من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
علي بن يوسف يعرف بابن البقال
يكنى أبا الحسن: قال أبو عبد الله الخالع: هو من أهل بغداد وممن نادم المهلبي ونفق عليه، وكانت له محاضرة حسنة وبضاعة في الأدب صالحة، وطبقة في الشعر جيدة، يذهب مذهب النامي في التطبيق والتجنيس وطلب الصنعة، وكان بكثرة نوادره ومزاحه مستطابا متقبّلا، وكان حسن اليسار جميل الزيّ يلبس الدرّاعة، وخلّف لما مات ما يزيد على مائة ألف درهم، وكانت وفاته في أيام شرف الدولة بن عضد الدولة، ومنزله في سكة العجم من الزبيدية بالجانب الغربي من مدينة السلام، وخلّف ابنة وزوجة، فأحبت امرأته أحد بني المنجم وزوّجت ابنتها به فأنفقت المال عليه، وماتت الزوجة ولازمته أمها تخدمه كما تخدم المنقطعات.
قال: وكان ابن البقال بخيلا جشعا، وكان يلقاني في أيام عضد الدولة فيقول:
يا سيدي ما عندك من حديث الشعراء؟ فأقول: قد أمر لهم بمال ولك بجائزة سنية منها كذا وكذا ومنها كذا وكذا، وأكثر عليه فيقول:
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنىوإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
ولقيني مرة والسلاميّ معي فسألني عن مثل ذلك فأجبته بمثل الجواب المقدم ذكره، فقال له السلامي، يكذب، والله ما أمر إلا بقطع أيديهم وأرجلهم فقال:
«حوالينا الصدود ولا علينا».
وأنشد الخالع لابن البقال يعاتب بعض أصدقائه:
وإني في استعطاف رأي محمدعليّ ومدّي نحو معروفه يدي
لكالمبتغي من بعد تسعين حجةتقمّصها رجع الشباب المجدد
سأشكو اعتداء منك لولاه ما درتصروف الليالي في الهوى كيف تعتدي
فلله قلبي حين أدعو إلى الهوىوأعلم حقا أنه غير مهتدي
وله:
ولما وقفنا للوداع ودونناعيون ترامى بالظنون ضميرها
أماطت عن الشمس المنيرة برقعافغيّبنا عن أعين الناس نورها
وله:
يا مذنبا ويقول إني مذنبما إن سمعت بظالم يتظلّم
لك صورة ذلّ الجمال لحسنهاتقضي بجور في النفوس وتحكم
ومن العجائب أنّ طرفك مشعرسقما وأنت بسقمه لا تعلم
وله:
يا طرفها هب لطرفي لذة الوسنواستبق ما لا يقلّ الثوب من بدني
حاشاك فيّ من الشكوى وان ذهبتعيني من الدمع أو قلبي من الحزن
ولا أقول ولو أتلفتني أسفايا ليت ما كان من حبيك لم يكن
وله:
لئن كان طرفي فاز منك بنظرةلقد عاد طرفي بالبلاء على قلبي
جعلت الهوى ذنبي فان كنت مذنبابه فاليك العذر من ذلك الذنب
ولما رأيت البعد منك مقربيتباعدت كي أحظى على البعد بالقرب
محمد لا تجمع إلى الهجر غدرةفحسبي الذي بي من فراقك يا حسبي
وله يمدح المهلبي:
أنوار أنت كما دعيت نوارلم تقض منك قضاءها الأوطار
يا لحظة لحظ الحمام معيدهاما كان منك لناظر إنظار
وإذا تساقطك الحديث تخالهكأسا عليك من العقار تدار
إني ذكرتك والغرام مواصلنفسا عليك يهيجه التذكار
متوقد منه الضمير كأنمانيرانه من وجنتيك تعار
هو في الجفون إذا مرته زفرةماء يمور وفي الجوانح نار
ولربّ ليل من ذراك خمارهللنجم فيه من الغمام خمار
قد قلت حين طلعت فيه ببدرهأرأيت كيف تشابه الأقمار
يا صاحبيّ قفا بنجد عبرةحيث الدموع إذا ابتدرن بدار
في منزل لبست بما لبس البلىمنّي المشيب غدائر وعذار
ولئن محتك يد الخطوب لما امّحىلهوى ديارك في الفؤاد ديار
ولربما اهتزت ربوعك بالندىوتنفست بنسيمك الأسحار
ومنها في المدح:
وإذا بدا يوم الكريهة ضاحكافهناك تسكب دمعها الأعمار
حتى إذا بصروا بعقد لوائهعقدت مهابتها بها الأسرار
في شرب هيجاء إذا اصطبحوا القنافالطعن سكر والحمام قمار
لهم من البيض الرقاق تحيةفي حوسها ومن الدماء عقار
نهضت بعبء الملك منك عزائمللدهر بين عثارهن عثار
لك هضبة في الملك قحطانيةطرق الحوادث نحوها أوعار
كجبال أندية الوقار إذا احتبواوليوث ملحمة الوغى إن ثاروا
عجبا لأبناء المهلب إنهملم يعدلوا في المجد حتى جاروا
لم يطوهم دهر مضى إلا لهمبالجود في آثاره آثار
فعطاؤك الرزق المقسّم في الورىوالدهر أنت وسيفك المقدار
وله أيضا في المهلبي:
