من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسين بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد
المعروف بابن الحجاج الكاتب الشاعر أبو عبد الله: شاعر مفلق، قالوا إنه في درجة امرىء القيس، لم يكن بينهما مثلهما، وإن كان جلّ شعره [مبنيّا على] مجون وسخف. وقد أجمع أهل الأدب على أنه مخترع طريقته في الخلاعة والمجون ولم يسبقه إليها أحد ولم يلحق شأوّه فيها لاحق، قدير على ما يريده من المعاني [التي هي] الغاية في المجون مع عذوبة الألفاظ وسلاستها. وله مع ذلك في الجدّ أشياء حسنة لكنها قليلة، ويدخل شعره في عشر مجلدات أكثره هزل مشوب بألفاظ المكدين والخلديين والشطّار ولكنه يسمعه أهل الأدب على علاته، ويتفكهون بثمراته، ويستمحلون بنات صدره المتهتكات، ولا يستثقلون حركاتهن لخفتها وان بلغت في الخفة غاية الغايات. وإني لأقول كما قال أبو منصور: لولا قول إبراهيم بن المهدي إن جدّ الأدب جدّ وهزله هزل، لصنت كتابي هذا عن مثل هذا المجون، وحديث كله ذو شجون. ولقد مدح الملوك والأمراء، والوزراء والرؤساء، فلم يخل شعره فيهم مع هيبة المقام من هزل وخلاعة. فلم يعدّوه مع ذلك من الشناعة. وكان عندهم مقبولا مسموعا غالي المهر والسعر، وكان يتحكم على الأكابر والرؤساء بخلاعته. ولا يحجب عن الأمراء والوزراء مع سخافته: يستقبلونه بالبشاشة والاكرام، ويقابلون إساءته بالاحسان والانعام. وناهيك برجل يصف نفسه بمثل قوله:
رجل يدّعي النبوّة في السّخف ومن ذا يشك في الأنبياء
جاء بالمعجزات يدعو إليهافأجيبوا يا معشر السخفاء
حدث السنّ لم يزل يتلهّىعلمه بالمشايخ الكبراء
خاطر يصفع الفرزدق في الشعونحو ينيك أمّ الكسائي
غير أني أصبحت أضيع في القوم من البدر في ليالي الشتاء
وقوله في وصف شعره:
بالله يا أحمد بن عمروتعرف للناس مثل شعري
شعر يفيض الكنيف منهمن جانبي خاطري وفكري
فلفظه منتن المعانيكأنه فلتة بجحر
لو جدّ شعري رأيت فيهكواكب الليل كيف تسري
وإنما هزله مجونيمشي به في المعاش أمري
وقال:
فإنّ شعري ظريفمن بابة الظرفاء
ألذّ معنى وأشهىمن استماع الغناء
وقال:
إن عاب ثعلب شعريأو عاب خفة روحي
خريت في باب أفعلت من كتاب الفصيح
وقال في الأمير عز الدولة بختيار:
فديت وجه الأمير من قمريجلو القذى نوره عن البصر
فديت من وجهه يشكّكنيفي أنّه من سلالة البشر
إن زليخا لو أبصرتك لماملّت إلى الحشر لذة النظر
ولم تقس يوسفا إليك كمانجم السّهى لا يقاس بالقمر
وكان يا سيدي قميصك إنهربت منها ينقدّ من دبر
بل وحياتي لو كنت يوسفهالم تك من تهمة العزيز بري
لأنني عالم بأنك لوشممت ريّا نسيمها العطر
سبقتها وانزبقت تتبعهاما بين تلك البيوت والحجر
وقد علمنا بأن سيدنا الأمير ممن يقول بالبظر
ولم تكن تلك تشتكي أبداما كان من يوسف من الحذر
طبعك كالماء في سهولتهلكن أبو الزبرقان من حجر
إن الملوك الشباب ما خلقواإلا صلاب الفياش والكمر
وقال يشكو سوء حاله وبعث بها إلى ابن العميد:
فداؤك نفس عبد أنت مولىله يرجوك يا خير الموالي
حديثي منذ عهدك بي طويلفهل لك في الأحاديث الطوال
فاني بين قوم ليس فيهمفتى ينهي إلى الملك اختلالي
فلحمي ليس تطبخه قدوريوحوتي ليس تقليه المقالي
ومائي قد خلت منه حبابيوخبزي قد خلت منه سلالي
وكيسي الفارغ المطروح خلفيبعيد العهد بالقطع الحلال
أفكّر في مقامي وهو صعبوأصعب منه عن وطني ارتحالي
فبي مرضان مختلفان حالي العليلة منهما تمسي بحال
إذا عالجت هذا جفّ كبديوان عالجت ذاك ربا طحالي
وقال في مثل ذلك أيضا:
يا سيد الناس عشت في نعمتأوي إليها موابذ العجم
بديهتي في الخصام حاضرةأشهر في الفيلقين من علم
والخطّ خطي كما تراه ولا الزهرة بين القرطاس والقلم
هذا وخبزي حاف بلا مرقفكيف لو ذقت لذة الدسم
ما لي وللحم إنّ شهوتهقد تركتني لحما على وضم
وما لحلقي والخبز يجرحهبالملح يشكو مرارة اللقم
وقال في مثل ذلك:
خليلي قد اتسعت محنتيعليّ وضاقت بها حيلتي
عذرت عذاري في شيبهوما لمت إذ شمطت لمتي
إلى كم يخاصمني دائمازماني المقبّح في عشرتي
تحيّفني ظالما غاشماوكدّر بعد الصفا عيشتي
وكنت تماسكت فيما مضىفقد خانني الدهر في مسكتي
إلى منزل لا يواري إذاتربعت فيه سوى سوأتي
مقيما أروح إلى حجرةكقبري وما حضرت ميتتي
إذا ما ألمّ صديقي بهعلى رغبة منه في زورتي
فرشت له فيه بسط الحديثمن باب بيتي إلى صفّتي
ومعدته في خلال الكلامتشكو خواها إلى معدتي
وقد فتّ في عضدي ما بهولكن به غلبت علتي
وأغدو غدوّا مليّا بأنيزيد به الله في شقوتي
فأيّة دار تيمّمتهاتيمّم بوابها حجبتي
وإن أنا زاحمت حتى أموتدخلت وقد زهقت مهجتي
فيرفعني الناس عند الوصولإليهم وقد سقطت عمتي
وإن نهضوا بعد للإنصرافأسرعت في إثرهم نهضتي
وإن قدّموا خيلهم للركوبخرجت فقدمت لي ركبتي
وفي جمل الناس غلمانهموليس سوائي في جملتي
ولا لي غلام فأدعو بهسوى من أبوه أخو عمّتي
وكنت مليحا أروق العيونقبلا فقد قبحت خلقتي
وقوّسني الهمّ حتى انطويتفصرت كأني أبو جدّتي
وكان المزيّن فيما مضىتكسّر أمشاطه طرتي
وكنت برأس كلون الغداففقد صرت أصلع من فيشتي
ويا ربّ بيضاء رود الشبابكانت تحنّ إلى وصلتي
فصارت تصدّ إذا أبصرتمشيبي وتغضب من صلعتي
على أنني قلت يوما لهاوقد أمضت العزم في هجرتي
دعي عنك ما فوقه عمّتيفإن جمالي ورا تكّتي
هنا لك شيء يسرّ العيونطويل عريض على دقّتي
وقال:
ويحكم يا كهول أو يا شيوخ الفسق أو يا معاشر الفتيان
اشربوها حمراء مما اقتناهاآل دير القابون للقربان
بكؤوس كأنها ورق النسرين فيها شقائق النعمان
اشربوها وكلّ إثم عليكمإن شربتم بالرطل في ميزان
في ليال لو أنها دفعتنيوسط ظهري وقعت في رمضان
وقال يستهدي أبا تغلب ابن حمدان فرسا:
اسمع المدح الذي لو قيل فيأحد غيرك قالوا سرقا
جاء يستهديك مهرا أدهمايركب الفارس منه غسقا
كالدجى تبصر من غرّتهفوق أطباق دجاه فلقا
جلّ ان يلحق مطلوبا ومنطلب الرّيح عليه لحقا
فتراه واقفا في سرجهيتلظّى من ذكاه قلقا
فإذا طاب به المشي مضىوهو كالرّيح يشقّ الطرقا
كالسحاب الجون إلا أنهليس يسقي الأرض إلا عرقا
جمع الأمرين يعدو المرطافي مدى السبق ويمشي العنقا
واستدعاه الوزير للخروج معه إلى القتال فقال من قصيدة:
يا سائلي عن بكاي حين رأىدموع عيني تسابق المطرا
ساعة قيل الوزير منحدرأسرع دمعي وفاض منحدرا
وقلت يا نفس تصبرين وهليعيش بعد الفراق من صبرا
شاورته والهوى يفتّتهوالرأي رأي الصواب قد حضرا
أهوى انحداري والحزم يكرههوتارك الحزم يركب الغررا
لأنني عاقل ويعجبنيلزوم بيتي وأكره السفرا
الخيش نصف النهار يعجبنيوالماء بالثلج باردا خصرا
والشرب في روشني أقول بهكيما أرى الماء منه والقمرا
ولا أقود الخيل العتاق بلىأسوق بين الأزقة البقرا
من كلّ جاموسة لعنبلهارأس بقرنيه يفلق الحجرا
قد نفخ الشحم جوفها فغداكأنه بطن ناقة عشرا
تركض مثل الحصان نافرةومن يردّ الحصان إن نفرا
أحسن في الحرب من صفوفكمغدا قعودي أصفّف الطّررا
هيهات أن أحضر القتال وأنترى بعينيك فيه لي أثرا
بل الذي لا يزال يعجبني الدبيب بالليل خائفا حذرا
الدفّ عند الصباح دبدبتيوبوقي النّاي كلّما زمرا
هذا اعتقادي وهكذا أبداأرى لنفسي وأنت كيف ترى
ومن مقطعاته:
ملك لو لم يكن من ملكهغير دار وشّحت بالنّعم
لو رمى شداد فيها طرفهزهّدته بعدها في إرم
وقال:
صنعت في دارك فوّارةأغرقت في الأرض بها الأنجما
فاض على نجم السّهى ماؤهافأصبحت أرضك تسقي السّما
وقال:
واستوف عمر الدهر في نعمةدون مداها موقف الحشر
مصيبة الحاسد في مكثهامصيبة الخنساء في صخر
وقال:
هذا حديثي تنمي عجائبهبكثرة القال فيه والقيل
أعجزني دفنه فشاع كماأعجز قابيل دفن هابيل
وقال:
قد وقع الصلح على غلّتيواقتسموها كارة كاره
لا يفلس البقال إلا إذاتصالح السّنّور والفاره
وقال:
عجبت من الزمان وأيّ شيءعجيب لا أراه من الزمان
يصادر قوت جرذان عجاففيجعله لأوعال سمان
وقال:
يا رائحا في داره غاديابغير معنى وبلا فائده
قد جنّ أضيافك من جوعهمفاقرأ عليهم سورة المائده
وقال:
فديت من لقّبني مثل مالقبته والحقّ لا يغضب
إن قلت يا عرقوب خادعتنييقول لم نفسك يا أشعب
وقال:
قد قلت لما غدا مدحي فما شكرواوراح ذمّي فما بالوا ولا شعروا
«عليّ نحت القوافي من معادنهاوما عليّ إذا لم تفهم البقر»
وقال:
الصبح مثل البصير نوراوالليل في صورة الضرير
فليت شعري بأيّ رأييختار أعمى على بصير
وقال:
إن بني برمك لو شاهدوافعلك بالغائب والشاهد
ما اعترف الفضل بيحيى أباولا انتمى يحيى إلى خالد
وقال:
مولاي يا من كلّ شيء سوىنظيره في الحسن موجود
إن كنت أذنبت بجهلي فقدأذنب واستغفر داود
ولطائف ابن الحجاج كثيرة وفيما أوردناه منها كفاية. توفي يوم الثلاثاء سابع عشري جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، ودفن في بغداد عند مشهد موسى
الكاظم بن جعفر الصادق ﵄، وكان أوصى أن يدفن عند رجليه ويكتب على قبره وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ
(الكهف:) وكان من كبار شعراء الشيعة، وقد رآه بعض أصحابه في المنام بعد موته فقال له: ما حالك؟ فأنشد:
أفسد سوء مذهبيفي الشعر حسن مذهبي
لم يرض مولاي عليسبّي لأصحاب النبي
ورثاه الشريف الرّضيّ الموسوي بقصيدة ارتجلها حين أتاه نعيه فقال:
نعوه على ضنّ قلبي بهفلله ماذا نعى الناعيان
رضيع صفاء له شعبةمن القلب مثل رضيع اللبان
بكيتك للشّرّد السائراتتعبث ألفاظها بالمعاني
مواسم ينهلّ منها الحيابأشهر من مطلع الزبرقان
جوائف تبقى أخاديدهاعماقا وتعفو ندوب الطعان
تبضّ إلى اليوم آثارهابأحمر من عاند الطعن قاني
قعاقعهنّ تشنّ الحتوفإذا هنّ أوعدن لا بالشنان
وما كنت أحسب أن المنونتفلّ مضارب ذاك اللسان
لسان هو الأزرق القعضبيّتمضمض في ريقه الأفعوان
له شفتا مبرد الهالكيّأنحى بجانبه غير واني
إذا لزّ بالعرض مبراتهتصدّع صدع الرّداء اليماني
يرى الموت أن قد طوى مضغةولم يطو إلا غرار السنان
فأين تسرّعه للنضالوهبّاته للطوال اللّدان
يشلّ الجوائح شلّ السياطويلوي الجوامح ليّ العنان
فإن شاء كان حران الجماحوإن شاء كان جماح الحران
يهاب الشجاع غذاميرهعلى البعد منه مهاب الجبان
وتعنو الملوك له خيفةإذا راع قبل اللظى بالدّخان
وكم صاحب كمناط الفؤادعناني من يومه ما عناني
قد انتزعت من يديّ المنونولم يغن ضمّي عليه بناني
فزال زيال الشباب الرطيبوخانك يوم لقاء الغواني
ليبك الزمان طويلا عليكفقد كنت خفّة روح الزمان
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع