من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
علي بن هارون بن علي بن يحيى بن أبي منصور
المنجم أبو الحسن: قد ذكرنا أباه هارون وأجداده في مواضعهم من الكتاب، قال محمد بن إسحاق النديم:
رأيناه وسمعنا منه، وكان راوية شاعرا أديبا ظريفا متكلما خيّرا نادم جماعة من الخلفاء، وقال لي مولدي سنة سبع وسبعين ومائتين، وقال ثابت: مولده في صفر سنة ست وسبعين. ومات سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة عن ست وسبعين سنة، وله من الكتب: كتاب النوروز والمهرجان. كتاب الرد على الخليل في العروض. كتاب الرسالة في الفرق بين إبراهيم بن المهدي وإسحاق بن الموصلي في الغناء. كتاب ابتدأ فيه بنسب أهله عمله للمهلبي الوزير ولم يتم. كتاب اللفظ المحيط بنقض ما لفظ به اللقيط، عارض به كتاب أبي الفرج الأصبهاني «في الفرق والمعيار بين الأوغاد والأحرار». كتاب القوافي عمله لعضد الدولة.
وحدث أبو القاسم إسماعيل بن عباد في «كتاب الروزنامجه» قال فيه:
استدعاني الأستاذ أبو محمد المهلبي وابنا المنجم في مجلسه وقد أعدا قصيدتين في مدحه، فمنعهما من النشيد لأحضره، فأنشدا وجودا بعد تشبيب كثير
وحديث طويل. كان لأبي الحسن رسم، أخشى تكذيب سيدنا إن شرحته، وعتابه إن طويته، ولأن أحصل عنده في صورة متزيّد أحبّ إليّ من أن أحصل عنده في رتبة مقصر- يبتدىء فيقول ببحة عجيبة بعد إرسال دموعه وتردد الزفرات في حلقه، واستدعائه من جواذ غلامه منديل عبراته: والله والله وإلا فأيمان البيعة تلزمه بحلّها وحرامها وطلاقها وعتاقها، وما ينقلب إليه حرام، وعبيده أحرار لوجه الله تعالى إن كان هذا الشعر في استطاعة أحد مثله أو اتفق من عهد أبي دواد الايادي إلى زمان ابن الرومي لأحد شكله، بل عيبه أن محاسنه تتابعت وبدائعه ترادفت، وقد كان في الحق أن يكون كلّ بيت منه في ديوان يحمله ويسود به شاعره، ثم ينشد، فإذا بلغ بيتا يعجب به ويتعجب منه قال: أيها الوزير من يستطيع هذا إلا عبدك علي بن هارون بن علي بن يحيى بن أبي منصور بن المنجم جليس الخلفاء وأنيس الوزراء، ثم ينشد الابن، والأدب يعوّذه ويهتزّ له ويقول: أبو عبد الله أستودعه الله ولي عهدي وخليفتي بعدي، ولو اشتجر اثنان من مصر وخراسان لما رضيت بفصل ما بينهما سواه، أمتعنا الله به ورعاه، وحديثه عجيب وإن استوفيته ضاع الغرض الذي قصدته، على أنه أيد الله مولانا من سعة النفس والخلق ووفور الأدب والفضل وتمام المروة والظرف بحال أعجز عن وصفها وأدلّ عن جملتها: إنه مع كثرة عياله واختلال أحواله طلب سيف الدولة جاريته المغنية بعشرين ألف درهم أحضرها صاحبه، فامتنع من بيعها وأعتقها وتزوجها.
ومن شعر علي بن هارون وكتب بها إلى أبي الحسن علي بن خلف بن طياب.
بيني وبين الدهر فيك عتابسيطول إن لم يمحه الإعتاب
يا غائبا بوصاله وكتابههل يرتجى من غيبتيك إياب
لولا التعلل بالرجاء تقطّعتنفس عليك شعارها الأوصاب
لا يأس من روح الإله فربمايصل القطوع ويحضر الغياب
وإذا دنوت مواصلا فهو المنىسعد المحبّ وساعد الأحباب
وإذا نأيت فليس لي متعلّلإلا رسول بالرضى وكتاب
وحدث أبو علي المحسن بن علي التنوخي القاضي في «نشوار المحاضرة» قال حدثني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون بن المنجم قال حدثني أبي قال: كنت وأنا صبيّ لا أقيم الراء في كلامي وأجعلها غينا، وكانت سنّي إذ ذاك أربع سنين أقل أو أكثر، فدخل أبو طالب المفضل بن سلمة أو أبو بكر الدمشقي- شك أبو الفتح- إلى أبي وأنا بحضرته، فتكلمت بشيء فيه راء فلثغت فيها، فقال له الرجل: يا سيدي لم تدع أبا الحسن يتكلم هكذا؟ فقال له: ما أصنع وهو ألثغ، فقال له، وأنا أسمع وأحصّل ما جرى وأضبطه: إن اللثغة لا تصحّ مع سلامة الجارحة، وإنما هي عادة سوء تسبق إلى الصبيّ أول ما يتكلم لجهله بتحقيق الألفاظ وسماعه شيئا يحتذيه، فإن ترك على ما يستصحبه من ذلك مرن عليه فصار له طبعا لا يمكنه التحول عنه، وإن أخذ بتركه في أول نشوه استقام لسانه وزال عنه، وأنا أزيل هذا عن أبي الحسن ولا أرضى فيه بتركك له عليه، ثم قال لي: أخرج لسانك، فأخرجته فتأمله وقال: الجارحة صحيحة، قل يا بني را واجعل لسانك في سقف حلقك، ففعلت ذلك فلم يستولي، فما زال يرفق بي مرة ويخشن بي أخرى وينقل لساني من موضع إلى موضع من فمي ويأمرني أن أقول الراء فيه فإذا لم يستو لي نقل لساني إلى موضع آخر دفعات كثيرة في زمان طويل حتى قلت راء صحيحة في بعض تلك المواضع، وطالبني وأوصى معلمي بالزامي ذلك حتى مرن لساني عليه وذهبت عنه اللثغة.
ومن «كتاب الروزنامجه»: قال الصاحب: وتوفرت على عشرة فضلاء البلد، فأول من كاثرني أولاد المنجم لفضل أبي الحسن علي بن هارون وغزارته واستكثار من روايته وطيب سماعه ولذيذ عشرته، فسمعت منه أخبارا عجيبة وحكايات غريبة، ومن ستارته أصواتا نادرة مشنّفة مقرطقة، يقول في كلّ منها الشعر لفلان
والصنعة لفلان، أخذته هذه عن فلان أو فلانة حتى يتصل النسب باسحاق أو غيره من أبناء جنسه، وكان أكثر ما يعجب به مولاها أبيات له أولها:
ضلّ الفراق ولا اهتدىونأت فلا دنت النوى
وهوى فلا وجد القرار معنّف أهل الهوى
فاتفق أن سألت أول ما سمعت اللحن فيه عن قائله، فغضب واستشاط وتنكر واستوفز ونفر وتنمر وقال: تقول لمن هذا؟ أما يدلّ على قائله؟ أما يعرب عن جوهره؟
أما ترى أثر بني المنجم على صفحته؟ أما:
تحميه لألاؤه أو لوذعيتهمن أن يذال بمن أو ممن الرجل
وذكره المرزباني في المعجم فقال وهو القائل:
وإني لأثني النفس عما يريبهاوأنزل من دار الهوان بمعزل
بهمّة نبل لا يرام مكانهاتحلّ من العلياء أشرف منزل
ولي منطق إن لجلج القول صائببتكشيف إلباس وتطبيق مفصل
وله يمدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇:
وهل خصلة من سؤدد لم يكن لهاأبو حسن من بينهم ناهضا قدما
فما فاتهم منها به سلّموا لهوما شاركوه كان أوفرهم قسما
وفي كتاب أبي علي التنوخي: كان أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي الكاتب خصيصا بالوزير أبي علي ابن مقلة، وكان يعشق مغنية وكان ينفق عليها جميع ما يتحصل له، وله معها أخبار، وكانت هذه الجارية صفراء واسمها لهجة، فشرب معها ليلة وأصبح مخمورا، فآثر الجلوس معها وأراد الاعتذار إلى الوزير ابن مقلة من التأخر عن الخدمة وأن يخفي خبره عنه، فكتب رقعة يعتذر فيها
ويقول: إن الصفراء تحركت عليّ فتأخرت، فوقع على ظهر الرقعة بخطه: أنت تحركت على الصفراء ليس الصفراء تحركت عليك. قال: وهذا التوقيع يشبه ما أنشدنا علي بن هارون المنجم لنفسه في جاريته صفراء وقد شكا إلى الطبيب مرّة صفراء، ولا أدري أيهما أخذ من صاحبه:
جسّ الطبيب يدي وقال مخبّراهذا الفتى أودت به الصفراء
فعجبت منه إذ أصاب وما درىقولا وظاهر ما أراد خطاء
قلت أنا: وقريب من هذا قول الوزير المهلبي:
وقالوا للطبيب أشر فانانعدّك للعظيم من الأمور
فقال شفاؤه الرمّان مماتضمّنه حشاه من السعير
فقلت لهم أصاب بغير قصدولكن ذاك رمان الصدور
وكان لعلي بن هارون ولد يقال له أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم كان أديبا فاضلا إلا أني لم أقف له على تصنيف فلم أفرده بترجمة والمقصود ذكره، وقد ذكر هاهنا، روى عنه أبو علي التنوخي في «نشواره» فأكثر وقال: أنشدني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون لنفسه:
ما أنس منها لا أنس موقفهاوقلبها للفراق ينصدع
وقولها إذ بدا الصباح لهاقول فزوع أظلّه الجزع
ما أطول الليل عند فرقتناوأقصر الليل حين نجتمع
قال التنوخي وأنشدني أبو الفتح لنفسه، وكتب بها إلى أبي الفرج محمد بن
العباس [بن] فسانجس في وزارته وقد عمل على الانحدار إلى الأهواز:
قل للوزير سليل المجد والكرمومن له قامت الدنيا على قدم
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع