تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

الحسين بن عبد الله بن سينا أبو علي الفيلسوف

مات في سادس شعبان

سنة ثمان وعشرين وأربعمائة عن ثمان وخمسين سنة. حدث بخبره صاحبه أبو عبيد الجوزجاني عنه قال: كان أبي رجلا من أهل بلخ فانتقل إلى بخارى، وتولّى عملا في أيام نوح بن منصور الساماني بقرية يقال لها خرميثن، وتزوج أبي من قرية تلاصقها يقال لها أفشنة، وبها ولدت. ثم انتقلنا إلى بخارى، وأحضرت معلم القرآن والأدب، فأكملت العشر وقد حفظت القرآن. وقدم علينا أبو عبد الله الناتلي، وكان يدّعي معرفة علم الفلسفة، وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه، فقرأت عليه كتاب «إيساغوجي». فكان إذا مرّت مسألة تصورتها خيرا منه حتى قرأت عليه ظواهر المنطق، ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي وأطالع الشروح حتى أحكمت علم المنطق وإقليدس، ثم انتقلت إلى المجسطي فقال لي الناتلي: تولّ حلّه بنفسك، ثم اعرضه عليّ لأبين لك صوابه من خطئه، فحللت الكتاب وعرضته عليه فكم من مشكل ما عرفه إلا وقت عرضي عليه، ثم رغبت في علم الطبّ، وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه، وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة، فلا جرم أنني برزت فيه في أقلّ مدة حتى بدأ فضلاء الطبّ يقرأون عليّ، وتعهدت المرضى فانفتح لي من المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف. هذا وأنا أختلف إلى الفقه وأناظر فيه وأحكمه. وكنت حينئذ من أبناء ست عشرة سنة، وما نمت في هذه المدة ليلة بطولها. وكان إذا أشكل عليّ شيء بتّ وأنا مهموم فأراه في المنام فيتضح لي في الأحلام حتى أحكمت علم المنطق والطبيعي والرياضي. ثم عدت إلى العلم الإلهي، وقرأت منه كتاب «ما بعد الطبيعة» فما كنت أفهمه، وألتبس عليّ غرض واضعه حتى أعدت قراءته أربعين مرة، فصار لي محفوظا وأنا لا أفهمه، ويئست منه وقلت: هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه ألبتة.

فحضرت يوما في الوراقين والمنادي ينادي على كتاب في الحكمة، وعرضه عليّ فأعرضت عنه، فقال لي: اشتره فصاحبه محتاج فاشتريته بثلاثة دراهم، وإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب «ما بعد الطبيعة» فطالعته ففهمت الكتاب وتصدقت على الفقراء بشيء كثير، شكرا لله تعالى على ذلك. وكان إذا استغلق عليّ شيء من العلوم، قصدت الجامع، وصلّيت وتضرعت إلى مبدع الكلّ حتى يسهّله

عليّ. وكان سلطان بخارى نوح بن منصور قد مرض في تلك الأيام مرضا عجز عنه أطباؤه، وكان اسمي قد اشتهر بينهم فحضرني وشكرني في مداواته وصلح. فسألته يوما الإذن لي في دخول دار كتبهم ومطالعتها فأذن لي فدخلت دارا عظيمة فيها كتب كثيرة تفوت العدّ والحصر، وطالعت كتب الحكمة التي بها ووقع لي بها ما لم أكن رأيت قبلها ولا بعدها، وظفرت بفوائدها. فلما بلغت ثماني عشرة سنة أتقنت هذه العلوم كلّها. وكان في جيراننا رجل يقال له أبو الحسن العروضي يسألني أن أصنّف له كتابا جامعا في هذه العلوم، فصنفت له المجموع، وسميته به، وأتيت فيه على جميع العلوم، ولي حينئذ إحدى وعشرون سنة، وصنّفت كتاب «الحاصل والمحصول» في قريب من عشرين مجلدة. وصنفت في الأخلاق كتابا سمّيته كتاب «البر والإثم» وهذان الكتابان قلّ أن يوجدا. ثم مات والدي وتصرفت في أعمال السلطان، ودعتني الضرورة إلى الانتقال عن بخارى إلى كركانج، وأبو الحسن السهلي المحبّ لهذه العلوم بها وزير، ثم انتقلت إلى نسا وقصدت الأمير قابوس بن وشمكير صاحب جرجان فاتفق أني وصلتها وقد مات، فرجعت إلى دهستان، ثم عدت إلى جرجان، وأنشأت في حالي قصيدة شعر منها:

لما عظمت فليس مصر واسعيلما غلا ثمني عدمت المشتري
للشاعر ابن سينا، من قصيدة «لما عظمت فليس مصر واسعي»

ولأبي علي أشعار منها:

تنفس عن عذارك صبح شيبوعسعس ليله فلم التصابي
شبابك كان شيطانا رجيمافيرجم من مشيبك بالشهاب

وكان بجرجان رجل يقال له أبو محمد الشيرازي أنزل الرئيس في دار له في جواره، فصنّف له كتاب «المبدأ والمعاد» وكتاب «الأرصاد». وصنف كتبا كثيرة كأول «القانون» و «مختصر المجسطي» وكثيرا من الرسائل. ثم صنف في أرض الجبل بقية كتبه، ثم انتقل إلى الري، واتصل بخدمة السيدة وابنها مجد الدولة،

وكانت السوداء تغلب على مجد الدولة فاشتغل بمداواته. وصنف هناك كتاب «المعاد». ثم اتفقت أسباب أوجبت خروجه إلى همذان واتصل بخدمة كذيانويه والنظر في أسبابها. وأصاب شمس الدولة أبا طاهر ابن مجد الدولة أبي الحسن بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه قولنج كان سببا لاتصال الرئيس به فعالجه حتى شفاه الله تعالى ففاز من مجلسه بخلع ودنانير، وصار من ندمائه. واتفق نهوض الأمير بويه إلى قرمسين لحرب عناز والشيخ صحبته، ثم توجّه إلى همذان منهزما والشيخ صحبته، وسألوه تقليد الوزارة فتقلدها، ثم اتفق شغب العسكر عليه، وكبسوا داره، وأغاروا على أمواله، وساموا الأمير قتله، فامتنع عنه، وعدل إلى نفيه عن حضرته طلبا لمرضاتهم، فتوارى في دار لبعض أصحابه أربعين يوما، فعاود الأمير شمس الدولة علة القولنج، وطلبه فحضر مجلسه، واعتذر إليه، ثم عالجه حتى صلح، وأعيدت الوزارة إليه ثانيا. وكان مع ذلك يجتمع إليه في كل ليلة طلاب العلم فيقرأون، فإذا فرغوا حضر المغنون وهيء المجلس للشراب، ويشتغل به، ثم توجّه الأمير شمس الدولة إلى طارم لحربها، وعاوده القولنج، وانضاف إلى ذلك أمراض أخر جلبها سوء تدبيره، وقلة قبوله من الشيخ، ومات في الطريق، وولّوا ابنه أمير الأمراء أبا الحسن عليا، وهو طفل، وطلبوا إلى الرئيس أن يتولّى وزارته فأبى عليهم، وكاتب علاء الدولة أبا جعفر محمد بن أبي العباس المعروف بابن كاكويه سرّا يطلب خدمته، والانضمام إليه، وكان خال السيدة أم مجد الدولة، وابنه أبو جعفر من قبلها بأصبهان مستول عليها، ثم نمي إلى تاج الملك بهرام بن شيرزاد، وكان مستوليا على شمس الدولة وهو متقدم الختلية وصاحب جيشه والمستولي بعده على الأمر والقائم بأمر ولده، أنه قد كاتب علاء الدولة فجدّ في طلبه حتى أخذه وأودعه قلعة بردوان، فقال قصيدة فيها:

