من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)
سالم بن صالح الهمداني
يكنى أبا عمرو. وكان ﵀ من جلة المحدثين والأدباء النبهاء حافظا للغات عالي الرواية كثير الضبط والإتقان. أخذ عن أبي عبد الله بن زرقون, وأبي بكر بن الجد, وأبي محمد بن عبيد الله وأبي زيد السهيلي وأبي عبد الله بن الفخار, وغيرهم. وكان ﵀ أديباً شاعرا فاضلا لوذعيا متواضعا, حسن الصحبة, جميل العشرة, حسن العقيدة, كثير العبرة عند ذكر النبي ﷺ, كثير الخشوع عند سماع أخباره, نفعه الله بذلك بمنه.
ومن شعره يصف رمحا:
أنا الرمح المعد إلى النوائبفصاحبني تجدني خير صاحب
لئن فخر اليراع بكتب خطفللخطي فخر بالكتائب
وله فيه:
أنا في الشيبة كالصل الذكرطلت حتى نبت عن ليل الذكر
ثم من أإرب شيء أننيلم أطل إلا لتقصير العمر
وله فيه:
آمن من سطوة النوائبمن جعل الرمح خير صاحب
وبات في صحة وآمنلذيل برد الفخار ساحب
وله وقد وصل أبو علي بن أرقندال إلى منزله, ولم يكن حاضرا:
أصبحت عن خطب الزمان بمعزلمذ زار بيتي نجل أراقندل
وتشرفت تلك البقاع وأشرقتبضياء غرته وأخصب منزلي
وأعلى على أوج الزمان محلهابأبي علي, فهي تنظر من عل
والترب مذ وطئته أخمص نعلهأزري شذاه بطيب عرف المندل
قد كان حقي أن أزور محلهفأحل بالخضراء أمنع معقل
حيث التقى ماء الفرات بجدولعذب, ويا شوقي لذاك الجدول
ذاك المحل أقيم فهي صبابةمن أجل هذا الأفضل بن الأفضل
زين الندي وقطب أرباب الندىعين الجزيرة والخطيب المقول
فالله يبقيه ويجمع شملنامعه فنظفر بالنعيم اللأطول
ثم السلام عليه ما هطل الحياوانهل صوب العارض المتهلل
وله, وقد سيق زهر لأبي علي بن كسرى, فأعجبه, فقال أبو عمر:
يا مغرما بالزهر, زهر جلالكمأربى على زهر الرياض وزادا
لو أستطيع جعلت ربعك كعبتيوتخذت من تلك المكارم زادا
وله, وكتب بها إلى خالي:
يا من إذا بين أهل العلم كالعلمأزلت بعض الذي اشكو من الألم
أعملت فكري يا من لا مثال لهفي العلم والحلم والآداب والحكم
في قصة أنت تدري سر ميسمهاجلوتها كجلاء البدر في الظلم
أثبت خيرا, أبا عبد الإله, علىمن بات يشكر ما أوليت من نعم
حتى ثنى جيده بالجيد ملتفتاإلى رب الجدا والجود والكرم
شخص السماح ومعنى كل معلوةمن خص بالخلق المحمود والشيم
وأكتب الناس, إن هزت يراعتهفيخفق السيف إن الفضل للقلم
إذا وشى سطر خط فوق مهرقةفالدر ما بين منثور ومنتظم
أقسمت أن المعالي في الورى قسمحاز ابن مقلة فيها أبخس القسم
سما إلى الأفق الأعلى, فهمتهما همها غير أن تسمو على الهمم
موفر العرض, لكن وفر نائلهمقسم في ذوي الإثراء والعدم
مرفع القدر مشهور تواضعهيسدي ويعطي ويرعى خالص الذمم
فلذ بحرمته إن كنت مهتضماتأمن كأنك قد أصبحت في الحرم
إن جئته سائلا عن حاجة صعبتفي الحين تقضى ولم تبرح ولم ترم
وإن شكوت إليه جور مظلمةلم يرقد الليل إشفاقا ولم ينم
فاردد جوابي فقد أصبحت في قلقمحالف الوجد والأشجان والسقم
فأجابه خالي رحمة الله عليهما:
مالي يد بالذي أوليت من نعمولا أطيق حياتي شكرها بفمي
ولست أسطيع وصف بعضها أبداحتى أؤلف بين الماء والضرم
صحيفة قر أتتني منك محكمةكأنها راحة تهدى إلى سقم
بدا بها عند ما عاينت أحرفهالاحت كمسك على الكافور منتظم
شعر مصوغ من الشعرى ومرزمهاومن عقيق ومن در ومن حكم
شتى, وألفها السحر الحلال بهكأن هاروت بين الفكر والقلم
كأنما كوكب في كل قافيةما أحسن الشهب في الألفاظ والكلم
إن كان زهراً فمن يمناك منبتهوإنما تنبت الأزهار بالديم
أو كان درا فأنت البحر في أدبوعادة البحر قذف الدر للأمم
وافت بخط لوان الوشي أبصرةأقر بالفضل للأقلام في القدم
ومنها:
أكرم بمرسلها من ماجد ورعحلو الشمائل والأخلاق والشيم
قد رق طبعا وقد راقت شمائلهفهو الوجود ولك الناس كالعدم
ومنها:
وصاغه الله من فضل ومن أدبحتى اغتدى فوق أنف المجد كالشمم
من آل سالم من قول لهم حسبيضيء كالبدر جلى ليلة الظلم
الحالمون علوم الدين إن تركتوالحاكمون صروف الدهر بالحكم
فلو رآهم زهير لانثنى لهمبمدحه وتعدى القول عن هرم
فيا أبا عمرو الأعلى, نداء أخلم يرم في شكر ما أوليت بالسأم
نوهت باسمي في شعر بعثت بهحتى رأيت الثريا فوقها قدمي
ألزمتني فيه حقا لا أفراقهعمري كما ألزم التأكيد للقسم
لئن مدحت فلي قربى شرفت بهاما إن يفي خاطري عن ذكرها بفمي
ومنها:
أرضعتني بلبان العلم مغتديابه, فحسبي من قربى ومن رحم
بعثت لي ببنات الفكر محكمةحرائرا, فلذا وجهت بالخدم
وما قصدت, وحاشا, أن أماثلهاومن يماثل بين السيف والزلم
وإن تكن صفة للشعر تجمعهافليس حمرة خد كاحمرار دم
ومن شعره وكتب إلى الفقيه الأستاذ عبد الله الاستجي:
عدمت لذيذ العيش بعدك والكرىوأشغلت قلبي لوعة وتذكرا
وكم ليلة قد بت فيها مولهامخافة نفس أن تذوب تحسرا
أقابل مسرى الريح من نحو أرضكمفيحرمني برد النسيم إذا سري
لقد خاب ما أملت مذ سرت عنكمومن ركب الآمال لم يحمد السرى
تنكر لي دهري ولم يدر أننيعرفت جلي الأمر لما تنكرا
وأتحفني فكري فوائد جمةفما زدت إلا عبر وتفكرا
يقولون لي صبرا على البعد والنوىومذ بنت عني ما رزقت تصبرا
ومما شجاني أنني بت مغرمابأزهر يحكي البدر حسنا ومنظرا
يؤرق جفني منه غنج محاجرتعد منام الجفن حجرا محجرا
ولولا الذي أخشاه من جور حكمهلحدثتك الأمر الخفي كما جرى
وبحت بمكنون الضمير إليكموأظهرت وجدا كان في القلب مضمرا
ولا بد من شكوى فتعذر مذنفاحليف سقام, أو يموت فيعذرا
ومنها:
ولكنه مذ لاح لام عذارهتجنى فلا يلوي على من تعذرا
ومنها:
شراني ببخس وهو في الحسن يوسفوما باعني إلا بأرخص ما اشترى
فيمسي إذا ما أظلم الليل, ظالميويهجر إن صام النهار وهجرا
ولا ذنب إلا أنني بحت باسمهولا بد للمحزون من أن يتذكرا
فكن ناصري عن شئت في موقف الهوىفحق لمثلي أن يعان وينصرا
ألست الذي تزهى به أرض ريةفريا رباها فاح مسكا وعنبرا
ومنها:
ونحن بنو همدان والأصل واحدنما فرعنا في المكرمات وأثمرا
ومنها:
ولولا حلول الشيب كررت منشدا"سما لك شوق ما كان أقصرا"
فجاوبه الأستاذ أبو عبد الله بقصيدة منها:
بنفسي غزال لم يدع لي تصبراوزدت خضوعا حين زاد تكبرا
وما صغر المحبوب, لكن همومه,على قلب من يهواه أعلى وأكبرا
ولو أن محبوبي تعذر لم أخفعلى الوصل يوما أن يرى قد تعذرا
فيا واحد الأزمان علما ومنصباويا شيخي الأعلى الأجل الموقرا
تعال لكي نحتال في نيل مطلبفندرك وصلا, "أو نموت فنعذرا"
وأنت حسام فيه للعلم جوهرفكن لي على الدهر الحسام المجوهرا
وهل حلية العشاق إلا رغيبةوقد بايعوا منك الأمير المؤمرا
فهز رماح الخط وانشر بنودهوقد من معانيك البديعة عسكرا
فإنك منصور لدى موقف الهوىفلم تعط جيش الشعر إلا لتنصرا
وقصر حياة العاذلين فكلهموشى بجميع العاشقين وقصرا
ومنها:
وجرد على من كان أبيض أبيضااشرع إلى من كان أسمر أسمرا
وقم بيننا في منبر العز خاطبافمثلك (حقا) من رقى اليوم منبرا
وعظ كل وسنان المدامع أزهرليضحى زمان الصب وسنان أزهرا
فنقطف من تلك السوالف سوسناونرشف من تلك المراشف سكرا
ومنها:
أعالمنا المشهور في كل بلدةومن لم يزل من حاجب الشمس أشهرا
ومنها:
وليس مشيبا ما علاك, وإنمارياض المعالي فوق فوديك نورا
لك الله يا مولاي ذكرت خاطريبأشياء تشجي الصب مهما تذكرا
وسميت لي دهرا تصرم وانقضىوعيشا لدى الخضراء فينان أخضرا
زمان التقى البحران: علم ولجةفكنت به أصفى وأندى وأطهرا
ومنها:
وحقك ما قصرت في حق صاحب ولكنني لم ألق إلا مقصرا
إذا ما دنا مني تصور ثعلباومهما نأى عني تصور قسورا
وإن أنت عاينت التذلل من أخفلا تعتقد من ذاك إلا تجبرا
فما من حياء تكتسي النار حمرةولا من سقام معدن التبر أصفرا
ومنها:
وخبرني عن شاذن الريم أنهغدا صفو ماء الوصل منه مكدرا
أمولاي أرسل سحر نظمك نحوهفلم أر منه للبرية أسحرا
ومنها:
لعل غزال الريف يكسب رأفةفيهجر ذا عذل أساء وأهجرا
وهي من التعنيس صنعة فاعليريك له في ساحة الصدر مصدرا
ومنها:
أمولاي قد قلدت جيدي قلادةيباع بها در المعالي ويشترى
وأسكرني للحين فرط انطباعهاولم أدر أن الشعر يوجد مسكرا
ومن لي بأن أحكي الحميا بحمأةوآتي بأمثال الثريا من الثرى
وأوجب شيء حين يظهر نظمكملمثن بنظم الشعر أن يتسترا
وله أيضاً:
إلهي قد عصينا منك رباتعالى أن يقابل بالمعاصي
فكيف خلاصنا من هول يومتشيب لهوله سود النواصي
وتوفي الفقيه أبو عمرو ﵀ يوم الاثنين لثمان عشرة ليلة خلت من شهر رمضان المعظم عام عشرين وستمائة.
ومنهم:
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع