من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
إسحاق بن إبراهيم الموصلي ابن ميمون بن بهمن بن نسك
، وكان اسم ميمون ماهان فقلبوه استثقالا؛ قال إسحاق: نحن من أرجان وموالينا من الخزيميين، وكانت لهم ضياع عندنا، وإنما نسبوا إلى الموصل لأن أبا إبراهيم سافر إليها وأقام بها مدة يعلم الغناء، فلما عاد إلى الكوفة قيل له: كيف أنت يا موصلي، فلصقت به الموصلي؛ وكنيته أبو محمد، وكان الرشيد إذا أراد أن يولع به كناه أبا صفوان، وموضعه من العلم ومكانه من الأدب والشعر لو أردنا استيعابه طال الكتاب، وخرجنا عن غرضنا من الاختصار. ومن وقف على الأخبار وتتبع الآثار علم موضعه. وأما الغناء فكان أصغر علومه وأدنى ما يوصف به، وإن كان الغالب عليه، لأنه كان له في سائر علومه نظراء ولم يكن له في هذا نظير، لحق فيه من مضى وسبق من بقي، فهو إمام هذه الصناعة. على أنه كان أكره الناس لهذه الصناعة وهي الغناء والتسمّي به ويقول: وددت أن أضرب كلّما أراد منّي من يندبني أن أغنّي، وكلّما قال قائل إسحاق
الموصلي المغنّي، عشر مقارع- ولا أطيق أكثر منها - وأعفى من الغناء والنسبة إليه.
وكان المأمون يقول: لولا ما سبق لأسحاق على ألسنة الناس وشهر به من الغناء عندهم لولّيته القضاء بحضرتي، فإنه أولى به وأحقّ وأعفّ وأصدق تديّنا وأمانة من هؤلاء القضاة وأكثر.
قال: بقيت زمانا من دهري أغلّس في كل يوم إلى هشيم فأسمع منه الحديث، ثم أصير إلى الكسائي فأقرأ عليه جزءا من القرآن، وآتي الفرّاء فأقرأ عليه جزءا، ثم آتي منصور زلزل فيضاربني طريقين أو ثلاثة، ثم آتي عاتكة بنت شهدة فآخذ عنها صوتا أو صوتين، ثم آتي الأصمعي فأناشده، وآتي أبا عبيدة فأذاكره، ثم أصير إلى أبي فأعلمه ما صنعت ومن لقيت وما أخذت وأتغدّى معه، وإذا كان العشاء رحت إلى الرشيد.
وقال الأصمعي: خرجت مع الرشيد [إلى الرقة] فلقيت إسحاق الموصلي بها، فقلت له: هل حملت شيئا من كتبك؟ فقال: حملت ما خفّ، فقلت: كم مقداره؟ فقال: ثمانية عشر صندوقا، فعجبت وقلت: إذا كان هذا ما خفّ فكم يكون ما ثقل؟ فقال: أضعاف ذلك.
وكان الأصمعيّ يعجب بقول إسحاق:
إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبيودافع ضيمي خازم وابن خازم
عطست بأنف شامخ وتناولتيداي الثريا قاعدا غير قائم
وقال جعفر بن قدامة، حدثني علي بن يحيى بن المنجّم قال: سأل إسحاق
الموصلي المأمون أن يكون دخوله إليه مع أهل العلم والأدب والرواة لا مع المغنين، فإذا أراد الغناء غنّاه، فأجابه إلى ذلك، ثم سأله بعد مدّة أن يكون دخوله مع الفقهاء، فأذن له في ذلك، فكان يدخل ويده في يد القضاة حتى يجلس بين يدي المأمون. ثم مضت مدة على ذلك فسأله في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة، قال: فضحك المأمون وقال: ولا كلّ هذا يا إسحاق، قد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف درهم، وأمر له بها.
وحدث المرزباني عن محمد بن عطية الشاعر قال: كنت عند يحيى بن أكثم في مجلس له يجتمع إليه فيه أهل العلم، وحضره إسحاق، فجعل يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم، ثم تكلم في الفقه فأحسن واحتج، ثم تكلم في الشعر واللغة ففاق فيها من حضر، فأقبل على يحيى بن أكثم وقال: أعزّ الله القاضي أفي شيء مما ناظرتك فيه تقصير؟ قال: لا والله، قال: فما بالي أقوم بسائر العلوم قيام أهلها وأنسب إلى فنّ واحد قد اقتصر الناس عليه؟ قال العطويّ: فالتفت إليّ يحيى بن أكثم وقال: جوابه في هذا عليك، قال- وكان العطوي من أهل الجدل والكلام- فالتفتّ إلى إسحاق وقلت: يا أبا محمد أخبرني إذا قيل من أعلم الناس بالشعر واللغة؟؟
أيقولون إسحاق أم الأصمعي وأبو عبيدة؟ فقال: بل الأصمعيّ وأبو عبيدة، قال: فإن قيل من أعلم الناس بالنحو؟ أيقولون إسحاق أم الخليل وسيبويه؟ قال: بل الخليل وسيبويه، قال: فإن قيل من أعلم الناس بالأنساب؟ أيقولون إسحاق أم ابن الكلبي؟
قال: بل ابن الكلبي، قال: فإن قيل من أعلم الناس بالكلام؟ أيقولون إسحاق أم أبو الهذيل والنظام؟ قال: بل أبو الهذيل والنظام، قال: فإن قيل من أعلم الناس بالفقه؟ أيقولون إسحاق أم أبو حنيفة وأبو يوسف؟ فقال: بل أبو حنيفة وأبو يوسف، قال: فإن قيل من أعلم الناس بالحديث؟ أيقولون إسحاق أم علي بن المديني ويحيى بن معين؟ قال: بل علي بن المديني ويحيى بن معين، قال: فإذا قيل من أعلم الناس بالغناء أيجوز أن يقول قائل فلان أعلم من إسحاق؟ قال: لا، قلت:
فمن ها هنا نسبت إلى ما نسبت إليه لأنه لا نظير لك فيه وأنت في غيره لك نظراء، فضحك وقام وانصرف. فقال لي يحيى بن أكثم: لقد وفّيت الحجة وفيها ظلم قليل لإسحاق، لأنه ربما ماثل أو زاد على من فضّلته عليه وإنه ليقل في الزمان نظيره. وكان إسحاق قد روى الحديث عن جماعة منهم: أبو معاوية الضرير وهشيم وابن عيينة وغيرهم. وكان مع كراهيته للغناء أحذق خلق الله به ممن تقدّم وتأخر، وأشدّ الناس بخلا به على كل أحد حتى على جواريه وغلمانه ومن يأخذ عنه منتسبا إليه متعصبا له فضلا عن غيره، وهو الذي صحّح أجناس الغناء وطرائقه وميّزها تمييزا لم يقدر عليه أحد قبله ولا تعلّق به أحد بعده، ولم يكن قديما مميّزا على هذا الجنس.
وكان إبراهيم بن المهدي يأكل المغنين أكلا حتى يحضر إسحاق فيداريه إبراهيم ويطلب مكافأته، ولا يدع إسحاق تبكيته ومعارضته، وكان إسحاق آفته- كما إن لكل شيء آفة- وله معه عدة مشاهد.
قال إسحاق: كنت يوما عند الرشيد وعنده ندماؤه وخاصته، وفيهم إبراهيم ابن المهدي، فقال لي الرشيد: يا إسحاق تغنّ:
شربت مدامة وسقيت أخرىوراح المنتشون وما انتشيت
فغنيته، فأقبل عليّ إبراهيم بن المهدي فقال: ما أصبت يا إسحاق ولا أحسنت، فقلت له: ليس هذا مما تحسنه ولا تعرفه، وإن شئت فغنه، فإن لم أوجدك أنك تخطىء فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك فدمي حلال، ثم أقبلت على الرشيد فقلت: يا أمير المؤمنين هذه صناعتي وصناعة أبي وهي التي قرّبتنا منك واستخدمتنا إليك وأوطأتنا بساطك، فإذا نازعناها أحد بلا علم لم نجد بدّا من الإيضاح والذبّ، فقال: لا غرو ولا لوم عليك، وقام الرشيد ليبول، فأقبل عليّ إبراهيم وقال: ويلك يا إسحاق تجترىء عليّ وتقول ما قلت يا ابن الزانية؟ فداخلني ما لم أملك نفسي معه فقلت له: أنت تشتمني ولا أقدر على إجابتك، وأنت ابن الخليفة وأخو الخليفة ولولا ذلك لقد كنت أقول لك: يا ابن الزانية كما قلت لي يا ابن الزانية، ولكنّ قولي في
ذمّك ينصرف إلى خالك الأعلم، ولو لاك لذكرت صناعته ومذهبه- قال إسحاق: وكان بيطارا- وعلمت أنّ إبراهيم يشكوني إلى الرشيد، وأن الرشيد سيسأل من حضر عما جرى فيخبرونه، ثم قلت له: أنت تظنّ أنّ الخلافة تصير إليك، فلا تزال تهدّدني بذلك وتعاديني كما تعادي سائر أولياء أخيك حسدا له ولولده على الأمر، وأنت تضعف عنه وعنهم، وتستخفّ بأوليائهم تشفيا، وأرجو ألّا يخرجها الله تعالى عن يد الرشيد وولده، وأن يقتلك دونها، وإن صارت إليك والعياذ بالله فحرام عليّ العيش يومئذ والموت أطيب من الحياة معك، فاصنع حينئذ ما بدا لك. فلما خرج الرشيد وثب إبراهيم فجلس بين يديه وقال: يا أمير المؤمنين شتمني وذكر أمي واستخفّ بي، فغضب الرشيد وقال: ما تقول ويلك؟ قلت: لا أعلم، سل من حضر، فأقبل على مسرور وحسين الخادم فسألهما عن القصّة، فجعلا يخبرانه ووجهه يربدّ إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة فسرّي عنه ورجع لونه وقال لابراهيم: ما له ذنب، شتمته فعرّفك أنه لا يقدر على جوابك، ارجع الى موضعك وأمسك عن هذا. فلما انقضى المجلس وانصرف الناس أمر أن لا أبرح، وخرج كلّ من حضر حتى لم يبق غيري، فساء ظنّي وهمّتني نفسي، فأقبل عليّ وقال لي: ويحك يا إسحاق، أتراني لا أعرف وقائعك؟! قد والله زنّيته دفعات، ويحك لا تعد، ويحك حدّثني عنك لو ضربك أخي إبراهيم أكنت أقتصّ لك منه فأضربه وهو أخي؟ يا جاهل أتراه لو أمر غلمانه أن يقتلوك فقتلوك أكنت أقتله بك؟ فقلت: قد والله قتلتني يا أمير المؤمنين بهذا الكلام، ولئن بلغه ليقتلنّي، وما أشكّ في أنه قد بلغه الآن، فصاح بمسرور الخادم وقال: عليّ بإبراهيم الساعة، وقال لي: قم فانصرف، فقلت لجماعة من الخدم، وكلّهم كان لي محبا وإليّ مائلا: أخبروني بما يجري، فأخبروني من غد أنّه لما دخل عليه وبّخه وجهّله وقال: لم تستخفّ بخادمي وصنيعتي ونديمي وابن خادمي وصنيعة أبي في مجلسي وتقدم عليّ وتصنع في مجلسي وحضرتي؟! هاه هاه تقدم على هذا وأمثاله وأنت مالك والغناء وما يدريك ما هو ومن أخذ لحنه وطارحك إياه حتى تظن أنك تبلغ منه مبلغ
إسحاق الذي غذي به وهو صناعته، ثم تظنّ أنك تخطّئه فيما لا تدريه، ويدعوك إلى إقامة الحجة عليك فلا تثبت لذلك وتعتصم بشتمه، أليس هذا مما يدل على السقوط وضعف العقل وسوء الأدب من دخولك فيما لا يشبهك ثم إظهارك إياه ولم تحكمه؟! أليس تعلم ويحك أن هذا سوء رأي وأدب وقلة معرفة ومبالاة بالخطأ والتكذيب والردّ القبيح؟! ثم قال له: والله العظيم وحقّ رسوله الكريم وإلّا فأنا نفيّ من أبي لئن أصابه سوء أو سقط عليه حجر من السماء، أو سقط من دابته، أو سقط عليه سقف، أو مات فجأة لأقتلنك به، والله والله والله، وأنت أعلم فلا تعرض له؛ قم الآن فاخرج، فخرج وقد كاد يموت. فلما كان بعد ذلك دخلت عليه وإبراهيم عنده، فأعرضت عنه، فجعل الرشيد ينظر إليّ مرة وإلى إبراهيم أخرى ويضحك، ثم قال له: إني لأعلم محبّتك لإسحاق وميلك إليه والأخذ عنه، وإن هذا لا تقدر عليه كما تريد إلا أن يرضى، والرضى لا يكون بمكروه، ولكن أحسن إليه وأكرمه وبرّه وصله، فإذا فعلت ذلك ثم خالف ما تهواه عاقبته بيد منبسطة ولسان منطلق، ثم قال لي: قم إلى مولاك وابن مولاك فقبّل رأسه، فقمت إليه وأصلح بيننا.