دخولي كاليقين كما تراهوكلّ الشكّ في أمر الخروج

وبقي هناك أربعة أشهر حتى قصد علاء الدولة همذان وأخذها، وهزم تاج الملك، ومضى إلى تلك القلعة بعينها، ورجع علاء الدولة عن همذان، وعاد تاج الملك وابن شمس الدولة إلى همذان، وحملوا معهم أبا علي فأقام هناك، وخرج متنكرا وأنا وأخوه وغلامان في زيّ الصوفية إلى أصبهان، واستقبلنا أصحاب علاء الدولة والوجوه، وحمل إلينا الثياب والمال، وأنزلنا أكرم منزل. وكان يحضر مجلس المناظرة بين يدي علاء الدولة، فما كان يطاق في شيء من العلوم. واختص بعلاء الدولة وصار من ندمائه. وكان الشيخ يوما بين يدي الأمير وأبو منصور الجبائي حاضر فجرى في اللغة مسألة تكلم الشيخ فيها بما حضره، فالتفت إليه الشيخ أبو منصور، وقال له: أنت فيلسوف وحكيم، وليس الكلام في هذا من صناعتك، فاستنكف الشيخ من هذا الكلام، وتوفر على درس كتب اللغة ثلاث سنين، واستدعى كتاب «تهذيب اللغة» من تصنيف أبي منصور الأزهري من خراسان، فبلغ الشيخ في اللغة طبقة قلّما يتفق مثلها، وصنّف ثلاثة كتب وكتبها: أحدها على طريقة ابن العميد، والثاني على طريقة الصاحب، والثالث على طريقة الصابي، وجلّدها وأخلق جلودها. وسأل الأمير عرض تلك المجلدات على أبي منصور الجبائي، وذكر أنه ظفر بتلك المجلدات في الصحراء وقت الصيد، فنظر فيها الجبائي، وأشكل عليه كثير مما فيها. فقال له الشيخ: إن الذي جهلته من هذا الكتاب مذكور في الكتاب الفلاني من كتب اللغة، وذكر له كتبا معروفة، ففطن الجبائي لما أريد، وأن الذي حمله على ذلك ما جبهه به فتنصل واعتذر إلى الشيخ، ثم صنّف الشيخ كتابا في اللغة سماه «لسان العرب» لم يصنف في اللغة مثله، ولم ينقله إلى البياض حتى توفي، فبقي على مسوّدته لا يهتدي أحد إلى موضعه.

وكان قد حصل له تجارب كثيرة فيما باشره من المعالجات عزم على تدوينها في كتاب «القانون» وكان قد علّقها على أجزاء، فضاعت قبل تمام الكتاب، منها أنه صدّع يوما فتصوّر أنه من مادة تريد النزول إلى حجاب رأسه، وأنه لا يأمن ورما يحصل فيه. فأمر بإحضار ثلج كثير ودقّه ولفّه في خرقة، وغطىّ رأسه بها، فعل ذلك حتى

قوي الموضع، وامتنع عن قبول تلك المادة، وعوفي من ذلك. ووضع في حال الرصد آلات ما سبق إليها.

وكان قويّ القوى كلها، وكانت قوة المجامعة من قواه الشهوانية أقوى وأغلب.

وكان كثيرا ما يشتغل به فأثر في مزاجه حتى صار في السنة التي حارب فيها علاء الدولة ابن فراس على باب الكرخ أخذ الشيخ قولنج، ولحرصه على برئه إشفاقا من هزيمة يدفع إليها لا يتأتى له المسير فيها مع المرض حقن نفسه في يوم واحد ثماني مرات حتى تفرّح بعض أمعائه، وظهر به سحج وأحوج إلى المسير مع علاء الدولة نحو إيذج فظهر به علة الصرع الذي يتبع علة القولنج، ومع ذلك كان يدير نفسه ويحقن نفسه لأجل السحج ولبقية القولنج، فأمر يوما باتخاذ دانقين [من] بزر الكرفس في جملة ما يحقن به، وخلطه بها لكسر ريح القولنج به، فقصد بعض الأطباء الذي كان يتقدم إليه يعالجه وطرح [من] بزر الكرفس خمسة دراهم إما عمدا أو خطأ، فازداد السحج بذلك [من] حدة التبرز. وكان يتناول مثرود طوس لأجل الصرع، فقام بعض غلمانه، وطرح شيئا كثيرا من الأفيون فيه وناوله فأكله، وكان سبب ذلك خيانتهم في مال كثير من خزانته، فتمنوا هلاكه ليأمنوا عاقبة أفعالهم.

ونقل الشيخ إلى أصفهان فاشتغل بتدبير نفسه، وكان من الضعف بحيث لا يقدر على القيام، فلم يزل يعالج نفسه حتى قدر على المشي، وحضر مجلس علاء الدولة، لكنه مع ذلك لا يتحفظ، ويكثر من التخليط في أمر المجامعة، ولم يبرأ من العلة كلّ البرء، فكان ينتكس ويبرأ كلّ وقت. فلما قصد علاء الدولة سار معه إلى همذان فعاودته تلك العلة، فلما استقر بهمذان وعلم أن قوته قد سقطت، وأنها لا تفي بدفع المرض فأهمل مداواة نفسه، فأخذ يقول: المدبّر الذي [كان] يدبّر [بدني] قد عجز عن التدبير، والآن فلا تنفع الحكمة والمعالجة. وبقي على هذا أياما، ثم انتقل إلى جوار ربه.

ومن شعره:

محرّك الكلّ أنت القصد والغرضوغاية ما لها حدّ ولا عوض
إن دار في خلدي مقدار خردلةسوى جلالك فاعلم أنه مرض

وله أيضا:

هبطت إليك من المحلّ الأرفعورقاء ذات تعزّز وتمنّع
للشاعر شاعر الحمراء، من قصيدة «من ذا الذي لا يستجيب إذا دعي»
محجوبة عن كلّ مقلة عارفوهي التي سفرت فلم تتبرقع
للشاعر ابن سينا، اقرأ القصيدة
وصلت على كره إليك وربماكرهت فراقك وهي ذات تفجع
للشاعر ابن سينا، اقرأ القصيدة
أنفت وما سكنت فلما واصلتألفت مجاورة الخراب البلقع
وأظنها نسيت عهودا بالحمىومنازلا بفراقها لم تقنع
للشاعر ابن سينا، اقرأ القصيدة
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطهامن ميم مركزها بذات الأجرع
للشاعر أبو العزم الحموي، من قصيدة «حارت مدارك كل حبر أروع»
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحتبين المعالم والطلول الخشع
للشاعر ابن سينا، اقرأ القصيدة
تبكي إذا ذكرت عهودا بالحمىبمدامع تهمي ولم تتقطع
للشاعر أبو العزم الحموي، من قصيدة «حارت مدارك كل حبر أروع»
وتظلّ ساجعة على الدمن التيدرست بتكرار الرياح الأربع
إذ عاقها الشرك الكثيف وصدّهاقفص عن الأوج الفسيح المربع
للشاعر ابن سينا، اقرأ القصيدة
حتى إذا قرب المسير من الحمىودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
للشاعر ابن سينا، اقرأ القصيدة
وغدت مفارقة لكلّ مخلفعنها حليف الترب غير مشيّع
للشاعر أبو العزم الحموي، من قصيدة «حارت مدارك كل حبر أروع»
سجعت وقد كشف الغطاء فأدركتما ليس يدرك بالعيون الهجّع
وغدت تغرّد فوق ذروة شاهقسام على قعر الحضيض الأوضع
للشاعر ابن سينا، اقرأ القصيدة
إن كان أرسلها الإله لحكمةطويت عن الفذ اللبيب الأروع
للشاعر ابن سينا، اقرأ القصيدة
فهبوطها إن كان ضربة لازبلتكون سامعة بما لم تسمع
للشاعر ابن سينا، اقرأ القصيدة
فتعود عالمة بكلّ حقيقةفي العالمين وخرقها لم يرقع
فهي التي قطع الزمان طريقهاحتى لقد غربت بغير المطلع
فكأنها برق تعرّض بالحمىثم انطوى فكأنّه لم يلمع

ومصنفاته: كتاب المجموع مجلدة. كتاب الحاصل والمحصول عشرون مجلدة. كتاب البر والإثم مجلدتان. كتاب الشفاء ثماني عشرة مجلدة. كتاب القانون في الطب ثماني عشرة مجلدة. كتاب الأرصاد الكلية مجلدة. كتاب الإنصاف عشرون مجلدة. كتاب النجاة ثلاث مجلدات. كتاب الهداية مجلدة.

كتاب الإشارات مجلدة. كتاب المختصر الأوسط مجلدة. كتاب العلائي مجلدة.

كتاب القولنج. كتاب لسان العرب في اللغة عشر مجلدات. كتاب الأدوية القلبية مجلدة. كتاب الموجز مجلدة. كتاب بعض الحكمة المشرقية مجلدة. كتاب بيان ذوات الجهة مجلدة. كتاب المعاد مجلدة. كتاب المبدأ والمعاد مجلدة.

ورسائله: رسالة القضاء والقدر. رسالة في الآلة الرصدية. رسالة عرض قاطيغورياس. رسالة المنطق بالشعر. قصائد في العظة والحكمة. رسالة في نعوت المواضيع الجدلية. رسالة في اختصار إقليدس. رسالة في مختصر النبض بالفارسية.

رسالة في الحدود. رسالة في الأجرام السماوية. كتاب الإشارة في علم المنطق.

كتاب أقسام الحكمة. كتاب النهاية. كتاب عهد كتبه لنفسه. كتاب حي بن يقظان. كتاب في أن أبعاد الجسم ذاتية له: كتاب خطب. كتاب عيون الحكمة.

كتاب في أنه لا يجوز أن يكون شيء واحد جوهريا وعرضيا. كتاب في أن علم زيد غير علم عمرو. رسائل إخوانية وسلطانية. مسائل جرت بينه وبين بعض العلماء.

-

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.