لعينك إذ سار الخليط المغوّرعلى كلّ واد دمعة تتحدّر
نعم إن رسما بات تطوي به النوىمحاسن كانت بالأوانس تنشر
أرى وانيا من عبرة كيف لا ينيوعلّم طرفا راقدا كيف يسهر
وقفنا ومن ألحاظنا وقلوبنالنا رائدا شوق مسرّ ومظهر
يحلي ربى آرامه ونحورناجفون بسمطيها من الدمع جوهر
فمن بين معقود يبين فرندهعلينا ومحلول عليهنّ ينثر
وسرب رمين النجم في أخرياتهبسافرة من وجهها الشمس تسفر
بدت ويمين الصبح يبدو لثامهفلم يدر ليل أي صبحيه أنور
ومادت فقلنا الغصن جادت به النقابما آد من مجرى الوشاح المؤزّر
أعاطل أجياد الأماني من التيبها الوفر إمّا استهلك العرض أوفر
لئن عدّ فخرا لبسك المجد من أبفلبس الفتى من نفسه المجد أفخر
وما ينفع الملتاح يورد مورداإذا كان ظمآنا عن الورد يصدر
آلا بادرا عون التواني بدلجةيذلّ لها خدّ من العيس أصعر
أما تريان الليل يحدو ظلامهبوجه القبيصيّ الصباح المنور
فتى يمتري سجلي نداه وبأسهلهاذم تدمي أو غمائم تمطر
وكالدهر لا يدري الذي هو رائمبخطب إذا ما أمّه كيف يحذر
ويوم رماه النقع منه بليلةكواكبها فيه الأسنّة تزهر
طبعن من الأحقاد في كلّ مأزقفلا حائن إلّا لها منه مضمر
دلفت كأن الموت كان مؤامراسيوفك منه والنفوس تقطّر
بمجر له في كلّ فجّ طليعةوفي كلّ أرض منه ذيل يجرّر
سحبت رداء الموت فيه بوقعةرداء الفتى فيه من الطعن أقمر
وأضحكت منه الجوّ والنقع كاتمبه الشمس عن شمس بها البيض تشهر
بحيث شفوف الأتحميّ مفاضةإذا زعزع الخطيّ والتاج مغفر
تفرق في تفريقها الهام والتقىعلى قدر فيها الحمام المقدر
عزائم يرمين الخطوب كأنمايقارع منها عسكر الدهر عسكر
وله في المهلبي أيضا:
عندي لذا الدهر إعقابي إساءتهبالصفح إن أعقب الإصرار بالندم
أمست منازل من حيّت مصافحةأيدي النحول عليها أيدي القدم
ولو ملكت لها السقيا وهامدهاتكفكف المحل عنه أدمع الرحم
لقلت للسحّ من أيدي الوزير إذاحللت ناحلة الأطلال لا ترم
اليعربيّ الذي خلّى الطريق لهمن يأخذ [الناس] رعبا منه باللقم
يزاحم الليل ليل من جحافلهويقذف الوهدات الجرد بالأكم
أطار منهم قذاة في عيونهملو أنها في جفون الدهر لم ينم
أبقى له الخوف من أشغال يقظتهمما بات يرسله ليلا إلى الحلم
عافت سيوفك في الهيجا لحومهمفهن يأكلن منها إكلة البشم
وله أيضا فيه:
روعة بالفراق قبل الفراقشرقت بالدموع منها المآقي
جدّ جدّ البكا فأهدين باقي الدمع منها إلى كرى غير باق
فاض تندى به الخدود ولو غاض لأمست منه الحشا في احتراق
وعذارى تريك من سربها العين رنوّ الأحداق للأحداق
مخطفات لو شئن من هيف الخصر تبدّلن خاتما من نطاق
حاليات تبدي المعاصم والسوق وتخفي الأجياد في الأطواق
لا تغرّنك غفلة الدهر فالعزمة إمضاؤها مع الإطراق
قد أرانا ابتسامه الدهر لماأطلع الجود شمسه بالعراق
بالمصفّى اللباب والأروع البسّام بشرا والفاتق الرتاق
ومعير معاندي الملك حدّاقاضيا في شقاقهم والنفاق
حين حرّ الهوى بحران والبيض لها من غمائم الهام ساق
بعد ما زعزع الجزيرة بالخطيّ يكرعن في الدماء الرقاق
وأطارت بجوّ سنجار للموت ظباه نارا بلا إحراق
في غمام من العجاج ووبليسم الأرض من حميم العتاق
حين والى بها شوازب يفضين إلى كلّ دارة من طراق
كالحات كأنما نفث الصاب العوالي منهنّ في الأشداق
وكان ابن البقال يترفع عن الاختلاط بالشعراء ويتكبر عليهم، وكان الرؤساء يكرمونه ويقومون له إذا دخل إليهم، وكان ابن العميد يقدّمه على الناس كلهم ويعظمه، وأحضره المهلبي فأنشده بحضرة المتنبي قصيدة فيه؛ قال فحدثني الإمام الهاشمي قال قال لي المتنبي: ما رأيت ببغداد من يجوز أن يقطع عليه اسم شاعر إلا ابن البقال.
قال ابن عبد الرحيم: وحدثني الأستاذ أبو الحسين ابن محفوظ، وقد جرى ذكر ابن البقال، فقال: كان أقل ما فيه الشعر، فغلب عليه وعرف به، وانه كان يضطلع بعلوم كثيرة من جملتها الكلام، وكان قويا فيه مقدّما في المعرفة به، وكان يقول بتكافؤ الأدلة، وهو بئس المذهب.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع