى هدرا
وأحمد المرتضى من نسل فاطمةترضى به قاضياً يقضى بما بصرا

أشار بهذا البيت إلى السيد أحمد بن مسعود فعند ذلك أقسم السيد أحمد على القاضي تاج الدين أن لا يجيبه ثم جمعهما في منزله وأصلح بينهما فأشار القاضي إلى الشيخ غرس الدين أن يمدح أهل مكة ليكون كفارة عما سلف فقال

علماء مكة جاوروا الأملاكاالطائفين العاكفين هناكا
فتروحنوا من قربهم وتلطفواوبلطفهم استعبدوا النساكا
فانظر لتاج الدين تعلم صدق مانظم البدايع من الهدى أملاكا
أعنى الامام المالكي ومن لهنظم كدر زين الأسلاكا
لو كنت في بطحائها نادمتهأسلاك من أحببت بل أنساكا

وأجابه القاضي تاج الدين عن بيتيه الاخيرين المقدمي الذكر بقوله

يا قائلاً في أهل مكة أنهملولا الرياسة لاغتدوا أملاكا
في معرض التعريض قلت ولم تقلفي مدحهم هذا المقال أراكا
ورميت أهل الله بالداء الذيأضحى دفيناً في صميم حشاكا
وعنيت أن الكبر يحجب ربهعن كونه ملكاً فما أقصاكا
وقصدت ذمهم فأصبح شاهداًبكمالهم فكفاهم وكفاكا
لم تدر أنك بالذي قد قلتهأخطأت فاقصر خطو رجل خطاكا
اني تضاهي من يفوقك محتداًوعلى فلو طلت السماك سماكا
فاحفظ لهم حق الجوار ولا ترمادراك شأوهم فلست هتاكا

وأجابه عن البيتين الأولين السيد أحمد بن مسعود أيضاً فقال

غرست باللطف غرس الدين باسقةجنيت من نعيها مستوبياً مقرا
به دفعت يقيناً في حجاحجةيتلون من كتب آيات الهدى سورا
فاقن الهوادة واركن للهوادن إنرمت التنصر للدين الذي بهرا
كم بين عيدانة الدين التي فرعتوبين غرس راينا صابه ثمرا

وأجابه أيضاً الامام زين لعابدين الطبري بأبيات تقدم اثباتها في ترجمته وهي التي أولها

امام التقى مغرس التقوى بروضتهاذات المحاسن غرس الدين قد ظهرا

وقال القاضي تاج الدين فيه موالياً وعزاه إلى بعض أصحابه وهو

يا أيها الشيخ غرس الدين قد عذبتنفسك وبالتسمية بالفعل قد كذبت
جاوزت حدك وقبل الحصرمه زببتما أنت شيخ غرس حاش الله بل شيخ نبت

ومن شعر الشيخ غرس الدين المذكور قوله معارضاَ لامية العجم كما زعم

صيانتي في فراق الفرق والحيلوحيلتي في حلى الجمع لا الحلل
لا مجد لي حيث فرق قائم أبداًوالمجد لي قاعد في الجمع بالازل
فيم الاقامة في أرض الطباع ولاسكنى سكوني بها كلا ولا أملي
ناء عن القدس في ذا الحسن منفردكالضيف يدأب في الترحال والتنقل
فلا صديق صدوق في مصادقتيأبثه حزني أو منتهى جذلي
طال اغترابي عن قدسي الأنيس إلىأن حن كلي إليه من كوى كللي
وضج من لغب كوني وعج لماألقاه بوني ولج الكون في عذلي
أريد بسنطة جمع أستعين بهاعلى أداء حقوق الفرق لي قبلي
والفرق يعكس آمالي ويقنعنيمن الحقائق بعد الجد بالجدل
وذي نشاط إذا رام النشيطة لايزال في ناشط كالفارس البطل
بادي النباهة في رعب وفي رعبحلو الفكاهة مرّ الجد في احلل
طرقته في ظلام الليل معتجراًسواده خوف ومض البيض أو لاسل
والقوم ما بين صاح بعد نشوتهمن صرف وجدته أو شارب ثمل
فقلت أدعوك للحبلى لتجمينيمن فرقة الفرق أو من رفقة عطل
فشام عيني وعين الفرق ساهرةوتستحيل وصبغ الحلى لم يحل
فهل تعين على غي هممت بهوالرشد يزجر أحياناً عن الرجل
أني أريد أحيي الحي من حرموقد حماه حماة من بني ذهل
يحمون بالحجب من نور ومن ظلمكنه الحقيقة من ادراك منثحل
فالحب حيث نهى الاملاك رابضةحول الحجاب لها غاب من الغول
نؤم ناشئة نشوى بهم زجلبالذكر لا بمثاني الشعر والغزل
قد زاد طيب أحاديث الكرام بهاما بالكرائم من رعبي ومن وجل
تبيت نار الهوى منهم على كبدحري ونور الهوى منهم على المقل
يقتلن أكباد حب لا حراك بهمويقتلون نفوساً في رضى الأزل
يشفى اللديغ ولا يشقى بهم أبداًيمهل الذكر نهلاً أو على علل
لعل المامه بالحي ثانيةتثني عناني عن الأغيار والعلل
ما راعني طعنة السمراء قد شغفتبرشقة من نبال السمر في الكحل
ولا ثناني الصفاح البيض وامضةعن رؤية البيض في الأستار والكلل
ولا أغر بغزلان تغازلنيولو غزاني غزاة الغز عن دغل
حب المعالي يثنى لب صاحبهعلى العلى ويغر الغر بالدول
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقاًمن النفاق تفق بالملق والحيل
ودع غمار العلى للمقدمين علىترك العلو وروض النفس بالأمل
رضى النبيل بخفض العيش مسكنةوالرفع عن رسيم العيس للنقل
فاجزم بها الفقر تنفي النقر ناصبةمعارضات نجوم الليل بالجدل
إن العلى حدثتني وهي صادقةإن العلى على العلم والعمل
لو أن بالجهل والبلوي بلوغ منىلكان أولى بها منا أبو جهل
أهبت بالحض لا بالحظ صاح علىتقوى الاله لأن الحظ ذو خطل
إن قام أو نام عني لا أنهنههولا أرى نقص معتل ومعتزل
أعلل النفس بالاجال أرقبهاما أوسع العيش لولا ضيقة الأجل
لم يهن لي العيش والأيام ضاحكةفكيف يهنا وقد أبكت على علل
غالي بنفسي عرفاني بها فلذاأصونها عن رخيص الكون مبتذل
وعادة الدر أن يزهى بمنظرهوليس يعرفه إلا ذوو حيل
ما كنت آمل أن يملى عليّ بذاأبناء دهري من الأحداث والعمل
يروم أعرجهم سبقى ومقعدهمولو عدوا فيهم مشياً على مهل
هذا جزاء امرء أقرانه قرنوابقرنهم فتمنى عاجل الأجل
وإن علاني أخو جهل فلا عجبإذ قد علا مدة قبلاً أبو جهل
فاصبر لها ما لها عنك الزمان ولانضجر ففي الصبر ما يغني عن الحيل
أدنى عدوك أدنى من تعد لمايعدو عليك فعذ بالله واتكل
فإما رجل الدنيا وواحدهامن وحّد الواحد الأعلى على وجل
وحسن ظنك بالآمال معجزةفظن خيراً برب الناس لا الأمل
فاض النفاق وغاض الصدق واتسعتمسافة الخلق بين العلم والعمل
وشان جمعك عند الناس فرقهموهل يعادل صوفي بذي جدل
إن كان ينجع شيء في مجازهمإلى الحقيقة فالتوفيق للعمل
يا صارفاً عمره من غير فائدةأنفقته مسرفاً في اللهو والجذل
فيم ارتكابك متن اللهو عن ولهوأنت تسأل عن قول وعن عمل
كنز القناعة لا يغنى فكن ملكاًبها وانفق فما تحتاج للخول
ترجو البقاء بدار لا بقاء لهافهل سمعت بضيف غير مرتحل
والصمت منجاة من يصمت فكن رجلاًإذا طلعت على الأسرار ذا وجل
قد رشحوك فلا ترتع مع الهملورسخوك فلا تربع بلا مهل

ولما نظم هذه القصيدة أرسل بها إلى القاضي تاج الدين وكتب معها أرسلنا إليكم هذه القصيدة التي عارضنا بها لامية العجم بلسان أهل الاشارة. والمسئول النظر والامعان في العبارة. هل يصلح أن ينشر ويشكر. أو يعرض عنه ويستر. فانقده غير محاب. فذلك عندنا من المحاب. ولا ينظر إليه بعين الرضا فإنها كليلة. واصرف له زمناً قليلاً كليلة وطابق بين الأصل والفرع. يظهر ما بين الأب والزرع. والسلام. فأجابه القاضي تاج الدين

اصالة الرأي أضحت وهي قائلةصيانتي في فراق الفرق أجدر لي

لا يخفى على مولانا أنه لا يفرق بين الفضلاء وأقوالهم. إلا من كان من أمثالهم. والمخلص ليس له بذلك يدان. ومن ذا يفاضل بين جهبذين طاع كل منهما عصر القوافي ودان. على أن المخلص أراد أن يختبر سبره وسيره وجمع بين القصيدتين فوقع في ساحل الحير حيث جريا في مضمار معرفته كفرسي دهان. وتعارضاً لديه كما يعارض لدى المجتهد البرهان. فكلما أراد أن يحكم لأحديهما قامت الأخرى بحجتها. وأيدت بهجة محاسنها ومحاسن بهجتها. وكلما قالت إحداهما وبضدها تتميز الأشياء. قالت الأخرى هذا بعينه دليلي عند المتصف بلا رياء ولا ارتياء. فعند ذلك استقلت معرفة المخلص قدرها واستقالت. وقالت اصالة الرأي ما قالت. والسلام كمل الفصل الأول من القسم الثاني من سلافة العصر. في محاسن أعيان العصر. ويتلوه الفصل الثاني في محاسن أهل مصر والقاهرة. ونجوم السماء الزاهرة.

؟ أهل مصر والقاهرة

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.