من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسين بن عبد الله بن رواحة بن ابراهيم بن عبد الله
بن رواحة، أبو علي الأنصاري الحموي الأديب الفقيه الشاعر المجيد: ولد بحماة ونشأ بها، ورحل إلى دمشق فأقام بها مدة واشتغل بالفقه وسمع الحديث من الحافظ أبي القاسم ابن عساكر ومن عمه وآخرين، ورحل إلى مصر فسمع بها وبالاسكندرية. ثم عاد إلى دمشق فشهد واقعة مرج عكا فقتل فيها شهيدا يوم الأربعاء من شعبان سنة خمس وثمانين وخمسمائة. وله من قصيدة مهنئا بها الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب بعيد النحر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة وكان السلطان مخيما بمرج فاقوس:
لقد خبر التجارب منه حزموقلّب دهره ظهرا لبطن
فساق إلى الفرنج الخيل برّاوأدركهم على بحر بسفن
وقد جلب الجواري بالجوارييمدن بكلّ قدّ مرجحنّ
يزيدهم اجتماع الشمل بؤسافمرنان ينوح على مرنّ
زهت اسكندرية يوم سيقواودمياط إلى المينا بغبن
يرون خياله كالطيف يسريفلو هجعوا أتاهم بعد وهن
أبادهم تخوّفه فأمسىمناهم لو يبيّتهم بأمن
تملّك جيشهم شرقا وغربافصاروا بين مملوك ورهن
أقام بآل أيوب رباطارأت منه الفرنجة ضيق سجن
رجا أقصى الملوك السلم منهمولم ير جهده في الحرب يغني
فألقى السلم بعد الحرب كرهاولم ير من مناه سوى التمني
وقال يرثي الحافظ أبا القاسم ابن عساكر وأنشدها بجامع دمشق سنة إحدى وسبعين وخمسمائة:
ذرا السعي في نيل العلا والفضائلمضى من إليه كان شدّ الرواحل
فقولا لساري البرق إني معينهبنار أسى أو سحب دمع هواطل
وتمزيق جلباب العزاء لفقدهبزفرة باك أو بحسرة ثاكل
فأعلن به للركب واستوقف السّرىلقصّاده من قبل طيّ المراحل
وقل غاب بدر التمّ عن أنجم الدجىوأشرق منهم بعده كلّ آفل
وما كان إلا البحر غار ومن يردسواحله لم يلق غير الجداول
وهبكم رويتم علمه عن رواتهفليس عوالي صحبه بنوازل
فقد فاتكم نور الهدى بوفاتهونور التقى منه ونجح الوسائل
وما حظّ من قد غرّه نصل صارمرجا نصرة من غمده والحمائل
ليبك عليه من رآه ومن حوىهداه بأيام لديه قلائل
ويقض أسى من فاته الفضل عاجلابرؤيته والفوز في كلّ آجل
أسفت لا رجائي قدوم أعزّةعليه وتسويفي إلى عام قابل
ولو أنهم فازوا بإدراك مثلهلأزروا على سنّ الصبا بالأماثل
فيا لمصاب عمّ سنة أحمدوأحرم منها كلّ راو وناقل
خلا الشام من خير خلت كلّ بلدةبها من نظير للإمام مماثل
وأصبح بعد الحافظ العلم شاغرابلا حافظ يهذي به كلّ باقل
وكم من نبيه قلّ مذ مات جاههوقدّم لما أن مضى كلّ خامل
خلت سنّة المختار من ذبّ ناصرفأيسر ما لاقته بدعة جاهل
نحا للإمام الشافعيّ مقالةفأصبح يثني عنه كلّ مجادل
وأيّد قول الأشعريّ بسنّةفكانت عليه من أدلّ الدلائل
وكم قد أبان الحقّ في كلّ محفلفأروى بما يروي ظماء المحافل
وسدّ من التجسيم باب ضلالةوردّ من التشبيه شبهة باطل
وإن يك قد أودى فكم من أسنّةمركّبة من قوله في عوامل
وإن مال قوم واستمالوا رعاعهمبإضلالهم عنه فلست بمائل
أرى الأجر في نوحي عليه ولا أرىسوى الإثم في نوح البواكي الثواكل
وليس الذي يبكي إماما لدينهكباك لدنياه على فقد راحل
فيا قلب واصله بأعظم رحمةويا عين فاسقيه بأغزر وابل
وحيّ ثراه الدهر أهنى تحيةمكررة عند الضحى والأصائل
أعنّي على نوحي عليه فإنهقريب ثواء في الثرى والجنادل
ولو لم يكن بالدمع سيل لحبّهلضنّ على لحد به كلّ باخل
مضى من حديث المصطفى كان شاغلاله باجتهاد فيه عن كلّ شاغل
لقد شمل الإسلام فيه رزيةوكان له بالنصح أفضل شامل
وفضّل بين السالفين اطّلاعهعليهم فذبّ النقص عن كل فاضل
وأصبح في نقد الرجال مميزابغير نظير في الورى ومساجل
وأكمل تاريخا لجلّق جامعالمن حلّها من كلّ شهم وكامل
فأزرى بتاريخ الخطيب وقد غدابخطبته في الكتب أخطب قائل
ومنها:
طوى الموت منه العلم والزهد والنّهىوكسب المعالي واجتناب الرذائل
وأفجع منه العالمين بمقدمصبور على حرب الضلال حلاحل
وكان غيورا ذبّ عن دين أحمدوأدفع عنه من شجاع مقاتل
وأحرم فيه الدّين أشرف صائنله ولدفع الزّيغ أعظم صائل
ولم أر نقص الأرض يوما كنقصهابموت إمام عالم ذي فضائل
أبا القاسم الأيام قسمة حاكمقضى بالفنا فينا قضية عادل
بماذا أعزّي المسلمين ولا أرىعزاء سوى من قد مضى من أفاضل
عليك سلام الله ما انتفع الورىبعلمك واستعلى على المتطاول
وقال:
إن كان يحلو لديك قتليفزد من الهجر في عذابي
عسى يطيل الوقوف بينيوبينك الله في الحساب
وقال:
لاموا عليك وما درواأنّ الهوى سبب السعاده
إن كان وصل فالمنىأو كان هجر فالشهاده
وعكسه فقال:
يا قلب دع عنك الهوى قسراما أنت منه حامد أمرا
أضعت دنياك بهجرانهإن نلت وصلا ضاعت الأخرى
وقال:
وللزنبور والبازي جميعالدى الطيران أجنحة وخفق
ولكن بين ما يصطاد بازوما يصطاده الزنبور فرق
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع