من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسين بن عبد الله بن يوسف بن أحمد بن شبل أبو علي البغدادي
ولد في بغداد وبها نشأ وبها توفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة. كان متميزا بالحكمة والفلسفة خبيرا بصناعة الطب أديبا فاضلا وشاعرا مجيدا. أخذ عن أبي نصر يحيى بن جرير التكريتي وغيره. وهو صاحب القصيدة الرائية التي نسبت للشيخ الرئيس ابن سينا وليست له، وقد دلّت هذه القصيدة على علوّ كعبه في الحكمة والاطلاع على مكنوناتها، وقد سارت بها الركبان وتداولها الرواة، وهي:
بربّك أيها الفلك المدارأقصد ذا المسير أم اضطرار
مدارك قل لنا في أيّ شيءففي أفهامنا منك انبهار
وفيك نرى الفضاء وهل فضاءسوى هذا الفضاء به تدار
وعندك ترفع الأرواح أم هلمع الأجساد يدركها البوار
وموج ذي المجرّة أم فرندعلى لجج الذراع لها مدار
وفيك الشمس رافعة شعاعابأجنحة قوادمها قصار
وطوق للنجوم إذا تبدىهلالك أم يد فيها سوار
وأفلاذ نجومك أم حبابتؤلّف بينه لجج غزار
وتنشر في الفضا ليلا وتطوىنهارا مثلما يطوى الإزار
فكم بصقالها صدىء البراياوما يصدا لها أبدا غرار
تبادى ثم تخنس راجعاتوتكنس مثلما كنس الصّوار
فبينا الشرق يقدمها صعوداتلقّاها من الغرب انحدار
على ذا قد مضى وعليه يمضيطوال منى وآجال قصار
وأيام تعرّقنا مداهالها أنفاسنا أبدا شفار
ودهر ينثر الأعمار نثراكما للورد في الروض انتثار
ودنيا كلما وضعت جنيناغذته من نوائبها ظئار
هي العشواء ما خبطت هشيمهي العجماء ما جرحت جبار
فمن يوم بلا أمس ويومبغير غد إليه بنا يسار
ومن نفسين في أخذ وردّلروح المرء في الجسم انتشار
وكم من بعد ما كانت نفوسإلى أجسامها طارت وطاروا
ألم تك بالجوارح آنساتفأعقب ذلك الأنس النفار
فإن يك آدم أشقى بنيهبذنب ما له منه اعتذار
ولم ينفعه بالأسماء علموما نفع السجود ولا الجوار
فأخرج ثم أهبط ثم أودىفترب السافيات له شعار
فأدركه بعلم الله فيهمن الكلمات للذنب اغتفار
ولكن بعد غفران وعفويعيّر ما تلا ليلا نهار
لقد بلغ العدوّ بنا مناهوحلّ بآدم وبنا الصغار
وتهنا ضائعين كقوم موسىولا عجل أضلّ ولا خوار
فيا لك أكلة ما زال منهاعلينا نقمة وعليه عار
نعاقب في الظهور وما ولدناويذبح في حشا الأمّ الحوار
وننتظر البلايا والرزاياوبعد فللوعيد لنا انتظار
ونخرج كارهين كما دخلناخروج الضبّ أخرجه الوجار
فماذا الإمتنان على وجودلغير الموجدين به الخيار
وكان وجودنا خيرا لو انانخيّر قبله أو نستشار
أهذا الداء ليس له دواءوهذا الكسر ليس له انجبار
تحيّر فيه كلّ دقيق فهموليس لعمق جرحهم انسبار
إذا التكوير غال الشمس عنّاوغال كواكب الأفق انتثار
وبدّلنا بهذي الأرض أرضاوطوّح بالسموات انفطار
وأذهلت المراضع عن بنيهالدهشتها وعطّلت العشار
وغشّى البدر من فرق وذعرخسوف ليس يجلى أو سرار
وسيّرت الجبال فكنّ كثبامهيلات وسجّرت البحار
فأين ثبات ذي الألباب مناوأين مع الرجوم لنا اصطبار
وأين عقول ذي الأفهام ممايراد بنا وأين الإعتبار
وأين يغيب لبّ كان فيناضياؤك من سناه مستعار
ولا أرض عصته ولا سماءففيم يغول أنجمها انكدار
وقد وافته طائعة وكانتدخانا ما لقاتره شرار
قضاها سبعة والأرض مهدادحاها فهي للأموات دار
فما لسموّ ما أعلى انتهاءوما لعلوّ ما أرسى قرار
ولكن كلّ ذا التهويل فيهلمن يخشى اتعاظ وازدجار
وقال:
بنا إلى الدير من كوثى صباباتفلا تلمني فما تغني الملامات
لا تبعدنّ وإن طال الزمان بهاأيام لهو عهدناها وليلات
فكم قضينا لبانات الشباب بهاغنما وكم بقيت عندي لبانات
ما أمكنت دولة الأيام مقبلةفانعم ولذّ فإن العيش تارات
قبل ارتجاع الليالي فهي عاريةفإنما منح الدنيا غرامات
قم فاجل في فلك البستان شمس ضحىبروجها الزّهر والجامات دارات
لعله إن دعا داعي الحمام بنانقضي وأنفسنا منها رويّات
بم التعلل لولا الراح في زمنأحياؤه في سبات الهمّ أموات
بدت تحيّي فقابلنا تحيّتهاوقد عراها لخوف المزج روعات
مدّت أشعة برق من أبارقهاعلى مقابلها منها شعاعات
فلاح في ساق ساقيها خلاخل منتبر وفي أوجه الندمان شارات
قد وقّع الصفو سطرا من فواقعها«لا فارقت شارب الراح المسرات»
خذ ما تعجّل واترك ما وعدت بهوكن لبيبا فللتأخير آفات
وللسعادة أوقات مقدّرةفيها السرور وللأحزان أوقات
وقال:
أيا جبلي نعمان بالله خلّيانسيم الصبا يخلص إليّ نسيمها
أجد بردها أو تشف منّي حرارةعلى كبد لم يبق إلا صميمها
فإن الصّبا ريح إذا ما تنفستعلى كبد حرّاء قلّت همومها
وقال:
ليكفكم ما فيكم من جوى نلقىفمهلا بنا مهلا ورفقا بنا رفقا
وحرمة وجدي لا سلوت هواكمولا رمت منه لا فكاكا ولا عتقا
سأزجر قلبا رام في الحبّ سلوةوأهجره إن لم يمت بكم عشقا
صحبت الهوى يا صاح حتى ألفتهفأضناه لي أشفى وأفناه لي أبقى
فلا الصبر موجود ولا الشوق بارحولا أدمعي تطفي لهيبي ولا ترقا
أخاف إذا ما الليل أرخى سدولهعلى كبدي حرقا ومن مقلتي غرقا
أيجمل أن أجزى عن الوصل بالجفافينعم طرفي والفؤاد بكم يشقى
أحظي هذا أم كذا كلّ عاشقيموت ولا يحيا ويظما فلا يسقى
سل الدهر علّ الدهر يجمع شملنافلم أر ذا حال على حاله يبقى
وقال:
إذا كان دوني من بليت بجهلهأبيت لنفسي أن أقابل بالجهل
وإن كنت أدنى منه في الحلم والحجىعرفت له حقّ التقدم والفضل
وإن كان مثلي في الفطانة والحجىأردت لنفسي أن أجلّ عن المثل
وقال:
وفي اليأس إحدى الراحتين لذي الهوىعلى أن إحدى الراحتين عذاب
أعفّ وبي وجد وأسلو وبي جوىولو ذاب مني أعظم وإهاب
وآنف أن تصطاد قلبي كاعببلحظ وأن يروي صداي رضاب
فلا تنكروا عزّ الكريم على الأذىفحين تجوع الضاريات تهاب
وقال:
وكأنما الانسان منّا غيرهمتكوّنا والحسن فيه معار
متصرفا وله القضاء مصرّفومكلفا وكأنه مختار
طورا تصوّبه الحظوظ وتارةخطأ تحيل صوابه الأقدار
تعمى بصيرته ويبصر بعد مالا يستردّ الفائت استبصار
فتراه يؤخذ قلبه من صدرهويردّ فيه وقد جرى المقدار
فيظلّ يوسع بالملامة نفسهندما إذا عبثت به الأفكار
لا يعرف الإفراط في إيرادهحتى يبيّنه له الإصدار
وقال:
تلقّ بالصبر ضيف الهمّ حيث أتىإنّ الهموم ضيوف أكلها المهج
فالخطب إن زاد يوما فهو منتقصوالأمر إن ضاق يوما فهو منفرج
فروّح النفس بالتعليل ترض بهواعلم إلى ساعة من ساعة فرج
وقال:
احفظ لسانك لا تبح بثلاثةسرّ ومال ما استطعت ومذهب
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثةبمكفّر وبحاسد ومكذّب
وقال:
وعلى قدر عقله فاعتب المرء وحاذر برّا يصير عقوقا
كم صديق بالعتب صار عدوّاوعدوّ بالحلم صار صديقا
وقال:
ثقلت زجاجات أتتنا فرّغاحتى إذا ملئت بصرف الرّاح
خفّت فكادت أن تطير بما حوتوكذا الجسوم تخفّ بالأرواح
وقال:
تسلّ عن كلّ شيء بالحياة فقديهون بعد بقاء الجوهر العرض
يعوّض الله مالا أنت متلفهوما عن النفس إن أتلفتها عوض
وقال:
قالوا القناعة عزّ والكفاف غنىوالذلّ والعار حرص المرء والطمع
صدقتم من رضاه سدّ جوعتهإن لم يصبه بماذا عنه يقتنع؟
وقال:
إن تكن تجزع من دمعي إذا فاض فصنه
أو تكن أحمدت يوماسيدا يعفو فكنه
أنا لا أصبر عمّنلا يجوز الصبر عنه
كلّ ذنب في الهوى يغفر لي ما لم أخنه
وقال يرثي أخاه أحمد بن عبد الله بن يوسف:
غاية الحزن والسرور انقضاءما لحيّ من بعد ميت بقاء
لا لبيد بأربد مات حزناوسلت صخرا الفتى الخنساء
مثل ما في التراب يبلى الفتى فالحزن يبلى من بعده والبكاء
غير أنّ الأموات زالوا وأبقواغصصا لا يسيغها الأحياء
إنما نحن بين ظفر ونابمن خطوب أسودهنّ ضراء
نتمنّى وفي المنى قصر العمر فنغدو بما نسرّ نساء
صحة المرء للسقام طريقوطريق الفناء هذا البقاء
بالذي نغتذي نموت ونحياأقتل الداء للنفوس الدواء
ما لقينا من غدر دنيا فلا كانت ولا كان أخذها والعطاء
راجع جودها عليها فمهمايهب الصبح يستردّ المساء
ليت شعري حلما تمرّ بنا الأيام أم ليس تعقل الأشياء
من فساد يجنيه للعالم الكون فما للنفوس منه اتقاء
قبّح الله لذة لشقانانالها الأمهات والآباء
نحن لولا الوجود لم نألم الفقد فايجادنا علينا بلاء
وقليلا ما تصحب المهجة الجسم ففيم الأسى وفيم العناء
ولقد أيّد الاله عقولاحجة العود عندها الابداء
غير دعوى قوم على الميت شيئاأنكرته الجلود والأعضاء
وإذا كان في العيان خلافكيف في الغيب يستبين الخفاء
ما دهانا من يوم أحمد إلاظلمات وما استبان ضياء
يا أخي عاد بعدك الماء سمّاوسموما ذاك النسيم الرّخاء
والدموع الغزار عادت من الأنفاس نارا تثيرها الصّعداء
وأعدّ الحياة غدرا وإن كانت حياة يرضى بها الأعداء
أين تلك الخلال والحزم أين العزم أين السناء أين البهاء
كيف أودى النعيم من ذلك الظلّ وشيكا وزال ذاك الغناء
أين ما كنت تنتضي من لسانفي مقام ما للمواضي انتضاء
كيف أرجو شفاء ما بي وما بيدون سكناي في ثراك شفاء
أين ذاك الرّواء والمنطق الجزل وأين الحياء أين الإباء
إن محا حسنك التراب فما للدمع يوما من صحن خدي انمحاء
أو تبن لم يبن قديم وداديأو تمت لم يمت عليك الثناء
شطر نفسي دفنت والشطر باقيتمنّى ومن مناه الفناء
إن تكن قدّمته أيدي المنايافإلى السابقين تمضي البطاء
يدرك الموت كلّ حيّ ولو أخفته عنه في برجها الجوزاء
ليت شعري وللبلى كلّ مخلوق بماذا تميز الأنبياء
موت ذي الحكمة المفضل بالنطق وذي العجمة البهيم سواء
لا غويّ لفقده تبسم الأرض ولا للتقيّ تبكي السماء
كم مصابيح أوجه أطفأتهاتحت أطباق تربها البيداء
كم بدور وكم شموس وكم أطواد مجد أمسى عليها العفاء
كم محا غرة الكواكب غيمثم أخفت ضياءها الأنواء
إنما الناس قادم إثر ماضبدء قوم للآخرين انتهاء
وقال:
قالوا وقد مات محبوب فجعت بهوفي الصبا وأرادوا عنه سلواني
ثانيه في الحسن موجود فقلت لهممن أين لي في الهوى الثاني صبا ثاني
وقال:
ولو أنني أعطيت من دهري المنىوما كلّ من يعطى المنى بمسدّد
لقلت لأيام مضين ألا ارجعيوقلت لأيام أتين ألا ابعدي
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع