تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

محمد بن أحمد أبو الريحان البيروني الخوارزمي

وهذه النسبة معناها

البراني، لأن بيرون بالفارسية معناه برّا، وسألت بعض الفضلاء عن ذلك فزعم أن مقامه بخوارزم كان قليلا، وأهل خوارزم يسمون الغريب بهذا الاسم، كأنه لما طالت غربته عنهم صار غريبا، وما أظنه يراد به إلا أنه من أهل الرستاق، يعني أنه من برّا البلد. ومات السلطان محمود بن سبكتكين في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وأبو الريحان حيّ بغزنة، وجدت «كتاب تقاسيم الأقاليم» تصنيفه وخطّه وقد كتبه في هذا العام.

ذكره محمد بن محمود النيسابوري فقال: له في الرياضيات السبق الذي لم يشقّ المحضرون غباره، ولم يلحق المضمّرون المجيدون مضماره، وقد جعل الله الأقسام الأربعة له أرضا خاشعة سخت له لواقح مزنها واهتزّت به يوانع نبتها فكم مجموع له [رفرف] على روض النجوم ظله، وترقرق على كبد السماء طله.

وبلغني أنه لما صنف «القانون المسعودي» أجازه السلطان بحمل فيل من نقده الفضي [إليه] فرده إلى الخزانة بعذر الاستغناء عنه، ورفض العادة في الاستغناء به، وكان ﵀ مع الفسحة في التعمير، وجلالة الحال في عامة الأمور، مكبّا على تحصيل العلوم منصبّا إلى تصنيف الكتب، يفتح أبوابها، ويحيط شواكلها وأقرابها، ولا يكاد يفارق يده القلم وعينه النظر وقلبه الفكر إلا في يومي النيروز والمهرجان من السنة لإعداد ما تمسّ إليه الحاجة في المعاش، من بلغة الطعام وعلقة الرياش، ثم هجّيراه في سائر الأيام من السنة علم يسفر عن وجهه قناع الأشكال ويحسر عن ذراعيه كمام الاغلاق.

حدث القاضي كثير بن يعقوب البغدادي النحوي في الستور عن الفقيه أبي الحسن علي بن عيسى الولوالجي قال: دخلت على أبي الريحان وهو يجود بنفسه، قد حشرج نفسه وضاق به صدره، فقال لي في تلك الحال: كيف قلت لي يوما حساب

الجذرات الفاسدة؟ فقلت له إشفاقا عليه: أفي هذه الحالة؟ قال لي: يا هذا أودّع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، ألا يكون خيرا من أن أخلّيها وأنا جاهل بها؟ فأعدت ذلك عليه وحفظ وعلمني ما وعد، وخرجت من عنده وأنا في الطريق، فسمعت الصراخ.

وأما نباهة قدره وجلالة خطره عند الملوك فقد بلغني من حظوته لديهم أن شمس المعالي قابوس بن وشمكير أراد أن يستخلصه لصحبته ويرتبطه في داره على أن تكون له الإمرة المطاعة في جميع ما يحويه ملكه، ويشتمل عليه ملكه، فأبي عليه ولم يطاوعه، ولما أسمحت قرونته بمثل ذلك لخوارزمشاه [آواه] في داره وأنزله معه في قصره، ودخل خوارزمشاه يوما وهو يشرب على ظهر الدابة فأمر باستدعائه من الحجرة فأبطأ قليلا فتصور الأمر على غير صورته، وثنى العنان نحوه ورام النزول فسبقه أبو الريحان إلى البروز وناشده الله ألا يفعل، فتمثل خوارزمشاه:

العلم من أشرف الولاياتيأتيه كلّ الورى ولا ياتي

ثم قال: لولا الرسوم الدنياوية لما استدعيتك فالعلم يعلو ولا يعلى. وكأنه سمع هذا في أخبار المعتضد فانه كان يوما يطوف في البستان وهو آخذ بيد ثابت بن قرّة الحراني، إذ جذبها دفعة وخلّاها، فقال ثابت: ما بدا يا أمير المؤمنين؟ قال: كانت يدي فوق يدك والعلم يعلو ولا يعلى.

ولما استبقاه السلطان الماضي لخاصّة أمره وحوجاء صدره كان يفاوضه فيما يسنح لخاطره من أمر السماء والنجوم، فيحكى أنه ورد عليه رسول من أقصى بلاد الترك، وحدّث بين يديه بما شاهد فيما وراء البحر نحو القطب الجنوبي من دور الشمس عليه ظاهرة في كلّ دورها فوق الأرض بحيث يبطل الليل، فتسارع على عادته في التشدد في الدين إلى نسبة الرجل إلى الالحاد والقرمطة، على براءة أولئك القوم عن هذه الآفات، حتى قال أبو نصر ابن مشكان: إن هذا لا يذكر ذلك عن رأي

يرتأيه، ولكن عن مشاهدة يحكيه، وتلا قوله عزوجل وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً

(الكهف:) فسأل أبا الريحان عنه فأخذ يصف له على وجه الاختصار ويقرّره على طريق الاقناع. وكان السلطان في بعض الأوقات يحسن الإصغاء ويبذل الإنصاف، فقبل ذلك، وانقطع الحديث بينه وبين السلطان وقتئذ.

وأما ابنه السلطان مسعود فقد كان فيه إقبال على علم النجوم ومحبة لحقائق العلوم، ففاوضه يوما في هذه المسألة وفي سبب اختلاف مقادير الليل والنهار في الأرض وأحبّ أن يتّضح له برهان ما لم يصحّ له من ذلك بعيان، فقال له أبو الريحان: أنت المنفرد اليوم بامتلاك الخافقين والمستحقّ بالحقيقة اسم ملك الأرض فأخلق بهذه المرتبة إيثار الاطلاع على مجاري الأمور وتصاريف أحوال الليل والنهار، ومقدارها في عامرها وغامرها، وصنّف له عند ذلك كتابا في اعتبار مقدار الليل والنهار بطريق تبعد عن مواضعات المنجمين وألقابهم، ويقرّب تصوّرهم من فهم من لم يرتض بها ولم يعتدها، وكان السلطان الشهيد قد مهر بالعربية فسهل وقوفه عليه وأجزل إحسانه إليه.

وكذلك صنّف كتابه «في لوازم الحركتين» بأمره، وهو كتاب جليل لا مزيد عليه مقتبس أكثر كلماته عن آيات من كتاب الله عزوجل. وكتابه المترجم «بالقانون المسعودي» يعفّي على أثر كلّ كتاب صنّف في تنجيم أو حساب. وكتابه الآخر المعنون بالدستور الذي صنفه باسم شهاب الدولة أبي الفتح مودود بن السلطان الشهيد مستوف أحاسن المحاسن.

قال مؤلف الكتاب: هذا ذكره محمد بن محمود، وإنما ذكرته أنا هاهنا لأن الرجل كان أديبا أريبا لغويا له تصانيف في ذلك رأيت أنا منها: كتاب شرح شعر أبي تمام رأيته بخطه لم يتمه. كتاب التعلل باجالة الوهم في معاني نظم أولي الفضل.

كتاب تاريخ أيام السلطان محمود وأخبار أبيه. كتاب المسامرة في أخبار خوارزم.

كتاب مختار الأشعار والآثار. وأما سائر كتبه في علوم النجوم والهيئة والمنطق والحكمة فانها تفوق الحصر، رأيت فهرستها في وقف الجامع بمرو في نحو الستين ورقة بخط مكتنز.

وحدثني بعض أهل الفضل أن السبب في مصيره إلى غزنة أن السلطان محمودا لما استولى على خوارزم قبض عليه وعلى أستاذه عبد الصمد أول بن عبد الصمد

الحكيم واتهمه بالقرمطة والكفر، فأذاقه الحمام، وهمّ أن يلحق به أبا الريحان فساعده فسحة الأمل بسبب خلّصه من القتل، وقيل له إنه إمام وقته في علم النجوم وإن الملوك لا يستغنون عن مثله، فأخذه معه، ودخل إلى بلاد الهند وأقام بينهم وتعلّم لغتهم واقتبس علومهم، ثم أقام بغزنة حتى مات بها أرى في حدود سنة ثلاث وأربعمائة عن سن عالية. وكان حسن المحاضرة طيّب العشرة خليعا في ألفاظه عفيفا في أفعاله، لم يأت الزمان بمثله علما وفهما، وكان يقول شعرا إن لم يكن في الطبقة العليا فانه من مثله حسن، منه في ذكر صحبة الملوك ويمدح أبا الفتح البستي، من «كتاب سر السرور»:

مضى أكثر الأيام في ظلّ نعمةعلى رتب فيها علوت كراسيا
فآل عراق قد غذوني بدرّهمومنصور منهم قد تولّى غراسيا
وشمس المعالي كان يرتاد خدمتيعلى نفرة مني وقد كان قاسيا
وأولاد مأمون ومنهم عليّهمتبدّى بصنع صار للحال آسيا
وآخرهم مأمون رفّه حالتيونوّه باسمي ثم رأس راسيا
ولم ينقبض محمود عني بنعمةفأغنى وأقنى مغضيا عن مكاسيا
عفا عن جهالاتي وأبدى تكرماوطرّى بجاه رونقي ولباسيا
عفاء على دنياي بعد فراقهموواحزني أن لم أزر قبل آسي
اولما مضوا واعتضت منهم عصابةدعوا بالتناسي فاغتنمت التناسيا
وخلّفت في غزنين لحما كمضغةعلى وضم للطير للعلم ناسيا
فأبدلت أقواما وليسوا كمثلهممعاذ الهي أن يكونوا سواسيا
بجهد شأوت الجالبين أئمةفما اقتبسوا في العلم مثل اقتباسيا
فما بركوا للبحث عند معالمولا احتبسوا في عقدة كاحتباسيا
فسائل بمقداري هنودا بمشرقوبالغرب من قد قاس قدر عماسيا
فلم يثنهم عن شكر جهدي نفاسةبل اعترفوا طرا وعافوا انتكاسيا
أبو الفتح في دنياي مالك ربقتيفهات بذكراه الحميدة كاسيا
فلا زال للدنيا وللدين عامراولا زال فيها للغواة مواسيا

ومن أقوم شعره قوله لشاعر اجتداه:

يا شاعرا جاءني يخرى على الأدبوافى ليمدحني والذمّ من أدبي
وجدته ضارطا في لحيتي سفهاكلا فلحيته عثنونها ذنبي
وذاكرا في قوافي شعره حسبيولست والله حقا عارفا نسبي
إذ لست أعرف جدّي حقّ معرفةوكيف أعرف جدي إذ جهلت أبي
إني أبو لهب شيخ بلا أدبنعم ووالدتي حمالة الحطب
المدح والذمّ عندي يا أبا حسنسيّان مثل استواء الجدّ واللعب
فأعفني عنهما لا تشتغل بهمابالله لا توقعن مفساك في تعب

وله:

ومن حام حول المجد غير مجاهدثوى طاعما للمكرمات وكاسيا
وبات قرير العين في ظلّ راحةولكنه عن حلة المجد عاريا

وله في التجنيس:

فلا يغررك مني لين مسّتراه في دروس واقتباس
فأني أسرع الثقلين طرّاإلى خوض الردى في وقت باس

ومنه:

تنغص بالتباعد طيب عيشيفلا شيء أمرّ من الفراق
كتابك إذ هو الفرج المرجّىأطبّ لما ألمّ من الف راق

وله:

أتأذنون لصبّ في زيارتكمإن كان مجلسكم خلوا من الناس
فأنتم الناس لا أبغي بكم بدلاوأنتم الراس والانسان بالراس
وكدّكم لمعال تنهضون بهاوغيركم طاعم مسترجع كاسي
فليس يعرف من أيام عيشتهسوى التلهي بأير قام أو كاس
لدى المكايد إن راجت مكايدهينسى الإله وليس الله بالناسي

-

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.