من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسين بن الضحاك بن ياسر البصري المعروف بالخليع
أبو علي:
أصله من خراسان، وهو مولى لولد سلمان بن ربيعة الباهلي الصحابي، فهو مولى لا باهلي النسب كما زعم ابن الجراح، بصريّ المولد والمنشأ، وهو شاعر ماجن ولذلك لقب بالخليع، وعداده في الطبقة الأولى من شعراء الدولة العباسية المجيدين.
ولد سنة اثنتين وستين ومائة وتوفي في بغداد سنة خمسين ومائتين وقد ناهز المائة، وكان شاعرا مطبوعا حسن التصرف في الشعر، وكان أبو نواس يغير على معانيه في الخمر، وإذا قال شيئا فيها نسبه الناس إلى أبي نواس، وله غزل كثير أجاد فيه، وهو أحد الشعراء المطبوعين الذين أغناهم عفو قرائحهم عن التكلّف.
وقد اتصل الحسين بن الضحاك بالخلفاء من بني العباس ونادمهم، وأول من جالس منهم محمد الأمين بن هارون الرشيد وكان اتصاله به في سنة ثمان وتسعين ومائة وهي السنة التي قتل فيها الأمين، وتنقل بعده في مجالس الخلفاء ونادمهم إلى الحين الذي مات فيه في زمن المستعين، وقيل في زمن المنتصر.
حدث الصولي عن عبد الله بن محمد الفارسي عن ثمامة بن أشرس قال: لما قدم المأمون من خراسان وصار إلى بغداد أمر بأن يسمّى له قوم من أهل الأدب ليجالسوه ويسامروه، فذكر له جماعة فيهم الحسين بن الضحاك، فقرأ أسماءهم حتى بلغ إلى اسم الحسين فقال: أليس هو الذي يقول في الأمين، يعني أخاه:
هلا بقيت لسدّ فاقتناأبدا وكان لغيرك التلف
فلقد خلفت خلائفا سلفواولسوف يعوز بعدك الخلف
لا حاجة لي فيه، والله لا يراني أبدا إلّا في الطريق، ولم يعاقب الحسين على ما كان من هجائه له وتعريضه به.
قال: وانحدر الحسين إلى البصرة فأقام بها طول أيام المأمون، واستقدمه المعتصم من البصرة حين ولي الخلافة بعد موت المأمون، فلما دخل عليه استأذن في الإنشاد، فأذن له فأنشده يمدحه:
هلا رحمت تلدّد المشتاقومننت قبل فراقه بتلاق
إنّ الرقيب ليستريب تنفس الصّعدا إليك وظاهر الإقلاق
ولئن أربت لقد نظرت بمقلةعبرى عليك سخينة الآماق
نفسي الفداء لخائف مترقّبجعل الوداع إشارة بعناق
إذ لا جواب لمفحم متحيّرإلا الدموع تصان بالإطراق
ومنها:
خير الوفود مبشّر بخلافةخصّت ببهجتها أبا إسحاق
وافته في الشهر الحرام سليمةمن كلّ مشكلة وكلّ شقاق
أعطته صفقتها الضمائر طاعةقبل الأكفّ بأوكد الميثاق
سكن الأنام إلى إمام سلامةعفّ الضمير مهذّب الأخلاق
فحمى رعيّته ودافع دونهاوأجار مملقها من الإملاق
قل للأولى صرفوا الوجوه عن الهدىمتعسّفين تعسّف المرّاق
إني أحذّركم بوادر ضيغمدرب بخطم موائل الأعناق
متأهب لا يستفزّ جنانهزجل الرعود ولا مع الإبراق
لم يبق من متعرّمين توثبوابالشام غير جماجم أفلاق
من بين منجدل تمجّ عروقهعلق الأخادع أو أسير وثاق
وثنى الخيول إلى معاقل قيصرتختال بين أحزّة ورقاق
يحملن كلّ مشمّر متغشّمليث هزبر أهرت الأشداق
حتى إذا أمّ الحصون منازلاوالموت بين ترائب وتراق
هرّت بطارقها هرير ثعالببدهت بزأر قساور طرّاق
ثم استكانت للحصار ملوكهمذلّا ونيط حلوقهم بخناق
هربت وأسلمت البلاد عشيةلم تبق غير حشاشة الأرماق
فلما أتمها قال له المعتصم: ادن مني فدنا منه، فملأ فمه جوهرا من جوهر كان بين يديه، ثم أمره بأن يخرجه من فيه فأخرجه، فأمر بأن ينظم ويدفع إليه ويخرج إلى الناس وهو في يده ليعلموا موقعه منه ويعرفوا له فضله.
وحدث الصوليّ عن عون بن محمد الكندي قال: لما ولي المنتصر الخلافة دخل عليه الحسين بن الضحاك فهنأه بالخلافة وأنشده:
تجدّدت الدنيا بملك محمدفأهلا وسهلا بالزمان المجدّد
هي الدولة الغراء راحت وبكّرتمشمّرة بالرشد في كلّ مشهد
لعمري لقد شدّت عرى الدّين بيعةأعزّ بها الرحمن كلّ موحد
هنتك أمير المؤمنين خلافةجمعت بها أهواء أمة أحمد
فأظهر إكرامه والسرور به وقال له: إن في بقائك بهاء للملك، وقد ضعفت عن الحركة فكاتبني بحاجاتك ولا تحمل على نفسك بكثرة الحركة، ووصله بثلاثة آلاف دينار ليقضي بها دينا بلغه أنه عليه.
وقال في المنتصر أيضا وهو آخر شعر قاله:
ألا ليت شعري أبدر بدانهارا أم الملك المنتصر
إمام تضمّن أثوابهعلى سرجه قمرا من بشر
حمى الله دولة سلطانهبجند القضاء وجند القدر
فلا زال ما بقيت مدةيروح بها الدهر أو يبتكر
واصطبح عند عبد الله بن العباس بن الفضل وخادم له قائم بين يديه يسقيه، فقال عبد الله: يا أبا عليّ قد استحسنت سقي هذا الخادم، فإن حضرك شيء في هذا فقل، فقال:
أحيت صبوحي فكاهة اللاهيوطاب يومي بقرب أشباهي
فآثر اللهو في مكامنهمن قبل يوم منغّص ناه
بابنة كرم من كفّ منتطقمؤتزر بالمجون تياه
يسقيك من طرفه ومن يدهسقي لطيف مجرّب داه
طاسا وكأسا كأنّ شاربهاحيران بين الذّكور والساهي
وذكر الصولي في «نوادره» قال: حدثني عليّ بن محمد بن نصر، قال حدثني خالي أحمد بن حمدون، قال قال الحسين بن الضحاك من أبيات وقد عمّر:
أما في ثمانين وفّيتهاعذير وإن أنا لم أعتذر
وقد رفع الله أقلامهعن ابن ثمانين دون البشر
وإني لمن أسراء الإلهفي الأرض نصب حروف القدر
فإن يقض لي عملا صالحاأثاب وإن يقض شرا غفر
وقال:
أصبحت من أسراء الله محتسبافي الأرض نحو قضاء الله والقدر
إن الثمانين إذ وفّيت عدّتهالم تبق باقية منّي ولم تذر
قلت: والأصل في قول الحسين بن الضحاك هذا الحديث الذي رواه ابن قتيبة في «غريب الحديث» قال حدثنا أبو سفيان الغنوي، حدثنا معقل بن مالك عن عبد الرحمن بن سليمان عن عبيد الله بن أنس عن أنس عن النبي ﷺ قال: إذا بلغ العبد ثمانين سنة فإنه أسير الله في الأرض تكتب له الحسنات وتمحى عنه السيئات.
وقال:
وصف البدر حسن وجهك حتىخلت أني وما أراك أراكا
وإذا ما تنفّس النرجس الغضّ توهمته نسيم شذاكا
خدع للمنى تعللني فيك بإشراق ذا وبهجة ذاكا
وقال:
لا وحبّيك لا أصافح بالدمع مدمعا
من بكى شجوه استراح وإن كان موجعا
كبدي في هواك أسقم من أن تقطّعا
لم تدع صورة الضنىفيّ للسقم موضعا
وقال:
ألا إنما الدنيا وصال حبيبوأخذك من مشمولة بنصيب
ولم أر في الدنيا كخلوة عاشقوبذلة معشوق ونوم رقيب
وقال يمدح الوزير الحسن بن سهل:
أرى الآمال غير معرّجاتعلى أحد سوى الحسن بن سهل
يباري يومه غده سماحاكلا اليومين بان بكلّ فضل
أرى حسنا تقدم مستبدّاببعد من رياسته وقبل
فإن حضرتك مشكلة بشكّشفاك بحكمة وخطاب فصل
سليل مرازب برعوا حلوماوراع صغيرهم بسداد كهل
ملوك إن جريت بهم أبرّواوعزّوا أن توازيهم بعدل
ليهنك أنّ ما أرجيت رشداوما أمضيت من قول وفعل
وأنك مؤثر للحقّ فيماأراك الله في قطع ووصل
وأنك للجميع حيا ربيعيصوب على قرارة كلّ محل
وقال يمدح الواثق لما ولي الخلافة:
أكتّم وجدي فما ينكتمبمن لو شكوت إليه رحم
وإني على حسن ظنّي بهلأحذر إن بحت أن يحتشم
ولي عند لحظته روعةتحقّق ما ظنّه المتهم
وقد علم الناس أني لهمحبّ وأحسبه قد علم
وإني لمغض على لوعةمن الشوق في كبدي تضطرم
عشية ودعت عن مدمعسفوح وزفرة قلب سدم
فما كان عند النوى مسعدسوى الدمع يغسل طرفا كلم
سيذكر من بان أوطانهويبكي المقيمين من لم يقم
ومنها في المديح:
إلى خازن الله في خلقهسراج النهار وبدر الظّلم
ركبنا غرابيب زفّافةبدجلة في موجها الملتطم
إذا ما قصدنا لقاطولهاودهم قراقيرها تصطدم
وصرنا إلى خير مسكونةتيمّمها راغب أو ملمّ
مباركة شاد بنيانهابخير المواطن خير الأمم
كأنّ بها نشر كافورةلبرد نداها وطيب النّسم
كظهر الأديم إذا ما السحابصاب على متنها وانسجم
مبرّأة من وحول الشتاءإذا ما طمى وحله وارتكم
فما إن يزال بها راجليمرّ الهوينا ولا يلتطم
ويمشي على رسله آمناسليم الشّراك نقيّ القدم
وللنون والضبّ في بطنهامراتع مسكونة والنّعم
ومنها:
يضيق الفضاء به إن غدابطودي أعاريبه والعجم
ترى النصر يقدم راياتهإذا ما خفقن أمام العلم
وفي الله دوّخ أعداءهوجرّد فيهم سيوف النقم
وفي الله يكظم من غيظهوفي الله يصفح عمن ظلم
رأى شيم الجود محمودةوما شيم الجود إلا قسم
فراح على نعم واغتدىكأن ليس يحسن إلّا نعم
وقال:
أتاني منك ما ليسعلى مكروهه صبر
فأغضيت على عمدوقد يغضي الفتى الحرّ
وأدبتك بالهجرفما أدّبك الهجر
ولا ردّك عما كان منك النصح والزجر
فلما اضطرّني المكروهـ واشتدّ بي الأمر
تناولتك من ضرّيبما ليس له قدر
فحركت جناح الذّلّ لمّا مسّك الضرّ
إذا لم يصلح الخير امرءا أصلحه الشرّ
وغضب عليه المعتصم لشيء جرى منه على النبيذ فكتب إليه يسترضيه:
غضب الإمام أشدّ من أدبهوقد استجرت وعذت من غضبه
أصبحت معتصما بمعتصمأثنى الإله عليه في كتبه
لا والذي لم يبق لي سبباأرجو النجاة به سوى سببه
ما لي شفيع غير حرمتهولكلّ من أشفى على عطبه
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع