من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)
علي بن معمر
يكنى أبا الحسن. كان ﵀ من جلة العلماء المبرزين, فاضلا ورعا زاهدا جليل المقدار, مع ما كان له من الأدب البارع والشعر الرائق. وصفه الفقيه أبو العباس أصبغ في كتابه فقال: تبوأ للعبادة شعبا, وملئ من خوف الله العظيم رعبا, فانفرد ليستعد لسفره, وفقد حتى لم يعد من نفره, فلزم داره, واتخذ التبتل شعاره ودثاره, واعتزل جميع الناس, ولبس بملابس التقوى أصفى لباس.
كتب إليه الفقيه أبو الحسن بن هرون بشعر أوله:
لا ورمان نهدهوببستان خده
وعقارب صدغهقد حمت روض ورده
وضمور بخصرهواعتدال بقده
ولمى لؤلؤ جرىفيه درياق شهده
وامتلاء بردفهمنحل جسم عبده
وبياض البهار فوق احمرار بورده
لا سرى خاطري لشيء ذكر عهده
لو أذاب الفؤاد منحر نيران صده
بدل الله بالتواصل من طول بعده
فراجعه أبو الحسن بن معمر: وردتني رقعتك فكلمتني بلسانك, وشافهتني بإحسانك, والله يحرس فيك الفضل, ويشكر ذلك الخلق السهل. وكتب معها بهذا الشعر:
أوه من نقض عهدهإذ ذوى روض ورده
جل ما قد لقيتهمن هواه وصده
كيف أسلو وأدمعيإثره لون خده
أرق العين إذ بداخلبا برق وعده
كنت صبا بقربهفرماني ببعده
يا غزالا لحاظهوالهوى بعض جنده
زد فؤادي صبابةقد رضينا بفقده
أين ربع ألفتهوالهوى بعض جنده
انثنى بظلهبين أحداق زنده
قطع العهد أحورثغره مثل عقده
فاتن كلما بدانفخت روض ورده
ولقد قلت: بانةإذ تثنى بقده
خلط الهزل في الهوىوالتصابي بجده
ومن شعره:
محادثة وألحاظ تشيروقلب في جوانحه يطير
وربتما أسلنا الدمع سرافباح لنا بما يخفي الضمير
فيا أملي ويا معنى حياتيصغير هواك في قلبي كبير
فيوم لا تلاقيني طويلوعام نلتقي فيه قصير
وله يصف سانية:
سانية مبدعة كلهاوشكلها كالفلك الدائر
أكواسها شهب بدت للورىمن طالع للأفق أو غابر
وله في الخرشف:
حسن الربيع الطلق حسن قلانسبالخرشف المكسو خش فلانس
يحكي النهود البيض حف جميعهاحدق الرماة مخافة من لامس
وله في الخوخ:
يا حبذا الخوخ إذا ما بدافي الأغصن المخضرة الملد
من ذاقه ذاق لمى شادنمبسمة أحلى من الشهد
صورة الله لنا فضةبيضاء تحكي خلقة النهد
ومن شعره ﵀:
شربنا بذات الطل والروض يبسموقد سجعت ورق الحمام ترنم
وقد زان جيد النور لؤلؤ طلهكما لاح فوق النجم در منظم
ومن فوقنا خضر القباب كأنهاأكاليل من فوق المفارق تنظم
وقد قهقهت تلك المياه على الصفاكما قهقه الإبريق حين يزمزم
وتنساب فوق الماء ذات تسارعكما انساب من بن الأباطح أرقم
أظن الذي بالقلب مني بقلبهافمن أجل ذا, العينان بالدمع تسجم
وما ضرها إلا بكاء وزفرةلنار لدى أحشائها تتضرم
كلانا مشوق ذارف دمع عبرةودونك قلبي بالقطيعة يكلم
ومنها:
وقد نسمت ريح الصبا فتمايلتغصون الربى نحو الأباطح تلثم
وكف الحيا قد فوفت برد روضهاكما زين الحسناء وشي منمنم
كأن أكاليل الرياض بأفقهالدى الروضة الغناء تاج منظم
وقد فغرت أفواه ورد كأنهاشفاه العذارى نم منها تبسم
وكف على كأس المدامة هودجكطائر جو فوق ماء يحوم
إذا راضها ماء السحاب بدا بهاذبول صفت أو أرقش الجلد أدهم
له وجه روض وابتسام مفلجولكن كمي في الحروب مصمم
إذا قبل الإبريق راحة كفهاترى خفرا منها لدى الخد عندم
ولا أنس أيام العقيق وربعهلدى الدوحة الغناء, والريح تنسم
فخلت نسيم الريح إذ فاح طيبهسرى من سليمى فهو نحوي يؤمم
وإني لمغر بالرياح لأنهاتجيء بعطر والرياح تنعم
ألا يا نسيم الريح ردي تحيتيفإني بتذكار المليحة مغرم
فهل لك تبليغ السلام لغادةجناني بها مضنى وقلبي متيم
وكم قد سرى منها خيال مسلمفيا حبذا ذاك الخيال المسلم
وأدبه رحمة الله عليه كثير. وتوفي بمالقة عام تسعة وثلاثين وخمسمائة.
ومنهم:
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع