من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
محمد بن أحمد بن عبيد الله الكاتب
المعروف بالمفجع صاحب ثعلب: كذا وجدت نسبه بخط الطبري المعروف بمضراب اللبن من أهل البصرة، ويكنى أبا عبد الله، ذكره ابن النديم فقال: إنه لقي ثعلبا وأخذ عنه وعن غيره، وكان شاعرا شيعيا، وله قصيدة يسميها بالأشباه يمدح فيها عليا ﵇، وبينه وبين ابن دريد مهاجاة، وذكره أبو منصور الثعالبي في «كتاب اليتيمة» فقال: المفجع البصري صاحب ابن دريد والقائم مقامه في التأليف والاملاء، حدث ابن نصر قال حدثني بعض المشايخ البصريين قال: كان المفجع وشمال يتهاجيان، وكان شمال سنيا والمفجع:
شيعيا، فقال فيه المفجع:
دار شمال في بني أصمع
فقال شمال: كذا هو، فقال المفجع:
انظر إليها فهي في بلقع
قال شمال: أيّ شيء ذنبي إذا خربت المحلة؟ قال:
وهو خبيث النفس مستهتربكلّ أير قائم أصلع
فقال شمال: هو شيعي وكان يجب أن ينزه ذكر القائم والأصلع عن لفظ الهجاء، قال:
وذا قبيح أن يرى شاعريناك في السرم على أربع
قال شمال: وغير الشاعر أيضا قبيح أن يرى كذا.
ثم عمل فيه شمال يعرّض به:
رجل نازل بدرب سطيحأيّ شخص بالليل يركب سطحه
أخذ الله لابن عفان منهولشيخيه والزبير وطلحه
فلما سمعت ربيعة بذلك قصدت دار المفجع فهرب منها.
ومن شعر المفجع:
لي أير أراحني الله منهصار حزني به عريضا طويلا
نام إذ زارني الحبيب عناداولعهدي به ينيك الرسولا
حسبت زورة عليّ لحينيوافترقنا وما شفيت غليلا
ووجدت له أيضا فيما رواه الحميدي:
لنا صديق مليح الوجه مقتبلوليس في وده نفع ولا بركه
شبهته بنهار الصيف يوسعناطولا ويمنع منّا النوم والحركه
وقد هجاه بعض الشعراء فقال:
إنّ المفجع ويلهشرّ الأوائل والأواخر
ومن النوادر أنهيملي على الناس النوادر
كأنه من قول أبي تمام:
وما لك بالغريب يد ولكنتعاطيك الغريب من الغريب
قال المرزباني: لقب بالمفجع ببيت قاله، وهو شاعر مكثر عالم أديب، مات قبل الثلاثين وثلاثمائة. قال: وهو القائل في أبي الحسن محمد بن عبد الوهاب الزينبي الهاشمي يمدحه:
للزينبيّ على جلالة قدرهخلق كطعم الماء غير مزنّد
وشهامة تقصي الليوث إذا سطاوندى يغرّق كلّ بحر مزبد
يحتلّ بيتا في ذؤابة هاشمطالت دعائمه محلّ الفرقد
حرّ يروح المستميح ويغتديبمواهب منه تروح وتغتدي
فإذا تحيّف ماله إعطاؤهفي يومه نهك البقية في غد
بضياء سنّته المكارم تهتديوبجود راحته السحائب تقتدي
مقدار ما بيني وما بين الغنىمقدار ما بيني وبين المربد
وقال الثعالبي: وأما شعره فقليل كثير الحلاوة يكاد يقطر منه ماء الظّرف، وفيه يقول اللحام:
إن المفجّع فالعنوه بزيتنغل يدين ببغض أهل البيت
يهوى العلوق وإنما يهواهمبمؤخر حيّ وقلب ميت
ومن شعره ويروى لابن لنكك:
لنا سراج نوره ظلمةليس له ظلّ على الأرض
كأنه شخص الإمام الذييبغي الهدى منه أولو الرفض
وللمفجع تصانيف منها: كتاب الترجمان في الشعر ومعانيه يشتمل على ثلاثة عشر حدا وهي: حدّ الاعراب. حدّ المديح. حد البخل. حد الحلم والرأي. حد الغزل. حد المال. حد الاغتراب. حد المطايا. حد الخطوب. حد النبات. حد الحيوان. حد الهجاء. حد اللغز، وهو آخر الكتاب. وله أيضا كتاب المنقذ في الإيمان، يشبه «كتاب الملاحن» لابن دريد إلا أنه أكبر منه وأجود وأتقن. كتاب أشعار الجواري لم يتم. كتاب عرائس المجالس. كتاب غريب شعر زيد الخيل الطائي. كتاب قصيدته في أهل البيت. ذكره أبو جعفر في مصنفي الإمامية.
