تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

علي بن هلال الكاتب

المعروف بابن البواب أبو الحسن، صاحب الخط المليح والاذهاب الفائق: وجدت بخط ابن الشبيه العلوي الكاتب صاحب الخط الفائق في آخر ديوان أبي الطمحان القيني بخطه ما صورته: وكتب في صفر سنة عشرين وأربعمائة من خط أبي الحسن علي بن هلال الستري مولى معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي وهذا قد كان بغير شك معاصره.

بلغني أنه كان في أول أمره مزوقا يصور الدور ثم صور الكتب ثم تعانى الكتابة ففاق فيها المتقدمين وأعجز المتأخرين، وكان يعظ بجامع المنصور، ولما ورد فخر الملك أبو غالب محمد بن خلف الوزير واليا على العراق من قبل بهاء الدولة أبي نصر ابن عضد الدولة جعله من ندمائه، وفي الجملة انه لم يكن له في عصره ذاك النّفاق الذي له بعد وفاته، وذاك أنني وجدت رقعة بخطه قد كتبها إلى بعض الأعيان يسأله فيها مساعدة صاحبه ابن منصور وانجاز وعد وعده به لا يساوي دينارين، وقد بسط القول في ذلك، استطلتها فانها كانت نحو السبعين سطرا فألغيت اثباتها، وقد بيعت بسبعة

عشر دينارا إمامية، وبلغني أنها بيعت مرة أخرى بخمسة وعشرين دينارا. مات فيما ذكره هلال بن المحسن بن الصابىء في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ودفن في جوار قبر أحمد بن حنبل، وذلك في خلافة القادر بالله، ورثاه المرتضى بشعر أذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.

وحدث في «كتاب المفاوضة» قال: حدثني أبو الحسن علي بن هلال المعروف بابن البواب الكاتب قال: كنت أتصرف في خزانة الكتب لبهاء الدولة بن عضد الدولة بشيراز على اختياري وأراعيها له وأمرها مردود إليّ، فرأيت يوما في جملة أجزاء منبوذة جزءا مجلدا بأسود قد السكري، ففتحته وإذا هو جزء من ثلاثين جزءا من القرآن بخط أبي علي ابن مقلة فأعجبني وأفردته وجعلت وكدي التفتيش عن مثله، فلم أزل أظفر بجزء بعد جزء مختلط في جملة الكتب إلى أن اجتمع تسعة وعشرون جزءا، وبقي جزء واحد استغرقت تفتيش الخزانة في مدة طويلة فلم أظفر به، فعلمت أن المصحف ناقص فأفردته، ودخلت إلى بهاء الدولة وقلت: يا مولانا ها هنا رجل يسأل حاجة قريبة لا كلفة فيها وهي مخاطبة أبي علي الموفق الوزير على معونته في منازعة بينه وبين خصم له ومعه هدية ظريفة تصلح لمولانا، قال: أي شيء هي؟

قلت: مصحف بخط أبي علي ابن مقلة، فقال: هاته وأنا أتقدم بما يريد، فأحضرت الأجزاء، فأخذ منها واحدا وقال أذكر وكان في الخزانة ما يشبه هذا وقد ذهب عني.

قلت: هذا مصحفك، وقصصت عليه القصة في طلبتي له حتى جمعته، وقلت:

هكذا يطرح مصحف بخط أبي علي إلا أنه ينقص جزءا، فقال لي: فتممه لي، قلت: السمع والطاعة، ولكن على شريطة أنك إذا أبصرت الجزء الناقص منها ولا تعرفه أن تعطيني خلعة ومائة دينار، قال: أفعل؛ وأخذت المصحف من بين يديه وانصرفت إلى داري ودخلت الخزانة أقلب الكاغد العتيق وما يشابه كاغد المصحف، وكان فيها من أنواع الكاغد السمرقندي والصيني والعتيق كلّ ظريف عجيب، فأخذت من الكاغد ما وافقني، وكتبت الجزء وذهّبته وعتّقت ذهبه وقلعت جلدا من جزء من

الأجزاء فجلدته به، وجلّدت الذي قلعت منه الجلد وعتقته، ونسي بهاء الدولة المصحف، ومضى على ذلك نحو السنة، فلما كان ذات يوم جرى ذكر أبي علي ابن مقلة فقال لي: ما كتبت ذلك؟ قلت بلى، قال: فأعطنيه، فأحضرت المصحف كاملا فلم يزل يقلّبه جزءا جزءا وهو لا يقف على الجزء الذي بخطي ثم قال لي: أيّما هو الجزء الذي بخطك؟ قلت له: لما لا تعرفه فيفتر في عينك، هذا مصحف كامل بخط أبي علي ابن مقلة ونكتم سرنا؟ قال: أفعل، وتركه في ربعة عند رأسه ولم يعده إلى الخزانة، وأقمت مطالبا بالخلعة والدنانير وهو يمطلني ويعدني، فلما كان يوما قلت: يا مولانا في الخزانة بياض صيني وعتيق مقطوع وصحيح فتعطيني المقطوع منه كله دون الصحيح بالخلعة والدنانير؟ قال: مرّ خذه، فمضيت وأخذت جميع ما كان فيها من ذلك النوع فكتبت فيه سنين.

ووجدت في تاريخ أبي الفرج ابن الجوزي قال»

: اجتاز أبو الحسن البتي الكاتب وكان مزاحا- وله في هذا الكتاب باب- وعلي بن هلال جالس على باب الوزير فخر الملك أبي غالب محمد بن خلف ينتظر الاذن، فقال له البتي: جلوس الأستاذ على العتب رعاية للنسب، فغضب ابن البواب وقال: لو أنّ إليّ أمرا ما مكنتك من دخول هذه الدار، فقال البتي: لا يترك الأستاذ صنعة الوالد بحال.

ولبعضهم يهجو ابن البواب:

من ذا رأيتم من النسّاخ متخذاسبال لصّ على عثنون محتال
هذا وأنت ابن بواب وذو عدمفكيف لو كنت ربّ الدار والمال

وكان ابن البواب يقول شعرا لينا منه- ونقلته من خط الجويني أيضا قال ونقلت من خطه أيضا في ضمن رسالة-:

ولو آني أهديت ما هو فرضللرئيس الأجلّ من أمثالي
للشاعر ابن البواب، اقرأ القصيدة
لنظمت النجوم عقدا إذارصّع غيري جواهرا بلآلي
للشاعر ابن البواب، اقرأ القصيدة
ثم أهديتها إليه وأقررت بعجزي في القول والأفعال
للشاعر ابن البواب، اقرأ القصيدة
غير أني رأيت قدرك يعلوعن نظير ومشبه ومثال
للشاعر ابن البواب، اقرأ القصيدة
فتفاءلت في الهدية بالاقلام علما مني بصدق الفال
للشاعر ابن البواب، اقرأ القصيدة
فاعتقدها مفاتح الشرق والغرب سريعا والسهل والأجبال
للشاعر ابن البواب، اقرأ القصيدة
فهي تستنّ إن جرين على القرطاس بين الأرزاق والآجال
للشاعر ابن البواب، اقرأ القصيدة
فاختبرها موقعا برسوم البرّ والمكرمات والإفضال
للشاعر ابن البواب، اقرأ القصيدة
واحظ بالمهرجان وابل جديد الدهر في نعمة بغير زوال
للشاعر ابن البواب، اقرأ القصيدة
وابق للمجد صاعد الجدّ عزّاوالرئيس الأجلّ نجم المعالي
للشاعر ابن البواب، اقرأ القصيدة
في سرور وغبطة تدع الحاسد منها مقطّع الأوصال
عضدتها السعود واستوطن الإقبال فيها وسالمتها الليالي
أيها الماجد الكريم الذي يبدأ بالعارفات قبل السؤال
للشاعر ابن البواب، اقرأ القصيدة
إن آلاءك الجزيلة عنديشرعت لي طريقة في المقال
للشاعر ابن البواب، اقرأ القصيدة
امنتني لديك من هجنة الردّ وفرط الإضجار والإملال
للشاعر ابن البواب، اقرأ القصيدة
وحقوق العبيد فرض على السادة في كلّ موسم للمعالي
وحياة الثناء تبقى على الدهر إذا ما انقضت حياة المال
للشاعر ابن البواب، اقرأ القصيدة

وكان تحت هذا الشعر بخط الجويني ما صورته: هذا شعر ابن البواب وهو عورة سترها ذلك الخط، ولولا أنّ الإجماع واقع في أنّ الرجل يفتن بشعره وولده لكان صاحب تلك الفضيلة يرتفع عن هذه النقيصة. وكتب تلميذه حسن بن علي الجويني.

ولقد عجبت ممن يزري على ذلك الشعر، وهو القائل ونقلته من خطه فقال:

كتبت إلى المولى القاضي الأجل شرف الدين السديد عبد الله بن عليّ أمتع الله الدنيا وأهلها ببقائه، وقد أبللت من مرضة صعبة:

عبد الاله السديد حقابغير زور وغير مين
يا شرف الدين يا فريداشرّف بالفضل دولتين
يا تاج فخري وكنز فقريويا معيني ونور عيني
قد كدت أقضي نحبي وأمضيوكدت تبقى بلا جويني

وكتب حسن بن علي الجويني في ذي القعدة سنة ست وستين وخمسمائة بالديار المصرية عمرها الله تعالى بدوام العز.

وقال المعري وضرب علي بن هلال مثلا:

طربن لضوء البارق المتعاليببغداد وهنا ما لهنّ وما لي
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
فيا برق ليس الكرخ داري وإنمارمى بي إليه الدهر منذ ليالي
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
فهل فيك من ماء المعرة نغبةتغيث بها ظمآن ليس بسالي
ولاح هلال مثل نون أجادهابماء النضار الكاتب ابن هلال
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

منها:

إذا لاح إيماض سترت وجوههاكأني عمرو والمطيّ سعالي
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

هذا بيت مشكل التفسير بعيد المرمى وذاك أن عمرو بن تميم بن مرّ بن أد بن طابخة ولد العنبر والهجيم ومازن، تقول العرب إن هؤلاء الاخوة الثلاثة أمهم السعلاة وهي الغولة، وأن عمرو بن تميم تزوجها فولدت له هؤلاء الثلاثة، ويقولون إن السعلاة إذا رأت البرق طلبته، وكان عمرو يحفظها من البرق إذا لاح فيغطّي وجهها، فغفل عنها مرة فلاح البرق فطلبته وقالت: يا عمرو أوصيك بولدك خيرا، ومضت ولم تعد إليه، فهذا معنى بيت المعري.

وقد ضربه بعض المتأخرين أيضا مثلا فقال يمدح رجلا يعرف بابن بدر بجودة الخط فقال:

يا ابن بدر علوت في الخطّ قدراحين ما قايسوك بابن هلال
ذاك يحكي أباه في النقص لماجئت تحكي أباك عند الكمال

قرأت بخط سلامة بن غياض: رأيت بالري بخط علي بن هلال «كتاب من نسب من الشعراء إلى أمه» لأبي عبد الله ابن الأعرابي وهم خمسون شاعرا وعلى ظهره «كتبه علي بن هلال في شهر ربيع الأول سنة تسعين وثلاثمائة» وبعد البسملة «يرويه ابن عرفة عن ثعلب عن ابن الأعرابي» وفي آخره بخطه «نقلته من نسخة وجدت عليها بخط شيخنا أبي الفتح عثمان بن جني النحوي أيده الله: بلغ عثمان بن جني نسخا من أوله وعرضا».

وكان لابن البواب يد باسطة في الكتابة، أعني الانشاء، وفصاحة وبراعة، ومن ذلك رسالة أنشأها في الكتابة، وكتبها إلى بعض الرؤساء، ونقلتها من خط الحسن بن علي الجويني الكاتب أولها: قد افتتحت خدمة سيدنا الأستاذ الجليل، أطال الله بقاءه وأدام تمكينه وقدرته وتمهيده، وكبت عدوه، المثال المقترن بهذه الرقعة افتتاحا يصحبه العذر إلى جليل حضرته من ظهور التقصير فيه والخلل البادي لمتأمليه، وقد كان من حقوق مجلسه الشريف أن يخدم بالغايات المرضية من كلّ صناعة تأديا لسؤدده وعلائه، وتصديا للفوز بجميل رائه، ولم يعدني عن هذه القضية جهل بها وقصور عن علمها، لكني هاجر لهذه الصناعة منذ زمن طويل هجرة قد أورثت يدي حبسة ووقفة حائلتين بينها وبين التصرف والافتنان، والوفاء بشرط الاجادة والاحسان، ولا خفاء عليه- أدام الله تأييده- بفضل الحاجة ممن تعاطى هذه الصناعة إلى فرط التوفر عليها، والانصراف بجملة العناية إليها، والكلف الشديد بها، والولوع الدائم بمزاولتها، فإنها شديدة النفار بطيئة الاستقرار، مطمعة الخداع وشيكة النزاع، عزيزة الوفاء، سريعة الغدر والجفاء، نوار قيدها الإعمال، شموس مهرها الوصال، لا تسمح ببعضها إلا لمن آثرها بجملته وأقبل عليها بكليته، ووقف على تألفها سائر زمنه، واعتاضها عن خلّه وسكنه، لا يؤيسه حيادها ولا يغرّه انقيادها، يقارعها بالشهوة والنشاط ويوادعها عند الكلال والملال، حتى يبلغ منها الغاية القصيّة ويدرك المنزلة العلية، وتنقاد الأنامل لتفتيح أزهارها وجلاء أنوارها، وتظهر الحروف موصولة

ومفصولة ومعمّاة ومفتّحة في أحسن صيغها وأبهج خلقها، منخرطة المحاسن في سلك نظامها، متساوية الأجزاء في تجاورها والتيامها، لينة المعاطف والأرداف، متناسبة الأوساط والأطراف، ظاهرها وقور ساكن، ومفتّشها رهج فاتن، كأنما كاتبها وقد أرسل يده وحث بها قلمه، رجّع فيها فكره ورويّته، ووقف على تهذيبها قدرته وهمته، القلب بها في حجر ناظره، والمعنى بها مظلوم بلفظه، وما ذهبت في هذه القضية مذهب المطرف المغرب بها ولا المعوّل على شوافعها، لكن نهجت بها سبيلا لأمثالها إقامة لرسم الخدمة المفروضة للسادة المنعمين على خدمهم وصنائعهم، فإن سعدت بنفاقها عليه وارتضائها لديه وإلا سلمت من وصمة التضجيع والإهمال وهجنة التقصير في شكر الإنعام والإفضال، ولسيدنا الأستاذ الجليل- أطال الله بقاءه- علوّ الرأي في الأمر بتسليم ما خدمت به وتصريفه بين عالي أمره ونهيه، إن شاء الله تعالى.

وحدث غرس النعمة محمد بن هلال بن المحسن بن ابراهيم بن هلال الصابىء في «كتاب الهفوات» قال: كان في الديوان كاتب يعرف بأبي نصر ابن مسعود فلقي يوما أبا الحسن علي بن هلال البواب الكاتب ذا الخط المليح في بعض الممرات فسلّم عليه وقبّل يده فقال له ابن البواب: الله الله يا سيدي ما أنا وهذا؟

فقال: لو قبلت الأرض بين يديك لكان قليلا، قال: ولم ذاك يا سيدي وما الذي أوجبه واقتضاه؟ قال: لأنك تفردت بأشياء ما في بغداد كلها من يشاركك فيها، منها الخط الحسن وأنّه لم أر عمري كاتبا من طرف عمامته إلى طرف لحيته ذراعان ونصف غيرك، فضحك أبو الحسن منه وجزّاه خيرا وقال له: أسألك أن تكتم هذه الفضيلة عليّ ولا تكرمني لأجلها، قال له: ولم تكتم فضائلك ومناقبك؟ فقال له: أنا أسألك هذا، فبعد جهد ما أمسك، وكانت لحية ابن البواب طويلة جدا.

قال المؤلف: وأما الشعر الذي رثاه به المرتضى فهو:

رديت يا ابن هلال والردى عرضلم يحم منه على سخط له البشر
ما ضرّ فقدك والأيام شاهدةبأنّ فضلك فيه الأنجم الزهر
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «من مثلها كنت تخشى أيها الحذر»
أغنيت في الأرض والأقوام كلّهممن المحاسن ما لم يغنه المطر
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «من مثلها كنت تخشى أيها الحذر»
فللقلوب التي أبهجتها حزنوللعيون التي أقررتها سهر
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «من مثلها كنت تخشى أيها الحذر»
وما لعيش إذا ودعته أرجولا لليل إذا فارقته سحر
وما لنا بعد أن أضحت مطالعنامسلوبة منك أوضاح ولا غرر
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «من مثلها كنت تخشى أيها الحذر»

علي بن الهيثم الكاتب المعروف بجونقا:

كان من الكتاب المستخدمين في ديوان المأمون وغيره من الخلفاء، وكان فاضلا أديبا كثير الاستعمال للتقعير والقصد لعويص اللغة حتى قال المأمون فيما حدّث به الفضل بن محمد اليزيدي عن أبيه قال:

قال المأمون أنا أتكلم مع الناس أجمعين على سجيّتي إلا علي بن الهيثم فإني أتحفظ إذا كلمته لأنه يغرق في الإعراب.

ونقلت من خط الصولي في «أخبار شعراء مصر» قال: وممن دخل مصر خالد بن أبان الكاتب الأنباري أخو عبد الملك بن أبان، حدثني الحسين بن علي الباقطائي أنه شخص إلى مصر فبلغه اتساع حال علي بن الهيثم، وكانت بينهما حرمة وكيدة، فكتب إليه من مصر بشعر طويل منه وكتب بماء الذهب:

على الخالق الباري توكلت إنهيدوم إذا الدنيا أبادت قرونها
للشاعر خالد القناص، اقرأ القصيدة
فداؤك نفسي يا عليّ بن هيثمإذا أكلت عجف السنين سمينها
للشاعر خالد القناص، اقرأ القصيدة
رميتك من مصر بأمّ قلائديتزفّ وقد أقسمت ألا تهينها
للشاعر خالد القناص، اقرأ القصيدة
بأبيات شعر خطّ بالتبر وشيهاإليك وقدما حال حولان دونها
للشاعر خالد القناص، اقرأ القصيدة

ويذكر فيه خبره مع غرمائه والقاضي، فبعث إليه بسفتجة بألف دينار، وكتب إلى عامل مصر في استعماله فحسنت حاله.

وقال الجهشياري: كان لخالد بن أبان الكاتب الأنباري الشاعر حرمة بعلي بن الهيثم وبأبيه أيام مقامهم بالأنبار، ثم شخص خالد بن أبان إلى مصر وتزوج بها وولد له، وأضاق واختلت حاله فاستدان من التجار ما أنفقه، فكثر غرماؤه وقدّموه إلى القاضي فحبسه ثم فلّسه وأطلقه، وأقام بمصر وساءت حاله، وبلغه أن عليا قد عظم قدره وتقلّد ديوان الخراج للفضل بن الربيع لما استوزره الرشيد بعد البرامكة، وارتفع مع المأمون بعد ذلك، فكتب إليه قصيدة نحوا من سبعين بيتا في رقّ بالذهب وبعث بها إليه أولها: «على الخالق الباري» الأبيات المذكورة فوجه إليه بألف دينار.

قال أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان حدثنا أبو علي الحسن بن بشر حدثني أبي قال: دخل علي بن الهيثم إلى سوق الدواب فلقيه نخّاس فقال له: هل من حاجة؟ قال: نعم الحاجة أناختنا بعقوتك، أردت فرسا قد انتهى صدره، وتقلقلت عروقه، يشير بأذنيه، ويتعاهدني بطرف عينيه، ويتشوّف برأسه، ويعقد عنقه، ويخطر بذنبه، ويناقل برجليه، حسن القميص جيد الفصوص، وثيق القصب، تام العصب، كأنه موج لجة أو سيل حدور، فقال له النخاس: هكذا كان ﷺ.

وقال المرزباني في «المعجم»: علي بن الهيثم التغلبي كاتب الفضل بن الربيع: كان لسنا فصيحا شاعرا، عاتبه الفضل يوما على تأخره عنه وزاد عليه فقال:

وجدني الفضل رخيصا جدّافعقني وازورّ عني صدّا
وظنّ والظنون قد تعدّىأني لا أصيب منه بدّا

أعدّ منه ألف بدّ عدّا

وانصرف فلم يعمل للسلطان عملا.

حدثنا محمد اليزيدي قال: شهدت المأمون وهو جالس على دكة الشماسية وعنده أحمد بن الجنيد الاسكافي وجماعة من الخاصة إذ دخل عليه علي بن الهيثم المعروف بجونقا فلما قرب منه قال: يا عدوّ الله يا فاسق يا لصّ يا خبيث، سرقت الأموال وانتهبتها، والله لأفرقنّ بين لحمك وعظمك ولأفعلن ولأفعلن، ثم سكن غضبه قليلا فقال أحمد بن الجنيد: نعم والله يا أمير المؤمنين إنه وإنه، ولم يدع شيئا من المكروه إلا قاله فيه، فقال له المأمون وقد هدأ غضبه: يا أحمد ومتى اجترأت عليّ هذه الجرأة؟ رأيتني وقد غضبت فأردت أن تزيد في غضبي؟! أما إني سأؤدبك وأؤدب بك غيرك، يا علي بن الهيثم قد صفحت عنك ووهبت لك كلّ ما كنت أقدر أن أطالبك به، ثم رفع رأسه إلى الحاجب وقال: لا يبرح ابن الجنيد الدار حتى يحمل إلى علي بن الهيثم مائة ألف درهم ليكون له بذلك عقل، فلم يبرح حتى حملها.

الجهشياري: أمر المأمون أن يؤذن للناس إذنا عاما وأن يجلسوا على مراتبهم كانت قديما إلى أن تعرض عليه فيأمر فيها بأمره، ففعلوا ذلك، ودخل علي بن الهيثم فجلس في مجلس العرب وتغامز الكتاب عليه، وأقبل عبيد الله بن الحسن العلوي فقال إبراهيم بن إسماعيل بن داود الكاتب للكتاب: أطيعوني وقوموا معي، فمضوا بأجمعهم مستقبلين لعبيد الله بن الحسن، فسلموا عليه فردّ عليهم فقالوا: لنا حاجة، فقال: مقضيّة، قالوا: تجلس في مجلسنا فقال: سبحان الله ينكر ذلك أمير المؤمنين، قالوا: هي حاجة تقضيها لنا ونحتمل ما ينالك فيها، قال: أفعل لعلمي بموقع الكتاب من قلوب السلاطين وقدرتهم على إصلاح قلوبهم إذا فسدت وإفسادها إذا صلحت، ومال إلى ناحيتهم فجلس معهم، وكتب صاحب المراتب إلى المأمون، فلما وقف على الموضع الذي جلس فيه عبيد الله أنكره وبعث اليه: ما هذا المجلس الذي جلست فيه؟ فقال إبراهيم بن إسماعيل للرسول: تبلّغ أمير المؤمنين عنا السلام

وتقول له خدمك وعبيدك الكتاب يقولون: العدل والانصاف موجودان عندك وعند أهلك، أخذتم منا رجلا من وجوه النبط فأخذنا مكانه وجها من وجوه أهلك، ذلك علي بن الهيثم جالس مع العرب، فردّوا علينا رجلنا وخذوا رجلكم، فضحك جميع من في داره وتشوّر علي بن الهيثم، وضحك المأمون وقال: لقد مني علي بن الهيثم من إبراهيم بن إسماعيل ببلاء عظيم.

وكان أبو يعقوب إسحاق بن حسان الخريمي قد أغري بهجاء علي بن الهيثم الأنباري الكاتب، وكان السبب في ذلك أنه وقع لأبي يعقوب عنده ميراث فدافعه فهجاه، وكان علي بن الهيثم متشدقا متفيهقا يدعي العربية ويقول إنه تغلبي، وكان من قرية يقال لها أنقوريا، ففي ذلك يقول الخريمي:

أنقوريا قرية مباركةتقلب فخّارها إلى الذهب

محمد بن علي العباسي عن أبيه: قال شهدت علي بن الهيثم جونقا وقد حضره منارة صاحب الرشيد فقال له: يا منارة استلبت لوطي، فقال: أصلحك الله ما ظننتك تتلقّاني بمثل هذا، شيخ مثلي يلعب بالصبيان، فضحك جميع من في المجلس (اللّوط الازار، كأنه أراد أنك لم تحسن عشرتي وأنك أخذت ثيابي).

وذكر حماد بن إسحاق عن بشر المريسي قال: حضرت المأمون أنا وثمامة ومحمد بن أبي العباس الطوسي وعلي بن الهيثم فتناظروا في التشيع، فنصر محمد بن أبي العباس مذهب الامامية، ونصر علي بن الهيثم مذهب الزيدية، وشرق الأمر بينهما إلى أن قال محمد بن أبي العباس لعلي بن الهيثم: يا نبطي ما أنت والكلام؟! فقال المأمون، وكان متكئا فجلس: الشتم عيّ والبذاء لؤم، وقد أبحنا الكلام وأظهرنا المقالات فمن قال بالحقّ حمدناه، ومن جهل وقفناه، ومن ذهب عن الأمر حكمنا فيه بما يجب، فاجعلا بينكما أصلا فإن الكلام الذي أنتم فيه من الفروع، فإذا افترعتما شيئا رجعتما إلى الأصول. ثم عادا إلى المناظرة فأعاد محمد بن أبي العباس لعلي بن الهيثم مثل مقالته الأولى فقال له عليّ: والله لولا جلالة المجلس وما وهب الله من

رأفة أمير المؤمنين وأنه قد نهانا لأعرقت جبينك، وحسبنا من جهلك غسلك المنبر بالمدينة، فاستشاط المأمون غضبا على محمد، وأمر باخراجه فعاذ بطاهر حتى شفع فيه فرضي عنه.

ميمون بن هارون بن مخلد بن أبان: حدثني أبي قال أدخلني أبي مخلد بن أبان مع القاسم بن أحمد بن الجنيد، وكان مخلد وأحمد متواخيين في شراء غلّات السواد، فأشرفنا على ربح عشرة آلاف ألف درهم، ثم اتضع السعر فحصل علينا وضيعة ستة آلاف ألف درهم، فطولبنا بها أشدّ مطالبة، واشتد كتاب المأمون علينا فيها، وكان المأمون يستاك في كل يوم ساعتين كاملتين، فدعاني المأمون يوما وهو يستاك وكلّمني بشيء ثم قال لي ما معنى قول الخريمي في علي بن الهيثم.

فدبنقا لذا الحديث دبنقا

فقلت له: أنا أتكلم بالنبطية ولا أعلم ما معنى هذا، وأحمد بن الجنيد أرطن بها مني، فأومأ إليّ بمسواكه أن انصرف، فانصرفت فما بلغت الستر حتى لقيني أحمد بن الجنيد داخلا، وكان إذا خرج من الدار قبلي انتظرني وإذا خرجت قبله انتظرته، فوقفت منتظرا له فإذا به قد خرج فقلت له: ما كان خبرك؟ فأخرج إليّ توقيع المأمون بخطه بترك ما كنا نطالب به من الستة الآلاف ألف عن ابني وابنه وقال: قال لي ما معنى قول الخريمي: فدبنقا لذا الحديث دبنقا. فقلت: ضرطا لذا الحديث ضرطا فضحك وقال لي: إني سألت مخلدا عنها فلم يعرفها فاسأل حاجة فقلت: ابتاع ابني وابن مخلد غلات السواد وقدرنا الربح فخسرنا ستة آلاف ألف درهم ولا حيلة لنا فيها، وضيعتي بجلولا تساوي ثلاثة آلاف ألف درهم، فيأمر أمير المؤمنين بأخذها عن ابن مخلد وتسبيب ما على ابني على الاحالة أو الاقالة فقال: ويحك تبذل نفسك وضيعتك عن ابن مخلد، فقلت: نعم أنا غررته وأمّلت الربح ومنعته أن يعقده على التجار ويتعجّل فضله، وقد كانوا بذلوا لنا فيه ربحا كبيرا فقال، لي: أيّ نبطي أنت؟! هات الدواة فقدّمتها إليه، فوقع بابرائنا جميعا من المال وترك ضيعتي عليّ.

وقال المأمون يوما: ببابي رجلان أحدهما أريد أن أضعه وهو يرفع نفسه، وهو عليّ بن الهيثم، والآخر أريد أن أرفعه وهو يضع نفسه، وهو الفضل بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.