من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
حمزة بن بيض الحنفي الكوفي أحد بني بكر
بن وائل: شاعر مقدم مجيد من شعراء الدولة الأموية كان منقطعا إلى المهلب وولده، ثم انقطع إلى الأمير بلال بن أبي بردة، ووفد على سليمان بن عبد الملك وامتدحه قبل الخلافة، فقال:
أتينا سليمان الأمير نزورهوكان امرءا يحبى ويكرم زائره
إذا كنت بالنجوى به متفردافلا الجود مخليه ولا البخل حاضره
كفى سائليه سؤلهم من ضميرهعن البخل ناهيه وبالجود آمره
ودخل عليه وعنده يزيد بن المهلب، فقال:
حاز الخلافة والداك كلاهماما بين سخطة ساخط أو طائع
أبواك ثم أخوك أصبح ثالثاوعلى جبينك نور ملك رابع
سرّيت خوف بني المهلب بعدمانظروا السبيل بسمّ موت ناقع
ليس الذي أولاك ربك فيهمعند الإله وعندهم بالضائع
فأمر له بخمسين ألف درهم.
وقال في سليمان أيضا:
لم تدر ما «لا» فلست قائلهاعمرك ما عشت آخر الأبد
ولم تؤامر بتلك ممتريافيها وفي أختها ولم تكد
وهي على أنها أخفّهماأثقل حملا عليك من أحد
لما تعودت من نعم فنعمألذّ في فيك من جنى الشهد
إلا يكن عاجل تعجّلهلنا لئلا تقولها فعد
وما تعد في غد يكن غدكالواجب للسائلين خير غد
ودخل على يزيد بن المهلب يوم جمعة وهو يتأهب للمضيّ إلى المسجد وجاريته تعممه فضحك فقال له يزيد: ممّ تضحك؟ قال: من رؤيا رأيتها إن أذن لي الأمير قصصتها، قال: قل، فأنشأ يقول:
رأيتك في المنام سننت خزّاعليّ بنفسجا وقضيت ديني
فصدّق يا هديت اليوم رؤيارأتها في المنام كذاك عيني
قال: كم دينك؟ قال: ثلاثون ألفا، قال: قد أمرنا لك بها ومثلها، ثم قال:
يا غلمان فتّشوا الخزائن فجيئوه بكل جبة خزّ بنفسج تجدونها، فجاءوا بثلاثين جبة، فنظر إليه يلاحظ الجارية فقال: يا جارية عاوني عمك على قبض الجباب فإذا وصلت إلى منزله فأنت له، فأخذها والجباب وانصرف.
وقال في يزيد بن المهلب أيضا:
ومتى يؤامر نفسه مستخليافي أن تجود لدى السؤال تقول جد
أو أن يعود لنا بنفحة نائلبعد الكرامة والحباء تقول عد
أو في الزيادة بعد جزل عطائهللمستزيد من العفاة تقول زد
أو في الوفود على أسير موثقبخلت أقاربه عليه تقول فد
أو في ورود شريعة محفوفةبالمشرفية والرماح تقول رد
ونعم بفيه ألذّ حين يقولهاطعما من العسل المدوف بماء ورد
ولما خرج زيد بن علي على هشام منع أهل مكة والمدينة أعطياتهم سنة، فقال حمزة بن بيض في ذلك:
وصلت سماء الضرّ بالضرّ بعدمازعمت سماء الضرّ عنا ستقلع
فليت هشاما كان حيّا يسوسناوكنّا كما كنّا نرجّي ونطمع
ولما ولي أبو لبيد البجلي ابن أخت خالد القسري أصبهان، وكان رجلا متنسكا، خرج حمزة بن بيض في صحبته، فقيل له إن مثل حمزة لا يصحب مثلك لأنه صاحب كلاب ولهو، فبعث إليه ثلاثة آلاف درهم وأمره بالانصراف فقال:
يا ابن الوليد المرتجى سيبهومن يجلّي الحندس الحالكا
سبيل معروفك منّي علىبال فما بالي على بالكا
حشو قميصي شاعر مفلقوالجود أمسى حشو سربالكا
يلومك الناس على صحبتيوالمسك قد يستصحب الرامكا
إن كنت لا تصحب إلّا فتىمثلك لن تؤتى بأمثالكا
إني امرؤ حيث يريد الهوىفعدّ عن جهلي باسلامكا
قال له أبو لبيد: صدقت، وقرّب منزلته.
وقال النضر بن شميل: دخلت على المأمون بمرو فقال: يا نضر أنشدني أخلب بيت للعرب، قلت: هو قول ابن بيض في الحكم بن مروان:
تقول لي والعيون هاجعةأقم علينا يوما فلم أقم
أيّ الوجوه انتجعت قلت لهاوأيّ وجه إلا إلى الحكم
متى يقل حاجبا سرادقههذا ابن بيض بالباب يبتسم
قد كنت أسلمت قبل مقتبلاوالآن أرحل وأعطني سلمي
فقال المأمون: لله درك فكأنما شقّ لك عن قلبي.
وأودع حمزة عند ناسك ثلاثين ألفا ومثلها عند نبّاذ، فأما الناسك فبنى بها دارا وزوّج بناته فأنفقها وجحدها، وأما النباذ فأدّى إليه ماله، فقال في ذلك:
ألا لا يغرّنك ذو سجدةيظلّ بها دائبا يخدع
كأن بجبهته حبةتسبّح طورا وتسترجع
وما للتقى لزمت وجههولكن ليغترّ مستودع
ولا تنفرنّ من اهل النبيذوإن قيل يشرب لا يقلع
فعندي علم بما قد خبرتإن كان علمي بها ينفع
ثلاثون ألفا طواها السجودفليست إلى أهلها ترجع
بنى الدار من غير أموالهفأصبح في بيته يرتع
مهائر من مالهم قد حرمنظلما فهم سغّب جوّع
وأدّى أخو الكاس ما عندهوما كنت في ردّه أطمع
ونزل بقوم فأساءوا ضيافته وطرحوا لبغلته تبنا رديئا فعافته، فأشرف عليها فشحجت حين رأته، فقال:
احسبيها ليلة أدلجتهافكلي إن شئت تبنا أو ذري
قد أتى مولاك خبز يابسفتغدّى فتغدّي واصبري
ولحمزة بين بيض أخبار حسان مع عبد الملك بن مروان وابنه وآل المهلب يطول ذكرها. توفي سنة ست عشرة ومائة وقيل سنة عشرين ومائة والأول أصح.
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع