تجاوز إلى المحتوى

من «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)

الكفر عزي

خطيب إربل وقاضيها جعفر بن هبة الله الكفر عزي، العالم المتفنن، من كفر عزي: ضيعة من ضياع مدينة إربل حاضرة بلاد الأكراد.

وصفه صاحب تاريخ إربل بالمتفنن في العلوم ومعرفة النحو والهندسة والحساب، واشتهاره بإقراء ذلك مدةً.

ووجدت الشرف يعقوب ملآن بأخباره وأشعاره، فذكر أنه كان على ما جعل إليه من خطة القضاء بتلك المملكة، واستولى عليه من الخطابة على منبر سلطانها، من أرق الناس حاشية وأطبعهم منزعا.

ومن مستطرف حكاياته أنه كان في أول مرة متصدرا يقرأ عليه النحو وغير ذلك، وكان فتى من فتيان إربل يتردد إليه برسم قراءة النحو والأدب. ثم إن ذلك الفتى التحى وأدخل نفسه في الأشغال السلطانية. فصار مرهوب الجناب، مطروق الباب. وأتفق أنه لزم وضع سلطاني أهل إربل، فدخل الكفر عزي في ذلك فأساء فيه معاملته.

وكان ذلك الأمر قد جعل إليه، فألزمه أن يحضر مجلس الشغل ويدفع ما رسم عليه. فوصل إلى المجلس وهو غاص وما هناك إلا من يعرف مقداره، ويلتزم إكباره، فجلس وأنشد مشيراً إليه:

هذا مقامي لديك يا منأقام دهراً وراء بابي
للشاعر الكفرعزي، اقرأ القصيدة
أقصى أمانيه قرب إذنفي دولة الحسن والشباب
للشاعر الكفرعزي، اقرأ القصيدة
إن كنت أنسيت ذاك فانظرفي فرد باب من الكتاب
للشاعر الكفرعزي، اقرأ القصيدة
لا تغترر بالزمان يوماًوأفكر إذا سرت في الأباب
للشاعر الكفرعزي، اقرأ القصيدة
مخارق الجاه ليس تبقىوموقف العزل كالحساب
للشاعر الكفرعزي، اقرأ القصيدة
فافعل على قدر ما تلقىوقل فلا بد من جواب
للشاعر الكفرعزي، اقرأ القصيدة

فاستحيا ذلك العامل على قلة حيائه، وأفكر في باب الفاعل والمفعول أيام يمشي على استحيائه، وأخذ ما جاء به الشيخ، واشتهرت القضية. وبلغت السلطان مظفر الدين صاحب اربل، فاستدعى الشيخ وقال: أغفلناك ولم ينبهنا أحد عليك لأنك محسود، ومثلك لا ينبه عليه إلا نفسه، وقد جعلت عقاب ذلك الرذل، الذي لم يقابلك بما يجب، عزله ووليتك الخطابة على منبر هذا الجامع. فقال: أرغب من إحسان السلطان ألا يكدره بأن أكون سببا لعزل شخص وقطع رزقه، وأنا ممن يشتفي بالقول لا بالفعل. فالاشتفاء بالأفعال من شيم الملوك. فقال له السلطان: أبيت إلا أدبا وظرفا. وجاء ذلك العامل فصار من خدامه، والمعترفين بإنعامه.

قال: ومما يجب أن يحفظ من شعره قوله:

لا تشك فالناس في الرزاياثلاثة ثم لا مزيد
للشاعر الكفرعزي، اقرأ القصيدة
إما صديق يفاد غماأو شامت كاشح حسود
للشاعر الكفرعزي، اقرأ القصيدة
أو غافل عنك مستريحإليه شكواك لا تفيد
للشاعر الكفرعزي، اقرأ القصيدة
ومن يسليك أو يواسيلم يبد شخصا له الوجود
للشاعر الكفرعزي، اقرأ القصيدة
إلا أحاديث لفقوهايصغي لها الجاهل البليد
للشاعر الكفرعزي، اقرأ القصيدة

وقوله:

لا تقعدن مع العيال ولا تكنكلا وسد كلا وجد مشمرا
وجب الفيافي واشتهر تنل المنىلا يقطع الهندي حتى يشهرا

وقوله:

انظر إلي بخبرة واترك كلام المبغضين وكل شخص يحسد
للشاعر الكفرعزي، اقرأ القصيدة
فالشمس إن شرفت وأشرق نورهاما ضرها ألا يراها الأرمد
للشاعر الكفرعزي، اقرأ القصيدة

وكانت وفاته سنة ثلاث وستمائة.

النص من طبعة دار المعارف بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.