وحدث المبرّد قال: حدّثت عن الأصمعي قال: دخلت أنا وإسحاق بن إبراهيم يوما على الرشيد فرأيته لقس النفس، فأنشده إسحاق:
وآمرة بالبخل قلت لها اقصريفذلك شيء ما إليه سبيل
أرى الناس خلّان الكرام ولا أرىبخيلا له حتى الممات خليل
وانّي رأيت البخل يزري بأهلهفأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير أخلاق الفتى قد علمتهإذا نال منها أن يقال ينيل
فعالي فعال الموسرين تكرّماومالي كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنىورأي أمير المؤمنين جميل
قال فقال الرشيد: لأكفينّك إن شاء الله، ثم قال: لله درّ أبيات تأتينا بها ما أشدّ أصولها، وأحسن فصولها، وأقلّ فضولها، وأمر له بخمسين ألف درهم، فقال له إسحاق: وصفك والله يا أمير المؤمنين لشعري أحسن منه فعلام آخذ الجائزة؟
فضحك الرشيد وقال: اجعلوها لهذا القول مائة ألف درهم، قال الأصمعي: فعلمت يومئذ أن إسحاق أحذق بصيد الدراهم مني.
وحدث إسحاق قال: قال لي الرشيد يوما: بأيّ شيء يتحدّث الناس؟
قلت: يتحدثون أنك تقبض على البرامكة وتولّي الفضل بن الربيع الوزارة، فغضب وصاح وقال: وما أنت وذاك؟ فأمسكت، فلما كان بعد أيام دعا بنا فكان أوّل شيء غنيته:
إذا نحن صدقناكفضرّ عندك الصدق
طلبنا النفع بالباطل إذ لم ينفع الحقّ
فلو قدّم صبّا فيهواه الصبر والرفق
لقدّمت على الناسولكن الهوى رزق
- والشعر لأبي العتاهية- قال: فضحك الرشيد وقال لي: يا إسحاق قد صرت حقودا.
وحدثت شهوات جارية إسحاق التي كان أهداها إلى الواثق أن محمدا الأمين لما غنى إسحاق لحنه الذي صنعه في شعره:
يا أيّها القائم الأمين فدتنفسك نفسي بالأهل والولد
بسطت للناس إذ وليتهميدا من الجود فوق كلّ يد
فأمر له بألف ألف درهم، فرأيتها قد أدخلت إلى دارنا يحملها مائة فراش.
وحدث إسحاق قال: أقام المأمون بعد قدومه عشرين شهرا لم يسمع حرفا من الأغاني، ثم كان أول من تغنّى بحضرته أبو عيسى ابن الرشيد، ثم واظب على السماع متستّرا متشبّها في أول أمره بالرشيد، فأقام على ذلك أربع حجج، ثم ظهر للندماء والمغنين. وكان حين أحبّ السماع سأل عني فجرّحت بحضرته، وقال الطاعن عليّ: ما يقول أمير المؤمنين في رجل يتيه على الخلافة؟ فقال: ما بقّى هذا شيئا من التيه إلا استعمله، فأمسك عن ذكري، وجفاني من كان يصلني لسوء رأيه الذي ظهر فيّ، فأضرّ ذلك بي، حتى جاءني علويه يوما فقال لي: أتأذن لي في ذكرك، فإنّا قد دعينا اليوم؟ فقلت: لا، ولكن غنّه بهذا الشعر، فإنه سيبعثه على أن يسألك لمن هذا؟ فإذا سألك انفتح لك ما تريد، فكان الجواب أسهل عليك من الابتداء، وألقيت عليه لحني في شعري:
يا سرحة الماء قد سدّت مواردهأما إليك طريق غير مسدود
لحائم حام حتى لا حيام لهمحلأ عن طريق الماء مطرود
قال: فلما استقرّ بعلويه المجلس غنّاه الشعر الذي أمرته، فما عدا المأمون أن سمع الغناء حتى قال: ويلك يا علويه لمن هذا الشعر؟ قلت: يا سيدي لعبدك الذي جفوته واطّرحته لغير جرم، فقال إسحاق تعني؟ قلت: نعم، فقال: يحضرني الساعة، فجاءني رسوله فصرت إليه، فلما دخلت عليه قال: ادن فدنوت منه فرفع يديه مادّهما إليّ فأكببت عليه، فاحتضنني بيديه وأظهر من بري وإكرامي ما لو أظهر صديق مؤانس لصديق لسرّه.
وقال إسحاق غنّيت المأمون يوما:
لأحسن من قرع المثاني ورجعهاتواتر صوت الثغر يقرع بالثغر
وسكر الهوى أروى لعظمي ومفصليمن الشرب بالكاسات من عاتق الخمر
فقال لي المأمون: ألا أخبرك بأطيب من ذلك وأحسن؟ الفراغ والشباب والجدة.
وحدث إسحاق قال: ذكر المعتصم وأنا بحضرته يوما بعض أصحابه وقد غاب عنه، فقال: تعالوا حتى نقول ما يصنع في هذا الوقت، فقال قوم كذا وقال آخرون كذا، فبلغت النوبة إليّ فقال: قل يا إسحاق، قلت: إذا أقول فأصيب، قال: أتعلم الغيب؟ قلت: ولكني أفهم ما يصنع وأقدر على معرفته، قال: فإن لم تصب؟ قلت: وإن أصبت؟ قال: لك حكمك، وإن لم تصب؟ قلت: لك دمي قال: وجب، قلت: وجب، قال: فقل، قلت: يتنفس، قال: وإن كان ميتا؟
قلت: تحفظ الساعة التي تكلمت فيها، فإن كان مات قبلها أو فيها فقد قمرتني، قال: قد أنصفت، قلت: فالحكم، قال: فاحتكم ما شئت، قلت: ما حكمي إلا رضاك يا أمير المؤمنين، قال: فإن رضاي لك وقد أمرت لك بمائة ألف درهم، أترى مزيدا؟ فقلت: ما أولاك يا أمير المؤمنين بذاك، قال: فإنها مائتا ألف أترى مزيدا؟
فقلت: ما أحوجني إلى ذاك، قال: فإنها ثلاثمائة ألف، أترى مزيدا؟ قلت: ما أولاك يا أمير المؤمنين بذاك، فقال: يا صفيق الوجه ما نزيد على هذا.
وحدث إسحاق قال: كنت جالسا بين يدي الواثق وهو وليّ عهد إذ خرجت وصيفة من القصر كأنّها خوط بان، أحسن من رأته عيني، يقدمها عدة وصائف بأيديهن المذابّ والمناديل ونحو ذلك، فنظرت إليها نظر دهش وهو يرمقني، فلما تبيّن إلحاح نظري إليها قال لي: ما لك يا أبا محمد، قد انقطع كلامك وبانت الحيرة فيك؟ فلجلجت، فقال: رمتك والله هذه الوصيفة فأصابت قلبك، فقلت: غير ملوم، فضحك وقال: أنشدني شيئا في هذا المعنى فأنشدته قول المرار:
ألكني إليها عمرك الله يا فتىبآية ما قالت متى أنت رائح
وآية ما قالت لهنّ عشيّةوفي الستر حرّات الوجوه ملائح
تخيرن أرماكنّ فارمين رميةأخا أسد إذ طوّحته الطوائح
فلبّسن مسلاس الوشاح كأنّهامهاة لها طفل برمّان راشح
فقال الواثق: أحسنت وحياتي وظرفت، فاصنع فيه لحنا فإن جاء كما أريد فالوصيفة لك، فصنعت فيه لحنا وغنّيته إياه، فانصرفت بالجارية.
وحدث إسحاق قال: غنّيت الواثق في شعر قلته عنده بسرّ من رأى وقد طال مقامي واشتقت إلى أهلي وهو:
يا حبّذا ريح الجنوب إذا بدتفي الصبح وهي ضعيفة الأنفاس
قد حمّلت برد الندى وتحمّلتعبقا من الجثجاث والبسباس
فاستحسنه وقال لي: يا إسحاق لو جعلت مكان الجنوب شمالا ألم تكن أرقّ وأعذى وأصحّ للأجساد وأقلّ وخامة وأطيب للأنفس؟ فقلت: ما ذهب عليّ ما قاله أمير المؤمنين، ولكن التفسير فيما بعد وهو:
ماذا يهيج من الصبابة والهوىللصبّ بعد ذهوله والياس
فقال الواثق: فإنما استطبت ما تجيء به الجنوب لنسيم بغداد لا للجنوب، وإليهم إشتقت لا إليها، فقلت: أجل يا أمير المؤمنين، وقمت فقبلت يده، فضحك وقال: قد أذنت لك بعد ثلاثة أيام فامض راشدا، وأمر لي بمائة ألف درهم.
وحدث إسحاق قال: ما وصلني أحد من الخلفاء قطّ بمثل ما وصلني به الواثق، ولا كان أحد يكرمني إكرامه، ولقد غنّيته:
لعلك إن طالت حياتك أن ترىبلادا بها مبدى لليلى ومحضر
فاستعاده مني جمعة لا يشرب على غيره، ثم وصلني بثلاثمائة ألف درهم.
ولقد استقدمني إليه فلما قدمت عليه قال لي: ويحك يا إسحاق أما اشتقت إليّ؟
فقلت: بلى والله يا سيدي، وقد قلت في ذلك أبياتا إن أمرتني أنشدتك إياها، قال:
هات فأنشدته:
أشكو إلى الله بعدي عن خليفتهوما أعالج من سقم ومن كبر
لا أستطيع رحيلا إن هممت بهيوما إليه ولا أقوى على السفر
أنوي الرحيل إليه ثمّ يمنعنيما أحدث الدهر والأيام في بصري
وإنما قال: ما أحدث الدهر والأيام في بصري، لأن إسحاق لما كبر ضعف بصره ثم أضرّ. واستأذنته في إنشاد قصيدة مدحته بها فأذن لي، فأنشدته:
لما أمرت بإشخاصي إليك هفاقلبي حنينا إلى أهلي وأولادي
ثم اعتزمت ولم أحفل ببينهموطابت النفس عن فضل وحمّاد
فلو شكرت أياديكم وأنعمكملما أحاط بها وصفي وتعدادي
فقال أحمد بن إبراهيم لعلي بن يحيى، وقد أخبر بهذا الخبر: أخبرني لو قال الخليفة أحضرني فضلا وحمّادا أليس كان إسحاق يفتضح من دمامة خلقتهما وتجلّف شاهدهما؟! قال إسحاق: وانحدرت معه إلى النجف فقلت له: يا أمير المؤمنين قد قلت في النّجف قصيدة، قال: هاتها فأنشدته:
يا راكب العيس لا تعجل بنا وقفنحيّ دارا لسعدى ثم ننصرف
حتى انتهيت فيها إلى قولي:
لم ينزل الناس في سهل ولا جبلأصفى هواء ولا أعذى من النجف
حفّت ببرّ وبحر في جوانبهافالبرّ في طرف والبحر في طرف
وما يزال نسيم من يمانيةيأتيك منها بريّا روضة أنف
ثم مدحته فقلت:
لا يحسب الجود يفني ماله أبداولا يرى بذل ما يحوي من السّرف
ومضيت فيها حتى أتممتها فطرب وقال: أحسنت والله يا أبا محمد، وكناني
يومئذ، وأمر لي بمائة ألف درهم. وانحدرت معه إلى الصالحية التي يقول فيها أبو نواس:
فالصالحية من أطراف كلواذى
فذكرت الصبيان وبغداد فقلت:
أتبكي على بغداد وهي قريبةفكيف إذا ما ازددت منها غدا بعدا
لعمرك ما فارقت بغداد عن قلىلو انا وجدنا من فراق لها بدّا
إذا ذكرت بغداد نفسي تقطّعتمن الشوق أو كادت تهيم بها وجدا
كفى حزنا أن رحت لم أستطع لهاوداعا ولم أحدث بساحتها عهدا
فقال لي: يا موصلي اشتقت إلى بغداد؟ فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين ولكن من أجل الصبيان، وقد حضرني بيتان فقال: هاتهما، فأنشدته:
حننت إلى أصيبية صغاروشاقك منهم قرب المزار
وأبرح ما يكون الشوق يوماإذا دنت الديار من الديار
فقال لي: يا إسحاق صر إلى بغداد فأقم مع عيالك شهرا ثم صر إلينا وقد أمرت لك بمائة ألف درهم.
وحدث حمّاد بن إسحاق عن إسحاق قال: دخلت يوما دار الواثق بالله بغير إذن إلى موضع أمر أن أدخله إذا كان جالسا، فسمعت صوت عود من بيت وترنما لم أسمع أحسن منه قط، فأطلع خادم رأسه وصاح فدخلت، وإذا الواثق، فقال لي: أي شيء سمعت؟ فقلت: الطلاق كاملا لازم لي وكلّ مملوك لي حرّ لقد سمعت ما لم أسمع مثله قط حسنا، فضحك وقال: ما هو إلا فضلة أدب وعلم مدحه الأوائل واشتهاه أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون بعدهم وكثر في حرم الله ﷿ ومهاجر
رسوله ﷺ، أتحبّ أن تسمعه؟ قلت: أي والذي شرّفني بخطاب أمير المؤمنين وجميل رأيه، فقال: يا غلام هات العود وأعط إسحاق رطلا فدفع الرطل إليّ وضرب وغنّى في شعر لأبي العتاهية بلحن صنعه فيه:
أضحت قبورهم من بعد عزّتهمتسفي عليها الصّبا والحرجف الشّمل
لا يدفعون هواما عن وجوههمكأنهم خشب بالقاع منجدل
فشربت الرطل ثم قمت ودعوت له، فأجلسني وقال: أتشتهي أن تسمعه ثانية؟ قلت: أي والله، فغنّانيه ثانية وثالثة وصاح ببعض خدمه وقال: احمل إلى إسحاق الساعة ثلاثمائة ألف درهم، قال: يا إسحاق قد سمعت ثلاثة أصوات وشربت ثلاثة أرطال وأخذت ثلاثمائة ألف درهم، فانصرف إلى أهلك مسرورا ليسرّوا معك، فانصرفت بالمال.
وحدث إسحاق بن إبراهيم قال: جاءني الزبير بن دحمان يوما مسلما فقلت له: إلى أين؟ فقال: إن الفضل بن الربيع أمرني أن أبكّر إليه لنصطبح، فقلت له:
أنت تعرف أن صبوح الفضل غبوق غيره، فأقم عندي نشرب، ثم قلت له:
أقم يا أبا العوّام ويحك نشربونله مع اللاهين يوما ونطرب
إذا ما رأيت اليوم قد بان خيرهفخذه بشكر واترك الفضل يغضب
قال: فأقام عندي وسررنا يومنا، ثم صار إلى الفضل فسأله عن سبب تأخره عنه فحدثه الحديث وأنشده الشعر، فعتب عليّ وحوّل وجهه عني، وأمر عونا حاجبه بأن لا يدخلني ولا يستأذن لي عليه ولا يوصل لي رقعة إليه، فقلت وكتبت بها إلى الفضل:
يقول أناس شامتون وقد رأوامقامي وإغبابي الرواح إلى الفضل
لقد كان هذا خصّ بالفضل مرّةفأصبح منه اليوم منصرم الحبل
ولو كان لي في ذاك ذنب علمتهلقطّعت نفسي بالملامة والعذل
وتوصلت حتى عرضت الأبيات عليه، فلما قرأها قال: أعجب من ذنبه وأشدّ أنه لا يرى من نفسه ذنبا بذلك الفعل، فقلت في نفسي: لا أرى أمره يصلحه إلا حاجبه عون، فقلت لعون:
عون يا عون ليس مثلك عونأنت لي عدة إذا كان كون
لك عندي والله إن رضيالفضل غلام يرضيك أو برذون
فقال: اكتب رقعة وقل شعرا لأعرضه لك عليه، فقلت:
حرام عليّ الراح ما دمت غضباناوما لم يعد عني رضاك كما كانا
فأحسن فإني قد أسأت ولم تزلتعوّدني عند الإساءة إحسانا
قال: فأتى الفضل بالشعرين جميعا فقرأهما وضحك وقال: ويحك إنما عرّض بقوله: «غلام يرضيك» بالسوءة، فقال: قد وعدني بما قد سمعت فإن شئت أن تحرمنيه فأنت أعلم، فأمره أن يرسل إليّ، فأتاني رسوله فصرت إليه فرضي عني ووفيت لعون.
وحدث إسحاق قال: عتب عليّ جعفر بن يحيى وقال: إني لا أراك ولا تغشاني، فقلت: إني أتيتك كثيرا فيحجبني خادمك نافذ، فقال: إذا حجبك عني فنكه، فكتبت إليه بعد أيام:
جعلت فداءك من كلّ سوءإلى حسن رأيك أشكو أناسا
يحولون بيني وبين السلامفليس أسلّم إلّا اختلاسا
وأنفذت أمرك في نافذفما زاده ذاك إلّا شماسا
قال: فأحضرني ودعا نافذا وقرأ الأبيات عليه وقال له: فعلتها يا عدوّ الله؟! فغضب نافذ حتى كاد يبكي وجعفر يضحك ويصفّق، ثم لم يعد بعدها إلى التعرض.
وحدث علي بن الصباح قال: كانت امرأة من بني كلاب يقال لها زهراء تحدّث إسحاق وتناشده، وكانت تميل إليه وتكني عنه في شعرها إذا ذكرته ب «جمل» قال: فحدثني إسحاق أنها كتبت إليه وقد غابت عنه:
وجدي بجمل على أني أجمجمهوجد السقيم ببرء بعد إدناف
أو وجد ثكلى أصاب الموت واحدهاأو وجد مغترب من بين ألّاف
قال فأجبتها:
اقرا السلام على زهراء إذ ظعنتوقل لها قد أذقت القلب ما خافا
أما أويت لمن خلّفت مكتئبايذري مدامعه سحّا وتوكافا
فما وجدت على إلف فجعت بهوجدي عليك وقد فارقت ألّافا
وحدث محمد بن عبد الله الخزاعي قال: أنشدني إسحاق لنفسه:
سقى الله يوم الماوشان ومجلسابه كان أحلى عندنا من جنى النحل
غداة اجتنينا اللهو غضّا ولم نبلحجاب أبي نصر ولا غضب الفضل
غدونا صحاحا ثم رحنا كأنناأطاف بنا شرّ شديد من الخبل
فسألته ان يكتبنيها ففعل، فقلت له: ما حديث يوم الماوشان فقال: لو لم أكتبك الأبيات ما سألت عما لا يعنيك، ولم يخبرني.
قال: وكان ابن الأعرابي يصف اسحاق ويقرظه ويثني عليه ويذكر أدبه وحفظه
وعلمه وصدقه ويستحسن قوله:
هل إلى أن تنام عيني سبيلإنّ عهدي بالنوم عهد طويل
غاب عنّي من لا أسمي فعينيكلّ يوم وجدا عليه تسيل
إنّ ما قلّ منك يكثر عنديوكثير ممن تحبّ القليل
وكان اسحاق إذا غنى هذه الأبيات تفيض عيناه ويبكي أحرّ بكاء فسئل عن بكائه فقال: تعشقت جارية فقلت لها هذه الأبيات ثم ملكتها وكنت مشغوفا بها حتى كبرت واعتلت عيني، فإذا غنيت هذا الصوت ذكرت أيامه المتقدمة، وأنا أبكى على دهري الذي كنت فيه.
قال إسحاق وأنشدني بعض الأعراب لنفسه:
ألا قاتل الله الحمامة غدوةعلى الغصن ماذا هيّجت حين غنّت
تغنّت بصوت أعجميّ فهيّجتمن الوجد ما كانت ضلوعي أجنّت
فلو قطرت عين امرىء من صبابةدما قطرت عيني دما وأبلّت
فما سكتت حتى أويت لصوتهاوقلت أرى هذي الحمامة جنّت
ولي زفرات لو يدمن قتلننيبشوق إلى هاتي التي قد تولّت
إذا قلت هذي زفرة اليوم قد مضتفمن لي بأخرى في غد قد أظلّت
فيا منشر الموتى أعنّي على التيبها نهلت نفسي سقاما وعلّت
لقد بخلت حتى لو اني سألتهاقذى العين من سافي التراب لضنّت
فقلت ارحلا يا صاحبيّ فليتنيأرى كلّ نفس أعطيت ما تمنّت
حلفت لها بالله ما أمّ واحدإذا ذكرته آخر الليل أنّت
ولا وجد أعرابية قذفت بهاصروف النوى من حيث لم تك ظنّت
إذا ذكرت ماء العذيب وطيبهوبرد حصاه آخر الليل حنّت
بأكثر مني لوعة غير أنّنيأجمجم أحشائي على ما أجنّت
وحدث حماد بن إسحاق: لما خرج أبي إلى البصرة وعاد أنشدني لنفسه:
ما كنت أعرف ما في البين من حزنحتى تنادوا بأن قد جيء بالسفن
لما افترقنا على كره لفرقتناأيقنت أني قتيل الهمّ والحزن
قامت تودعني والدمع يغلبهافجمجمت بعض ما قالت ولم تبن
مالت عليّ تفدّيني وترشفنيكما يميل نسيم الريح بالغصن
وأعرضت ثم قالت وهي باكيةيا ليت معرفتي إياك لم تكن
وحدث إسحاق قال: دخلت على الأصمعي فأنشدته أبياتا قلتها وكتبتها إلى بعض الأعراب، وهي «هل إلى أن تنام عيني سبيل» ... الأبيات، وهي متقدمة، قال: فجعل يعجب بها ويرددها، فقلت له: انها بنو ليلتها، فقال: لا جرم أن أثر التوليد فيها بيّن، فقلت: ولا جرم أن أثر الحسد فيك ظاهر.
وكان إسحاق يقوم على ابن الاعرابي ويبرّه، فكان ابن الأعرابي يقول:
إسحاق والله أحقّ بقول أبي تمام:
ترمي بأشباحنا إلى ملكنأخذ من ماله ومن أدبه
ممن قد قيل فيه.
وحدث إسحاق قال: بعث إليّ طلحة بن طاهر وقد انصرف من وقعة الشراة،
وقد أصابته ضربة في وجهه فقال: غنّني فغنّيته في شعر بعض الأعراب:
إني لأكني بأجبال عن اجبلهاوباسم أودية عن إسم واديها
عمدا ليحسبها الواشون غانيةأخرى وتحسب أني لست أعنيها
ولا يغيّر ودي أن أهاجرهاولا فراق نوى في الدار أنويها
وللقلوص ولي منها إذا بعدتبوارح الشوق تنضيني وأنضيها
فقال: أحسنت والله أعده، فأعدته عليه وهو يشرب، حتى صلى العتمة وأنا أغنّيه إياه، فأقبل على خادم له فقال له: كم عندك؟ فقال: مقدار سبعين ألف درهم، فقال: تحمل معه، فلما خرجت من عنده تبعني جماعة من الغلمان يسألوني، فوزّعت المال بينهم، فرفع الخبر إليه فأغضبه ولم يوجه إليّ ثلاثا، فكتبت إليه:
علمني جودك السماح فماأبقيت شيئا لديّ من صلتك
لم أبق شيئا إلا سمحت بهكأنّ لي قدرة كمقدرتك
تتلف في اليوم بالهبات وفي الساعة ما تجتبيه في سنتك
فلست أدري من أين تنفق لولا أن ربّي يجزي على هبتك
فلما كان في اليوم الرابع بعث إليّ فصرت إليه، فدخلت فسلمت، ورفع بصره إليّ ثم قال: اسقوه رطلا، فسقيته، فأمر لي بآخر وآخر فشربت ثلاثة ثم قال غنني: «إني لأكني بأجبال عن اجبلها» فغنيته إياه ثم أتبعته الأبيات التي قلتها فقال لي: ادن فدنوت، فقال لي: أعد الصوت فأعدته، فلما فهمه وعرف المعنى قال لخادم له: أحضرني فلانا فأحضره، فقال له: كم قبلك من مال الضياع، قال:
ثمانمائة ألف درهم، فقال: أحضرها الساعة، فجيء بثمانين بدرة، فقال: جئني بثمانين مملوكا، فأحضروا فقال: أحملوا المال، ثم قال: يا أبا محمد خذ المال والمماليك حتى لا تحتاج إلى أحد تعطيه شيئا.
حدث علي بن يحيى المنجم أن إسحاق لما انحدر إلى البصرة كتب إلى علي بن هشام القائد: جعلت فداك، بعث إليّ أبو نصر مولاك بكتاب منك إليّ يرتفع عن قدري ويقصّر عنه شكري، فلولا ما أعرف من معانيه لظننت أنّ الرسول غلط بي فيه، فما لنا ولك يا أبا عبد الله، تدعنا حتى إذا نسينا الدنيا وأبغضناها ورجونا السلامة من شرها أفسدت قلوبنا وعلّقت أنفسنا، فلا أنت تريدنا ولا أنت تتركنا، وما ذكرته من شوقك إليّ فلولا أنك حلفت عليه لقلت:
يا من شكا عبثا إلينا شوقهشكوى المحبّ وليس بالمشتاق
لو كنت مشتاقا إليّ تريدنيما طبت نفسا ساعة بفراقي
وحفظتني حفظ الخليل خليلهووفيت لي بالعهد والميثاق
هيهات قد حدثت أمور بعدناوشغلت باللذات عن إسحاق
قد تركت جعلت فداك ما كرهت من العتاب في الشعر وغيره، وقلت أبياتا لا أزال أخرج بها إلى ظهر المربد، وأستقبل الشمال وأتنسم أرواحكم فيها، ثم يكون ما الله أعلم به، وان كنت تكرهها تركتها إن شاء الله:
ألا قد أرى أنّ الثواء قليلوأن ليس يبقى للخليل خليل
وأني وإن ملّيت في العيش حقبةكذي سفر قد حان منه رحيل
فهل لي إلى أن تنظر العين مرةإلى ابن هشام في الحياة سبيل
فقد خفت أن ألقى المنايا بحسرةوفي النفس منه حاجة وغليل
وأما بعد، فإني أعلم أنك وإن لم تسأل عن حالي تحبّ أن تعلمها وأن تأتيك عني سلامة، فأنا يوم كتبت إليك سالم البدن مريض القلب، وبعد فأنا جعلت فداك في صنعة كتاب ظريف مليح فيه تسمية القوم ونسبهم وبلادهم وأسبابهم وأزمنتهم، وما اختلفوا فيه من غنائهم، وبعض أحاديثهم وأحاديث قيان الحجاز والكوفة [والبصرة المعروفات والمذكورات] وقد بعثت إليك بأنموذج فإن كان كما قال القائل: قبّح الله
كلّ دنّ أوّله درديّ، لم نتجشّم إتمامه، وإن كان كما قال العربي «إنّ الجواد عينه فراره» أعلمتنا فأتممناه مسرورين بحسن رأيك فيه.
وكان إسحاق يألف عليا وأحمد بن هشام وسائر أهلهم إلفا شديدا، ثم وقعت بينهم نبوة ووحشة في أمر لم يقع إلينا، فهجاهم هجاء كثيرا. فحدّث أبو أيوب المديني عن مصعب الزبيري قال، قال لي أحمد بن هشام: أما تستحي أنت وصباح بن خاقان المنقري، وأنتما شيخان من مشايخ المروءة والعلم والأدب، أن يذكر كما إسحاق في شعره فيقول:
قد نهانا مصعب وصباحفعصينا مصعبا وصباحا
عذلا ما عذلا ثم ملّافاسترحنا منهما واستراحا
فقلت له: إن كان قد فعل فما قال إلّا خيرا، إنما ذكر أننا نهيناه عن خمر شربها أو امرأة عشقها، وقد أشاد باسمك في الشعر بأشدّ من هذا، قال: بماذا؟ قلت:
بقوله:
وصافية تعشي العيون رقيقةرهينة عام في الدنان وعام
أدرنا بها الكأس الرويّة موهنامن الليل حتى انجاب كلّ ظلام
فما ذرّ قرن الشمس حتى كأننامن العيّ نحكي أحمد بن هشام
قال: أو قد فعل العاضّ بظر أمّه؟ قلت: إي والله قد فعل.
ومن شعر إسحاق عند علوّ سنه:
سلام على سير القلاص مع الركبووصل الغواني والمدامة والشّرب
سلام امرىء لم تبق منه بقيةسوى نظر العينين أو شهوة القلب
لعمري لئن حلّئت عن منهل الصبالقد كنت ورّادا لمشرعه العذب
ليالي أغدو بين برديّ لاهياأميس كغصن البانة الناعم الرطب
وحدث أبو بكر الصولي عن إبراهيم الشاهيني قال: كان إسحاق يسأل الله أن
لا يبتليه بالقولنج لما رأى من صعوبته على أبيه، فأري في منامه كأنّ قائلا يقول له: قد أجيبت دعوتك، ولست تموت بالقولنج، ولكن تموت بضدّه، فأصابه ذرب فمات منه في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومائتين في خلافة المتوكل على الله، فبلغ المتوكل نعيه فغمّه وحزن عليه وقال: ذهب صدر عظيم من جمال الملك وبهائه وزينته، ثم نعي إليه بعده أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي الخارج عليه فقال: تكافأت الحالان، ثم قال: قام الفتح بوفاة أحمد وما كنت آمن وثبته عليّ مقام الفجيعة باسحاق، والحمد لله على ذلك. ورثاه أودّاؤه وأصدقاؤه بأشعار كثيرة منها قول إدريس ابن أبي حفصة:
سقى الله يا ابن الموصليّ بوابلمن الغيث قبرا أنت فيه مقيم
ذهبت فأوحشت الكرام فما ينيبعبرته يبكي عليك كريم
إلى الله أشكو فقد إسحاق إننيوإن كنت شيخا بالعراق يتيم
وقال مصعب بن [عبد الله] الزبيري يرثي إسحاق:
أتدري لمن تبكي العيون الذوارفوينهلّ منها مسبل ثم واكف
لفقد امرىء لم يبق في الناس مثلهمفيد لعلم أو صديق يلاطف
تجهّز إسحاق إلى الله رائحافلله ما ضمّت عليه اللفائف
وما حمل النعش المولّي عشيّةمن الناس إلّا دامع العين لاهف
فلقّيت في يمنى يديك صحيفةإذا نشرت يوم الحساب الصحائف
تسرّك يوم البعث عند قراتهاويفترّ ضحكا كلّ من هو واقف
وحدث الصولي قال: كان لإسحاق من الولد حميد وحماد وأحمد وحامد وإبراهيم وفضل، ولم يكن في ولد إبراهيم من يغني إلا إسحاق وطياب أخوه. ومات إسحاق وله من التصانيف التي تولّى هو بنفسه تصنيفها كتاب أغانيه التي غنى فيها.
كتاب أخبار عزة الميلاء. كتاب أغاني معبد. كتاب أخبار حماد عجرد. كتاب أخبار حنين الحيري. كتاب أخبار ذي الرمّة. كتاب أخبار طويس. كتاب أخبار المغنين المكيين. كتاب أخبار سعيد بن مسجح. كتاب أخبار الدلّال. كتاب أخبار محمد بن عائشة. كتاب أخبار الأبجر. كتاب أخبار ابن صاحب الوضوء. كتاب الاختيار من الأغاني للواثق. كتاب اللحظ والاشارات. كتاب الشراب، يروي فيه عن العباس بن معن وابن الجصاص وحماد بن ميسرة. كتاب جواهر الكلام. وكتاب الرقص والزفن.
كتاب النغم والايقاع. كتاب أخبار الهذليين. كتاب الرسالة إلى علي بن هشام.
كتاب قيان الحجاز. كتاب القيان. كتاب النوادر المتخيرة. كتاب الأخبار والنوادر.
كتاب أخبار حسّان. كتاب أخبار الأحوص. كتاب أخبار جميل. كتاب أخبار كثّير.
كتاب أخبار نصيب. كتاب أخبار عقيل بن علفة. كتاب أخبار ابن هرمة.
وأما كتاب الأغاني الكبير فقال محمد بن إسحاق النديم: قرأت بخطّ أبي الحسن علي بن محمد بن عبيد بن الزبير الكوفي الأسدي، حدثني فضل بن محمد اليزيدي قال: كنت عند إسحاق بن إبراهيم الموصلي فجاءه رجل فقال له: يا أبا محمد أعطني كتاب الأغاني، فقال: أيّما كتاب؟ الكتاب الذي صنفته أو الكتاب الذي صنّف لي؟ يعني بالذي صنّفه كتاب أخبار المغنين واحدا واحدا، والكتاب الذي صنّف له كتاب الأغاني الكبير الذي بأيدي الناس.
قال محمد بن إسحاق: وحدثني أبو الفرج الأصبهاني قال: أخبرني أبو بكر محمد بن خلف وكيع قال، سمعت حماد بن إسحاق يقول: ما ألّف أبي هذا الكتاب قطّ، يعني كتاب الأغاني الكبير، ولا رآه، والدليل على ذلك أن أكثر أشعاره المنسوبة إنما جمعت لما ذكر معها من الأخبار، وما غنّي فيها إلى وقتنا هذا، وإن أكثر نسبة
المغنين خطأ. والذي ألفه أبي من دواوين غنائهم يدلّ على بطلان هذا الكتاب، وإنما وضعه وراق كان لأبي بعد وفاته، سوى الرخصة التي هي أول الكتاب فإن أبي ألفها، إلا أن أخباره كلها من روايتنا. وقال لي أبو الفرج: هذا سمعته من أبي بكر وكيع [حكاية فحفظته] واللفظ يزيد وينقص.
قال: وأخبرني جحظة أنه يعرف الورّاق الذي وضعه، وكان يسمى سندي بن علي، وحانوته في طاق الزبل، وكان يورّق لاسحاق، فاتفق هو وشريك له على وضعه. وهذا الكتاب يعرف في القديم بكتاب السراة، وهو أحد عشر جزءا، ولكل جزء أول يعرف به، فالجزء الأول من الكتاب «الرخصة» هو من تأليف إسحاق لا شك فيه ولا خلف.
قرأت في كتاب ألّف في أخبار أبي زيد البلخي أن أبا زيد قال، وذكر كتاب الأغاني لإسحاق، فقال: ما رأيت أعجب من الموصلي، جمع علم العرب والعجم في كتاب ثم أفسده بالاسم. قال: وكان إسحاق أديبا فاضلا متقدما في كلّ شيء، بلغني أنه دخل على إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يعزّيه بعبد الله بن طاهر فقال:
لم تصب أيها الأمير بعبدالله لكن به أصيب الأنام
فسيكفيكم البكاء عليهأعين المسلمين والإسلام
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع