من «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)
هذيل الاشبيلي
الأستاذ النحوي الأديب الظريف أبو الحسن هذيل بن عبد الرحمن الإشبيلي.
ذكر ابن عمر في تاريخه أنه مات في سنة اثنتين وستمائة.
وكان أبو العباس النيار الإشبيلي من أحفظ الناس بأخباره وأشعاره ونوادره.
أخبرني أنه وصل إليه طالب متخلف ليقرأ عليه، فكان في أول قراءته عليه قول كثير:
حيتك عزة بعد الهجر وانصرفتفحي وحيك من حياك يا جمل
فصفحه وقال: جئتك عرة. فقال: وكذاك بالله ترجع يا ولدي. وقال له يوماً: يا أستاذ، ما الكموج؟ فقال: وأين رأيت هذه اللفظة؟ قال: في قول امرئ القيس:
وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله
فقال: نعم، الكموج: دويبة من دواب البر تحمل الكتب ولا تعلم ما فيها.
وقرأ عليه طالب من البربر قال: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا ...) ووقف. فقال: لأي شيء بالله؟ ألطيب شعرك؟ عيسى ابن مريم لم يعلم لأصحابه ذلك، فكيف أنت! وخرج يوماً من المسجد الذي كان يقرئ فيه فوجد سائلاً وهو يرعد بالبرد ويصيح: الجوع والبرد يا مسلمين! فأخذ بيده وحمله إلى موضع فيه الشمس. وقال: صح بالجوع، فقد رفع الله عنك البرد.
قال: ومن شعره: وقوله في جاهل كان يلزم مجلسه، وكان ممن ضيق الله ورزقه، وأساء خلقه:
عهدي بالحرفة التي كرهتمع الأديب الأريب تصطحب
وأنت ما بالها عليك غدتوقفاً ولم تدر قط ما الأدب
وقوله فيه أيضاً:
ومن أعجب الأشياء حرفتك التيشهرت بها والضيق في الخلق والرزق
ولست أديباً لا ولا كاتباً ولاجليساً على الصهباء مستطيب الخلق
غرائب لم تجمع لخلق من الورىوأغرب منها أن تعد من الخلق
وقال في شخص آخر أحول كثير العجب، وقد مرضت عينه:
جليس لنا يبرح الدهر قاعداًرمانا به الحرمان من حيثما رمى
له مقلة حولا وعينٌ مريضةٌوعما قريب سوف يكدره العمى
إذا أبصرت عيناي طلعته التيأموت بها غما أرى الموت مغنما
وقال: وقد صافحه فتىً جميل من أبناء الأعيان:
صبح الله لك الوجه بالسعد وحياه بالعلى والكرامة
لم نلاحظ يوماً لحاظك إلاوسألنا من الإله السلامة
الترجمة الأولى [ابن مواهب] إسماعيل بن مواهب الحظيري. شاعر من الحظيرة، ضيعة كبيرة مشهورة من أعمال دجيل بالجانب الغربي من دجلة بين بغداد وتكريت.
ذكر المؤرخون أنه مات في سنة ثلاث وستمائة. وذكر لي الشرف يعقوب الإربلي أنه اجتمع به في إبريل وغيرها وأنشده كثيراً من شعره. وكان مستجدياً جوالاً في الآفاق.
قال: وقلت له مرة: أرى مجد الدين بن الأثير يكرمك ويحبك حاضراً، ويثني عليك غائباً، فلم لا تمدحه؟ فقال: أهل محبتك لا تجعلهم موضعا لاستجدائك فقلت له: أنت أعرف بطريقك. قال: ومما أنشدني من شعره فكتبته في اختياراتي قوله:
إذا شئت طيب العيش لا تك خادماًلشخصٍ ولا مخدومه أبد الدهر
وحاول كفافاً تنج من كلفة الغنيوتخلص من الذل الملازم للفقر
وقوله يعتذر عن الانقطاع بتوالي المطر:
عاقني عنك توالي المطرواصلا آصاله بالبكر
ملأ الأرض وحولا أصبحتوهي مثل الحبر هلا الحبر
فكأن البحر أضحى فوقناسائلا أجمعه لم يسجر
نعمةٌ آضت لعمري نقمةًعمت البلوى بها في البشر
وعلى ذاك فان أرسلت ليسابحاً خضت بذاك البحر
لا تظن الأمر عندي هيناًغلب الشوق على مصطبري
وأنشد له صاحب تاريخ إربل:
غبتم فما لي في التصبر مطمعٌعظم الجوى واشتدت الأشواق
لا الدار بعدكم كما كانت ولاذاك البهاء بها ولا الإشراق
اشتقاقكم وكذا المحب إذا نأىعنه أحبة قلبه يشتاق
النص من طبعة دار المعارف بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع