من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)
محمد بن محمد بن عيسى بن محمد بن زنون
يكنى أبا بكر. كان ﵀ حاجاً فاضلاً لوذعياً, كثير المداعبة, أدبياً بارعاً وشاعراً مفلقاً, وكاتباً مجيداً, حسن الخلق جميل العشرة. وله أمداح في الأمراء وأشعار كثيرة في الزهد والغزل وغير ذلك. فمن شعره ﵀:
لكل ابتداء آخر وتماموكل رضاع يعتريه فطام
وقد صح عقلي تغير حالتيبأدني خيالٍ والحياء سقام
ولما انتهى البدر المنير لما لهتعاور في نقصٍ فراح تمام
وعند نصول الشيب يعرف ذو نهىنكوصاً ثناها الشيخ وهو غلام
إذا أمَّ يوم المرء أمسى وعمرهبذلك محصور, فكيف مقام
لقد رام فيها الخلد قوماً فأصبحواوقد سلبوا عزاً, وعز ومرام
ومن شعره:
والموت ذو خرفٍ تساوى عندهيفنٌ تطاول عمره وغلام
ولدى الضريحإذا اعتبرت
مواعظ
ماطت على إبرازها الأفهام
لا تحسبن هذي القبور صوامتاًصمت القبور إذا علقت
كلام
قالت وقد رصف الفناء جباههافكأنها فوق الثرى آكام
كن يا حريص كما تشاء وتشتهيمهلاً إلي تردك الأيام
كم مدةٍ طالت لمثلك وانقضتفكأنها عند الخيال منام
أفرحت إذا طال المدى, وهل الردىإلا الذي يأتي به الإتمام
أما الزمان فجازر ذو مديةٍوالناس في كلتا يديه سوام
أنحى على أهل العراق ولم يزليشكوه, مما عات فيه, الشام
يا مورداً كل الأنام يعافهوله عليه مورد وزحام
ما للمعارف نكست أعلامهاوأناخ في أرجائها الإبهام
ومعرب الإنسان فيما ساءهنحو الزمان: الحذف والإدغام
وله يرثي:
الناس في حال الحياة نياموالقبر حيث تعير الأحلام
وأظن هذا الدهر ما لا ينثنيأو يفقدن أليفه فيلام
وإذا تكون القوس من نبع العصافجميع ساحات الديار سهام
وله يرثي:
قال الضريح ولم يفغر بذاك فماً:من راعه الموت فليستشعر الندما
فللحياة كتاب طالما درستفيه الأماني سطراً بالردى ختما
ومنها:
يا ساكب الدمع يبكي غيره أسفاًلتبك نفسك قيحاً سائلاً ودما
فالمرء يرفعه فعل وينصبهحال, فإن صار ميتاً فقد جزما
وأكيس الناس من أضحى بهمتهمولياً عن وجودٍٍ أشبه العدما
ومن شعره يمدح أحد السادات ويصف حماماً وفندقاً بناه:
أبالعراق أنخت أم بجيانأما دخلت أندلساً تزري ببغدان
ومن لبغدان أو سود تربتهابناعم الدهر في بستان بنيان
زاهراً بكل فصول العام تحسبهمن حسن بهجته في شهر نيسان
قد كنت أحسب أن الحُسن مسكنهفي ثغر أشنب أو في جفن وسنان
حتى بصرت به السحر يقسمهعلى السواء لدى الحمام والخان
تنافسا في بديع الصنع فارتقياهضب التأنق في مرقاة إتقان
فذا يتيه بتاج فوق مفرقهكأنه هرمز في ملك ساسان
وذا عليه رواق لم يلم بهكسرى, فخط ولم يلمح بإيوان
ومنها:
حيث القو (....) حبل كأن لهلهف أهب له (....) ثعبان
ماء يسح بمصقول الرخام كماسحت على الخد دمعاً مقلة العاني
جرى به اليسر فانقادت إبايتهمن بعد كم حلف حنثٍ وأيمان
إن أكثر الناس مما أبصروا عجباًحتى لظنوا به صنعة الجان
فلست أعجب من بنا تكنفهمن الخليفة سعد أنجد الباني
وسنحته اجتهاداً منك بشرهبعزةٍ فمضت بالعاجز الواني
إيهٍ أبا زكرياء المسر لناخيراً فلم يختلف في حبه اثنان
أثرت تحيي أمير المؤمنين بعدلٍ في رعيته فأمر بأزمان
فللإمام بذلت النصح مجتهداًوفي الرعية لم تنسب لعدوان
هنئتم أملا بلغتموه ولازلتم تخصون خداماً بإحسان
ودمتم لثناء تكسبون, وظلم تكشفون, وعز فوق كيوان
وما كفى منه أوفي الإجازة إذأمنٌ لنعمى وما للطول والشان
وأدبه ﵀ كثير. وتوفي في غزوة ماردة في شهر جمادى الأولى عام سبعة وعشرين وستمائة.
ومنهم:
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع