تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن محمد

بن يوسف بن بحر بن بهرام بن المرزبان بن ماهان بن باذام بن ساسان بن الحرون بن بلاس بن جاماسب بن

فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد ملك فارس، أبو القاسم المعروف بالوزير المغربي (وليس بمغربي الدار): ولد فجر يوم الأحد ثالث عشر ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة، وحفظ القرآن وعدة من الكتب المجردة في النحو واللغة، وخمسة عشر ألف بيت من الشعر، وأتقن الحساب والجبر والمقابلة، وله في حساب المواليد اليد العظمى، هذا كلّه ولم يكمل له من العمر أربعة عشر ربيعا. وكان حسن الخطّ سريع البديهة في النظم والنثر.

وكان جده علي بن محمد يتولى ديوان المغرب فنسب إليه، ويشهد بفضله أبو العلاء المعري، وحسبك وقد نفذ إليه قصيدة فقال: والله لولا أن يقال غاليت، لكتبت تحت كل بيت، فليعبدوا ربّ هذا البيت.

مات في ثالث عشر رمضان سنة ثماني عشرة وأربعمائة.

ولما قتل الحاكم أباه وعمه وأخويه هرب من مصر فلما بلغ الرملة استجار بصاحبها حسّان بن المفرج بن دغفل بن الجراح الطائي ومدحه فأجاره وسكّن جأشه وأزال وحشته، فأقام عنده مدة أفسد في خلالها نيته على الحاكم صاحب مصر، ثم رحل عنها متوجها إلى الحجاز مجتازا بالبلقاء من أعمال دمشق، فلما وصل إلى مكة أطمع صاحبها بالحاكم ومملكة الديار المصرية، وجدّ في ذلك حتى أقلق الحاكم وخاف على ملكه. واستدعى ابا الفتوح الحسين بن جعفر العلوي ويلقب بالراشد بالله بعد أن سهّل عنده سهولة الأمر، فأصغى إلى ذلك وبايعه شيوخ العلويين. وحسّن إليه أبو القاسم أخذ قبلة البيت وما فيه من فضة وضربه دراهم. واتفق أن توفي رجل من الفرس يدعى بالمطوعي وعنده أموال الهند والصين، وخلّف مالا عظيما، وأوصى

لأبي الفتوح بمائة ألف دينار ليصون بها تركته والودائع التي عنده. فحمله أبو القاسم على أخذ الجميع؛ وخطب [أبو الفتوح] لنفسه بمكة، وسار حتى لحق بآل الجراح. ولما قرب من الرملة تلقّاه المفرج وسائر العرب، وقبّلوا الأرض بين يديه، وسلّموا عليه بامرة المؤمنين، ولقيهم راكبا فرسا متقلدا سيفا زعم أنه ذو الفقار، وفي يده قضيب، زعم أنه قضيب النبي ﷺ، وحوله جماعة من بني عمه، وألف عبد أسود، وخطب له بالرملة وما لاصقها. ثم بلغ الخبر الحاكم فأرسل الأموال إلى آل الجراح، واستفسدهم بما بذل لهم، وبلغ ذلك أبا الفتوح، فدخل إلى المفرج وسأله إعانته على العود إلى مكة، فأنفذ معه من حمله إلى وادي القرى، فتلقّاه أصحابه، ومضوا به. وقيل: إنه ندم بعد ذلك، فتركه المغربي وقصد العراق على طريق السماوة حتى وصل الأنبار، وقصد فخر الملك أبا غالب محمد بن خلف، وهو يومئذ يتولى العراق من قبل بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة، فاتهمه القادر بالله أنه ورد في إفساد الدولة، فراسل فخر الملك حتى أخرجه من واسط، وكان قد أقام عنده مكرما. فلما توفي فخر الملك مقتولا عاد الوزير المغربيّ إلى بغداد، ثم شخص إلى الموصل، فاتفق وفاة أبي الحسن ابن هانىء كاتب قرواش أمير بني عقيل فتولّى الكتابة مكانه ووزر لقرواش. وسمت نفسه إلى وزارة بغداد فلم يزل يراسل فيها حتى تمّت له، فوزر لشرف الدولة أبي علي بن بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة فناخسرو بن بويه سنة أربع عشرة ومائة بغير خلع ولا لقب، وبقي في الوزارة عشرة أشهر وخمسة أيام. فشغب الأمراء عليه، وطالبوه بأقساطهم، فاستشعر منهم وهرب ليلا حتى لحق بعريب بن مقن العقيلي. ومضى من فوره إلى ميّافارقين، واتصل بنصير الدولة أبي نصر ابن مروان صاحب ديار بكر، فوزر له، ومات بميافارقين وهو وزيره.

وكتب إلى أصحاب الأطراف ما بينه وبين الكوفة قبل موته بأن حظيّة له قد ماتت، وقد نقلها إلى الكوفة، وأوصى أصحابه إذا مات أن يحملوه إلى الكوفة فحمل، فكان إذا وصل التابوت إلى أحد الأمراء يعطونه الكتاب فيكرم أصحاب الجنازة، ويسيرها وهو يظنها حظيته حتى وصل إلى الكوفة، فدفن بها في تربة مجاورة لمشهد علي ﵁ وإنما فعل ذلك خوفا أن يمنع من الإجازة لسوء فعله، وحقد الأمراء عليه. وتمّ تدبيره عليهم، وبلغ مراده بعد مماته، وأوصى أن يكتب

على قبره:

كنت في سفرة الغواية والجهل مقيما فحان مني قدوم
تبت من كلّ مأثم فعسى يمحى بهذا الحديث ذاك القديم
بعد خمس وأربعين لقد ماطلت إلا أن الغريم كريم
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

وكان خبيث الباطن، شديد الحسد على الفضائل وإن أظهر الميل إليها. وكان إذا دخل إليه الفقيه سأله عن النحو، وإذا دخل إليه النحوي سأله عن الفرائض، وإذا دخل إليه الشاعر سأله عن القرآن عبثا قصدا لتأنيب المسؤول، حتى قال فيه بعض الشعراء:

ويلي وعولي وويهلدولة ابن بويه
سياسة الملك ليستما جاء عن سيبويه

وللوزير أبي القاسم رواية عن الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات المعروف بابن حنزابة، حكى عنه بسنده إلى المدائني أنه قال: كان رجل بالمدينة من بني سليم يقال له جعدة كان يتحدّث إليه النساء بظهر المدينة، فيأخذ المرأة فيعلقها إلى الحيطان ويثبت العقال، فإذا أرادت ان تثب سقطت وتكشفت، فبلغ ذلك قوما في بعض المغازي فكتب رجل منهم إلى عمر ﵁ بهذه الأبيات:

ألا أبلغ أبا حفص رسولافدا لك من أخي ثقة إزاري
قلائصنا هداك الله إناشغلنا عنكم زمن الحصار
لمن قلص تركن معقّلاتقفا سلع بمختلف النجار
يعقّلهنّ جعدة من سليموبئس معقّل الذّود الطوار
يعقلهن أبيض شيظميّمعيدا يبتغي سقط العذار

فلما قرأ عمر الأبيات قال عليّ بجعدة من سليم، فأتوه به، فكان سعيد يقول:

إني لفي الأغيلمة إذ جرّوا جعدة إلى عمر، فلما رآه قال: أشهد أنك شيظميّ كما وصفت، فضربه مائة ونفاه إلى عمان.

ومن شعر الوزير المغربي:

خف الله واستدفع سطاه وسخطهوسائله فيما تسأل الله تعطه
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
فما تقبض الأيام من نيل حاجةبنان فتى أبدى إلى الله بسطه
وكن بالذي قد خطّ باللوح راضيافلا مهرب مما قضاه وخطّه
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
وإنّ مع الرزق اشتراط التماسهوقد يتعدّى إن تعدّيت شرطه
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
ولو شاء ألقى في فم الطير قوتهولكنّه أوحى إلى الطير لقطه
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
إذا ما احتملت العبء فانظر قبيل أنتنوء به أن لا تروم محطّه
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
وأفضل أخلاق الفتى العلم والحجىإذا ما صروف الدهر أخلقن مرطه
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
فما رفع الدهر امرءا عن محلّهبغير التقى والعلم إلا وحطه
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

وقال:

حلقوا شعره ليكسوه قبحاغيرة منهم عليه وشحّا
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
كان صبحا عليه ليل بهيمفمحوا ليله وأبقوه صبحا
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

وقال:

لي كلما ابتسم النهار تعلةبمحدث ما شان قلبي شانه
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
فإذا الدجى وافى وأقبل جنحهفهناك يدري الهمّ أين مكانه
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

وقال:

إذا ما الأمور اضطربن اعتلىسفيه تضام العلا باعتلائه
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
كذا الماء ان حركته يدطغا عكر راسب في إنائه
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

وقال:

أرى الناس في الدنيا كراع تنكرتمراعيه حتى ليس فيهنّ مرتع
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «نحب لذاذات ونخشى غوائلا»
فماء بلا مرعى ومرعى بغير ماوحيث ترى ماء ومرعى فمسبع
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

وقال:

سأعرض كلّ منزلةتعرّض دونها الطب
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
فإن أسلم رجعت وقدظفرت وأنجح الطلب
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
وإن أعطب فلا عجبلكلّ منية سبب
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

وقال:

لو كنت أعرف فوق الشكر منزلةأعلى من الشكر عند الله في الثمن
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
إذا منحتكها مني مهذبةحذوا على حذو ما واليت من حسن

وقال:

أقول لها والعيس تحدج للسرىاعدي لفقدي ما استطعت من الصبر
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
سأنفق ريعان الشبيبة آنفاعلى طلب العلياء أو طلب الاجر
للشاعر التهامي، من قصيدة «هي البدر لكن تستر مدى الدهر»
اليس من الخسران أنّ ليالياتمرّ بلا نفع وتحسب من عمري
للشاعر التهامي، من قصيدة «هي البدر لكن تستر مدى الدهر»

وقال:

الدهر سهل وصعبوالعيش مرّ وعذب
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
فاكسب بمالك حمدافليس كالحمد كسب
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
وما يدوم سرورفاختم وطينك رطب
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

وقال:

من بعد ملكي رمتم أن تغدرواما بعد فرقة ما ملكت تخيّر
ردّوا الفؤاد كما عهدتم للحشاولطرفي الساهي الكرى ثم اهجروا
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

وقال:

لا تشاور من ليس يصفيك ودّاإنه غير سالك بك قصدا
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
واستشر في الأمور كلّ لبيبليس يألوك في النصيحة جهدا
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

وقال:

تأمل من أهواه صفرة خاتميفقال بلطف لم تجنبت أحمره
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
فقلت لعمري كان أحمر لونهولكن سقامي حلّ فيه فغيره
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

وقال:

إني أبثّك من حديثي والحديث له شجون
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
فارقت موضع مرقديليلا ففارقني السكون
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
قل لي فأول ليلةفي القبر كيف ترى أكون
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

وحدث أنه كان للوزير المغربي مملوك، وكان شديد المحبة له، وكان روميّا، وكان أحد أولاد بطارقة الروم، فبلغ خبره أباه، فسأل ذلك البطريق ملك الروم أن يرسل من يستخلص ولده، ففعل وأنفذ رسولا إلى ابن مروان صاحب ديار بكر، فلما وصل الرسول استدعاه الوزير المغربي وسقاه الخمر عنده تكرمة له. فلما عملت

الخمر في الوزير، قال ذلك الرسول: أريد من إنعام الوزير يبيعني هذا الغلام.

فقال: هو لك. فأخذه من ساعته، ونفذه على خيل قد أعدّت في كل فرسخ فرس.

فلما أصبح الوزير استدعى الغلام، فقيل له: إنك قد وهبته من رسول ملك الروم.

فاستدعاه من ساعته، وطلب منه الغلام، فقال: أيها الوزير، قد قارب بلاد أبيه، بلى مهما أردت من الثمن أعطيتك. فقال الوزير: ما كنت لأذهب نخوتي ومروءتي، قد وهبته منك خالصا، ثم قال:

يا من غدا جبل الرّيّان يحجبهليس التصبّر عن قلبي بمحجوب
أفلتّ قلبي من صدري وأطلبهمن بعد ما صار في الشمّ الشناخيب
فاصمت ولا ترث لي مما أكابدهيدي لعمرك كانت أصل تعذيبي
علّمتني الحزم لكن بعد مؤلمةإن المصائب أثمان التجاريب

وكان في بعض الأحايين قد اعتزل خدمة السلطان، فقيل له: تركت المناصب في عنفوان شبابك. فقال:

كنت في سفرةالبطالة والجهل

الأبيات وقيل: إنه زار بعض الصالحين المنقطعين، فقال: لو صحبتنا لنستفيد منك فقال: يردّني عن هذا بيت شعر:

إذا شئت أن تحيا غنيا فلا تكنبمنزلة إلا رضيت بدونها

فأنا أكتفي بعيشي هذا. فقال: يا شيخ، هذا بيت مال، ليس هو بيت شعر.

قال أبو الحسن علي بن منصور الحلبي المعروف بدوخلة، قال لي الوزير المغربي ليلة: أريد أن أجمع أوصاف الشمعة السبعة في بيت واحد، وليس يسنح لي ما أرضاه، فقلت: أنا أفعل هذه الساعة. فقال: أنت جذيلها المحكّك وعذيقها

المرجّب، فأخذت القلم من دواته، وكتبت بحضرته:

لقد أشبهتني شمعة في صبابتيوفي هول ما ألقى وما أتوقّع
للشاعر ابن القارح، اقرأ القصيدة
نحول وحرق في فناء ووحدةوتسهيد عين واصفرار وأدمع
للشاعر ابن القارح، اقرأ القصيدة

فقال: كنت عملت هذا قبل هذا الوقت، فقلت تمنعني سرعة الخاطر، وتعطيني علم الغيب؟ ومن شعره في بلوغ الغاية من السلوّ:

حبيب ملكت الصبر بعد فراقهعلى أنني علّقته وألفته
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
محا حسن يأسي شخصه من تفكريفلو أنني لاقيته ما عرفته
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

وله:

قطعت الأرض في شهري ربيعإلى مصر وعدت إلى العراق
للشاعر القاضي عبد الوهاب المالكي، اقرأ القصيدة
فقال لي الحبيب وقد رآنيسبوقا للمضمّرة العتاق
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
ركبت على البراق فقلت كلاولكني ركبت على اشتياقي
للشاعر القاضي عبد الوهاب المالكي، اقرأ القصيدة

وله:

يا صاحبيّ إذا أعياكما سقميفلقّياني نسيم الريح من حلب
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
من الديار التي كان الصبا وطريفيها وكان الهوى العذريّ من أربي
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

حدث العطيري الشاعر قال: دخلت يوما على الوزير المغربي بالموصل، وهو جالس على ضفة نهر يخرق عرصة داره، وبين يديه جارية كأنها فلقة قمر تسقيه وتنادمه، وهو يقول:

نديمتي جارية ساقيهونزهتي ساقية جاريه
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

فحكيت هذه الحكاية لأبي العلاء المعري، وأنشدته البيت فقال: هذا هو الطبع

لا ما ينعقه ذلك الرجل الذي يقول:

أبى ريقه/ أباريقه أوكارها/ أوكارها يعني البستي. وقيل: إنه كان يقول دائما: ما سررت قط بشعر مدحت به مع كثرة ما قيل كما سررت بقول النامي:

وإذا علي بن الحسين لقيتهفالق العظيم القدر بالإعظام
تلق امرءا سلطانه في عقلهوجنوده في ألسن الأقلام

قال المؤلف: هكذا وجدت هذه الحكاية. والمغربي اسمه الحسين بن علي، وفي الشعر بالعكس، فلعل الممدوح أبوه.

ومن شعر الوزير أبي القاسم المغربي:

غزال حبّه للصبر غربولكن وجهه للحسن شرق
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
رددت وقد تبسّم عنه طرفيوقلت له ترى لي منك رزق
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
فأرجو الوصل لا أني جديرولا قدري لقدرك فيه وفق
ولكن لست أول من تمنّىمن الدنيا الذي لا يستحق
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

حدّث الصاحب الوزير جمال الدين الأكرم، وناهيك به معرفة لأخبار الأيام، خصوصا ما يتعلق بحوادث مصر قال: لما قدم أبو الحسن علي بن الحسين، وولده أبو القاسم إلى مصر وبها الحاكم، تلقاهما وأنزلهما وأكرمهما، وعرف لهما حقّ الكفاية والبيت والأدب، وعيّن لأبي الحسن علي بن الحسين خدمة، واتفق أن دخل أبو القاسم يوما إلى الحاكم، وكان أبو القاسم ذا هيئة ورواء وجسم وشارة، فأعجب الحاكم ما رآه من فخامة منظره، فخاطبه فوجده لسنا حسن المحاورة، أديب الألفاظ، فخفّ على قلبه ونفق عليه، وأمره بملازمة مجلسه، فتكلم أبو القاسم يوما بشيء استحسنه الحاكم، فقال له: يا أبا القاسم، احتكم فيما شئت حتى أبلغكه. فقال:

نعم يا مولانا، أحبّ أن تهب لي نفسي، ولا تقتلني، فتبسم الحاكم، وقال: ما موجب هذا الاقتراح؟ فقال: يعلم مولانا أن العصمة تفرّد بها الأنبياء، وأنا بشر

أخطىء وأصيب فأخاف بادرة خطأ يكون فيها حتفي، وقد رأيت ذلك في جماعة من أولياء مولانا، والسعيد من وعظ بغيره. فقال: لك ذلك. فقال أبو القاسم: أحبّ أن يكتب لي مولانا خطّه بذلك، ويعطيني توثقة من نفسه به، فقد أوجب هذا الانبساط وسوء الأدب في الخطاب تحكيم مولانا إياي. فوجد من الحاكم وقفة في ذلك. فقال له: لا بأس، نحن عبيد، والمولى مالك. وأرجو أن لا آتي بما يكره مولانا، وأعيش في نعمته على رضاه وما يهواه. ولكن لي أخت لها من قلبي منزلة أخاف عليها من الريح إذا هبّت، إن رأى أمير المؤمنين أن يكتب لها أمانا على نفسها، ويوثقها على بقاء مهجتها وصيانتها فعل، فقال له: لك ذلك، على أن تعطيني موثقا أن لا تفارق حضرتي إلا بإذني. فقال له: لك ذلك. وكتب كلّ واحد منهما بذلك خطّه، وأيّده بيمين حلفها. وخرج أبو القاسم من مجلسه وتهيأ من وقته للاستتار، فأحضر عجوزا ممن يوثق بعقلها وديانتها، وأمرها أن تكتري دارا في بعض المحالّ النائية، وتتردّد إليها، وتبيت فيها تارة، وتنقطع أخرى، ولا تخالط أحدا من الجيران، ورتّب ذلك مدة سنتين أو ثلاث. فاتفق أنه استدعي يوما إلى القصر، فدخل والحاكم جالس في مستشرف الدار، ولم يره أبو القاسم، وكان في اجتيازه قد وطىء نواة تمرة، فلما صار بحيث الحاكم جعل ينفض نعله عدّة نوب، حتى سقطت النواة، ثم التفت فرأى الحاكم فقبّل الأرض بين يديه، فوجد التغير في وجهه، والإنكار باد في نطقه، وإن أظهر التجمّل والانبساط، فعلم أبو القاسم أن الحاكم قد ظن أن نفض نعله كان استهانة به واحتقارا له، وعلم أن الحاكم لا يقيل العثرة، ولما خرج من حضرته، مضى إلى الدار التي أعدتها تلك المرأة، واستتر فيها، وطلبه الحاكم فلم يوجد [واستخبر عنه] من أبيه، فأنكر أن يكون عرف له خبرا، أو وقف منه على أثر، فاعتقل أباه وجميع أهله، وأوقع بهم القتل، وجاء بأخته المذكورة، فعلقها وطلب منها أخاها، وضربها ضربا وجيعا ونادى في البلد بالتماسه، فلم يوقف له على خبر، فأخرج أباه وأخاه وجماعة من أهله إلى المقطم، جبل مطلّ على القاهرة، وضرب أعناقهم صبرا، ثم خرج بنفسه حتى وقف عليهم، وأمر برفعهم وغسلهم وتكفينهم ودفنهم، ورجع إلى داره بالقصر، وجلس للعزاء بهم، وحضرهم الناس، وعليهم ثياب الحزن، وهذا من أعجب تلوّن هذا الرجل- يعني الحاكم- فإنه كان متناقض

الأحوال، متباين الأقوال والأفعال.

واتفق أن حضر بمصر جماعة من شرفاء الحجاز على عادة لهم كانت بالحضور بمصر للاستجداء وطلب الصلة، فوصلهم الحاكم بما جرت عادتهم، وخرجوا إلى ظاهر القاهرة مبرزين قصدا للعود إلى بلادهم، وبلغ ذلك أبا القاسم فسيّر من اشترى له مهريا مثل جمالهم، ولبس لبسهم، وخرج حتى اختلط بهم وهو متلثم. وخرج الحاكم لوداعهم، فتقدموا إليه وخدموه واستأذنوه في الرحيل، فقال لهم: امضوا على بركة الله. وكان في من تقدم إليه أبو القاسم، فلما رأى مشيته قال لواحد من جانبه:

ما أشبه مشية هذا الشريف بمشية ابن المغربي. ورحلوا ورحل معهم.

قال الصاحب: فبلغني أن ابن المغربي فارق الجماعة، وجلس في جبل المقطم بموضع يقال له: الجبل الأحمر حتى ركب الحاكم على عادة كانت له منفردا مع غلامين له إلى ذلك الجبل، فلقيه أبو القاسم في جماعة ممن كان يثق إليهم، وقد خرجوا إليه معدين، فلما رآهم الحاكم خاف واستشعر وعرف أبا القاسم المغربي.

فقال له: يا أبا القاسم: غدرت بك. فقال: لا بأس عليك. وإنما أحببت أن لا أفارقك حتى أواقعك على غدرك، أما أعطيتني موثقا من الله أن لا تسيء إلى تلك الحرمة المسكينة؟ فقال: حملني الغضب عليك لكونك فارقتني بغير إذن، وقد حلفت ألا تفعل إلا بأمري وإرادتي. فقال له: أما أنا فما فارقتك حتى استأذنتك.

فقال له: ومتى استأذنتني؟ قال: في يوم كذا لما أذنت للشرفاء فإني تقدمت حتى سمعت خطابك، وأنت تقول: امضوا مصاحبين على بركة الله، فدخلت في العموم. فقال له الحاكم: إذا كنت قد خرجت من هذه بحجة فلك عليّ عهد الله أن أطلق أختك وألحقها بك فتركه المغربي، وتوجه إلى العراق، ورجع الحاكم إلى القاهرة وجهز خلفه من يردّه، فلم يظفر به حتى لحق ببني الجراح وأغراهم بخلع الحاكم، وقتل المتولي لبلاد الشام منجوتكين. وبلغ الحاكم خبره وما أزمع عليه من قلب دولته، ومضيه إلى أبي الفتوح، فكتب الحاكم إلى أبي القاسم أمانا بخطه، وأتبعه بيمينه، وأيده بتوثقة، وبذل له فيه البذول، ووعده بوزارته ومؤازرته، وبسط القول في ذلك غاية جهده وطاقته، فكان جواب الوزير أبي القاسم أن أخذ رقعة، وكتب فيها:

أأنشب كفي في الرّحى ثمّ أرتجيخلاصا لها إني إذن لرقيع

قال: فأيس منه الحاكم حينئذ. فمما أنشده في حال خروجه من مصر:

ونفسك فز بها إن خفت ضيماوخلّ الدار تندب من بكاها
فإنك واجد أرضا بأرضولست بواجد نفسا سواها

وله:

الله يعلم ما إثم أردت بهإلا ونغّصه خوفي من النار
وإنّ نفسي ما همّت بمعصيةإلا وقلبي عليها عاتب زار

-

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.