ومما أنشده الثعالبي له في غلام يكنى أبا سعد:
زفرات تعتادني عند ذكراك وذكراك ما تريم فؤادي
وسروري قد غاب عني مذ غبت فهل كنتما على ميعاد
حاربتني الأيام فيك أبا سعد بسيف الهوى وسهم البعاد
ليس لي مفزع سوى عبراتمن جفون مكحولة بالسهاد
في سهادي لطول أنسي بذكراك اعتياض من الكرى والرقاد
وبحسبي من المصائب أنيفي بلاد وأنتم في بلاد
وله:
ألا يا جامع البصرة لا خرّبك الله
وسقّى صحنك الغيثمن المزن فروّاه
فكم من عاشق فيكيرى ما يتمناه
وكم ظبي من الانسمليح فيك مرعاه
نصبنا الفخّ بالعلمله فيك فصدناه
بقرآن قرأناهوتفسير رويناه
وكم من طالب للشعر بالشعر طلبناه
فما زالت يد الأيامحتى لان متناه
وحتى ثبت السرجعليه وركبناه
ألا يا طالب الأمرد كذّب ما ذكرناه
فلا يغررك ما قلنافما بالجدّ قلناه
ولو كان من البغضيزنّى حين يلقاه
فردّ الدرهم الضرباليه يتلقاه
فبالدرهم يستنزلما في الجو مأواه
وبالدرهم يستخرجما في القفر مثواه
قال أبو محمد عبد الله بن أبي القاسم عبد المجيد بن شيران بن إبراهيم بن العباس بن محمد بن العباس بن محمد بن جعفر في «تاريخه» قال: وفيها يعني
في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة توفي أبو عبد الله محمد بن عبد الله المفجع الكاتب الشاعر، وكان شاعر البصرة وأديبها، وكان يجلس في الجامع بالبصرة فيكتب عنه ويقرأ عليه الشعر واللغة والمصنفات، وامتنع من الجلوس مدة لسبب لحقه من بعض من حضره، فخوطب في ذلك فقال: لو استطعت أن أنسيهم أسماءهم لفعلت.
وشعره مشهور، فمنه وقد دامت الأمطار وقطعت عن الحركة:
يا خالق الخلق أجمعيناوواهب المال والبنينا
ورافع السبع فوق سبعلم يستعن فيهما معينا
ومن إذا قال كن لشيءلم تقع النون أو يكونا
لا تسقنا العام صوب غيثأكثر من ذا فقد روينا
وله يخاطب أبا عبد الله البريدي وقد أعاد عليه ذكر سبب:
قل لمن كان قد عفاعن ذنوب المفجّع
لا تعد ذكر ما مضىمن عفا لم يقرّع
وله وقد سأل بعض أصدقائه أيضا رقعة وشعرا له يهنئه في مهرجان الى بعضهم فقصر حتى مضى المهرجان:
إن الكتاب وان تضمّن طيهكنه البلاغة كالفصيح الأخرس
فإذا أعانته عناية حاملفجوابه يأتي بنجح منفس
وإذا الرسول ونى وقصّر عامداكان الكتاب صحيفة المتلمس
قد فات يوم المهرجان فذكرهفي الشعر أبرد من سخاء المفلس
فسئل عن سخاء المفلس فقال: يعد في إفلاسه بما لا يفي به عند إمكانه.
قال: دخل المفجع يوما إلى القاضي أبي القاسم علي بن محمد التنوخي فوجده [يقرأ] معاني الشعر على العبيسي فأنشد:
قد قدّم العجب على الرّويسوشارف الوهد أبا قبيس
وطاول البقل فروع الميسوهبّت العنز لقرع التيس
وادّعت الروم أبا في قيسواختلط الناس اختلاط الحيس
إذ قرأ القاضي حليف الكيسمعاني الشعر على العبيسي
وألقى ذلك الى التنوخي وانصرف.
وكان أبو عبد الله الأكفاني راويته وكتب لي بخطه من مليح شعره شيئا كثيرا.
قال: ومدح أبا القاسم التنوخي فرأى منه جفاء فكتب إليه:
لو أعرض الناس كلهم وأبوالم ينقصوا رزقي الذي قسما
كان وداد فزال وانصرماوكان عهد فبان وانهدما
وقد صحبنا في عصرنا أمماوقد فقدنا من قبلهم أمما
فما هلكنا هزلا ولا ساخت الأرض ولم تقطر السماء دما
في الله من كلّ هالك خلفلا يرهب الدهر من به اعتصما
حرّ ظننّا به الجميل فماحقّق ظنّا ولا رعى الذمما
فكان ماذا ما كلّ معتمدعليه يرعى الوفاء والكرما
غلطت والناس يغلطون وهلتعرف خلقا من غلطة سلما
من ذا إذا أعطي السداد فلميعرف بذنب ولم يزل قدما
شلّت يدي لم جلست عن تفهأكتب شجوي وأمتطي القلما
يا ليتني قبلها خرست فلمأعمل لسانا ولا فتحت فما
يا زلة ما أقلت عثرتهاأبقت على القلب والحشا ألما
من راعه بالهوان صاحبهفعاد فيه فنفسه ظلما
وله:
أظهرت للرئم بعض وجديوانما الوجد ما سترته
وقلت حبّيك قد برانيفقال دعه بذا أمرته
وله قصيدته ذات الأشباه، وسميت بذات الأشباه لقصده فيما ذكره من الخبر الذي رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال قال رسول الله ﷺ، وهو في محفل من أصحابه، إن تنظروا إلى آدم في علمه، ونوح في همه، وإبراهيم في خلقه، وموسى في مناجاته، وعيسى في سنه، ومحمد في هديه وحلمه، فانظروا إلى هذا المقبل، فتطاول الناس فإذا هو علي بن أبي طالب ﵇، فأورد المفجع ذلك في قصيدته، وفيها مناقب كثيرة، وأولها:
أيها اللائمي لحبي عليّاقم ذميما إلى الجحيم خزيّا
أبخير الأنام عرّضت لا زلت مذودا عن الهدى مزويّا
أشبه الأنبياء كهلا وزولاوفطيما وراضعا وغذيّا
كان في علمه كآدم إذا علّم شرح الأسماء والمكنيّا
وكنوح نجّى من الهلك من سيّر في الفلك إذ علا الجوديّا
وجفا في رضى الإله أباهواجتواه وعدّه أجنبيّا
كاعتزال الخليل آزر في اللّهـ وهجرانه أباه مليّا
ودعا قومه فآمن لوطأقرب الناس منه رحما وريّا
وعليّ لما دعاه أخوهسبق الحاضرين والبدويّا
وله من أبيه ذي الأيد إسماعيل شبه ما كان عني خفيّا
إنّه عاون الخليل على الكعبة إذا شاد ركنها المبنيّا
ولقد عاون الوصيّ حبيب اللهـ إذ يغسلان منها الصفيّا
رام حمل النبي كي يقطع الأصنام من سطحها المثول الخبيّا
فحناه ثقل النبوّة حتىكاد ينآد تحته مثنيّا
فارتقى منكب النبيّ عليّصنوه ما أجلّ ذا المرتقيّا
فأماط الأوثان عن ظاهر الكعبة ينفي الرجاس عنها نفيّا
ولو انّ الوصيّ حاول مسّ النجم بالكفّ لم يجده قصيّا
أفهل تعرفون غير عليّوابنه استرحل النبي مطيّا
وشعر أبي عبد الله المفجع كثير حسن.
وكان يوما بالأهواز جالسا مع جماعة فاجتاز به غلام لموسى بن الطيب نديم أبي عبد الله البريدي يقال له طريف، وهو أمرد مليح، فسأل المفجع عنه فقيل: هذا غلام نديم البريدي فقال:
اجتاز بي اليوم في الطريق فتىيختال في مورق من البان
فقلت من ذا فقال لي خبربالأمر هذا غلام صفعان
ولأبي عبد الله في جماعة من كبار أهل الأهواز مدائح كثيرة وأهاج، وله قصيدة في أبي عبد الله ابن درستويه يرثيه فيها وهو حيّ يقول فيها ويلقبه بدهن الآجرّ:
مات دهن الآجرّ فاخضرّت الأرض وكادت جبالها لا تزول
ويصف أشياء كثيرة فيها.
قال: وكان المفجع يكثر عند والدي ويطيل المقام عنده، وكنت أراه عنده وأنا صبي بالأهواز، وله إليه مراسلات وله فيه مدائح كثيرة كنت جمعتها فضاعت أيام دخول ابن أبي ليلى الأهواز ونهبت روزناماتها، وكان منها قصيدة بخطّه عندي يقول فيها:
لو قيل للجود من مولاك قال نعمعبد المجيد المغيريّ بن شيران
وأذكر له من قصيدة أخرى:
يا من أطال يدي إذ هاضني زمنيوصرت في المصر مجفوّا ومطّرحا
أنقذتني من أناس عند دينهمقتل الأديب إذا ما علمه اتضحا
قال: وكانت وفاته قبل وفاة والدي بأيام يسيرة، ومات والدي في يوم السبت لعشر خلون من شعبان سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وفيها مات الحراوري الشاعر.
ومن ملحه المشهورة قوله لانسان أهدى إليه طبقا فيه قصب السكر والاترنج والنارنج، وأراه أبا سعد غلامه:
إن شيطانك في الظّرف لشيطان مريد
فلهذا أنت فيهتبتدي ثم تعيد
قد أتتنا تحفة منك على الحسن تزيد
طبق فيه قدودونهود وخدود
وأنشد الثعالبي له في غلام مغن جدّر فازداد حسنا وجمالا:
يا قمرا جدّر حتى استوىفزاده حسنا وزادت هموم
كأنه غنّى لشمس الضحىفنقطته طربا بالنجوم
وأنشد له أيضا:
فسا على قوم فقالوا لهإن لم تقم من بيننا قمنا
فقال لا عدت فقالوا لهمن نتن فيه ذا كما كنا
وأنشد له أيضا:
أداروها ولليل اعتكارفخلت الليل فاجأه النهار
فقلت لصاحبي والليل داجألاح الصبح أم بدت العقار
فقال هي العقار تداولوهامشعشعة يطير لها شرار
فلولا أنني أمتاح منهاحلفت بأنها في الكاس نار
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع