تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم

بن حمامي بن واسع بن وهب بن سلمة بن حنتم بن حاضر بن جشم بن ظالم بن أسد بن عدي بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهير، ويقال زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن مالك بن نضر بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان؛ مات يوم الأربعاء لثنتي عشرة ليلة

بقيت من رمضان سنة احدى وعشرين وثلاثمائة، وفي هذا اليوم مات أبو هاشم عبد السلام بن محمد الجبائي فقيل: مات علم اللغة والكلام ودفنا جميعا في مقبرة الخيزران.

وقال المرزباني: دفن بالعباسية من الجانب الشرقي في ظهر سوق السلاح من الشارع الأعظم.

وقال التنوخي ورجاله: دفن ابن دريد بظهر السوق الجديدة المعروفة بمقابر العباسية من الجانب الشرقي.

ومولده بالبصرة في سكة صالح في خلافة المعتصم سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وبالبصرة تأدّب وعلم اللغة وأشعار العرب، وقرأ على علماء البصرة، ثم صار إلى عمان فأقام بها مدة، ثم صار إلى جزيرة ابن عمارة، ثم صار إلى فارس فسكنها مدة، ثم قدم بغداد فأقام بها إلى أن مات.

وحدث أبو بكر ابن علي قال: أبو بكر ابن دريد بصريّ المولد ونشأ بعمان وتنقل في جزائر البحر والبصرة وفارس، وطلب الأدب وعلم العربية، وكان أبوه من الرؤساء وذوي اليسار، وورد بغداد بعد أن أسنّ فأقام بها إلى آخر عمره. وروى عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي وأبي حاتم السجستاني وأبي الفضل الرياشي، وكان رأس أهل هذا العلم، وروى عنه خلق منهم أبو سعيد السيرافي وأبو عبيد الله المرزباني وأبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني. وله شعر كثير وروى [من] أخبار العرب وأشعارها [ما] لم يروه كثير من أهل العلم.

وقال أبو الطيب اللغوي في «كتاب مراتب النحويين» عند ذكر ابن دريد: هو الذي انتهى إليه [علم] لغة البصريين، وكان أحفظ الناس وأوسعهم علما وأقدرهم على شعر، وما ازدحم العلم والشعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر خلف الأحمر وابن دريد. وتصدّر ابن دريد في العلم ستين سنة. وأول شعر قاله:

ثوب الشباب عليّ اليوم بهجتهفسوف تنزعه عنّي يد الكبر
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «ثوب الشباب علي اليوم بهجته»
أنا ابن عشرين ما زادت ولا نقصتابن ابن عشرين من شيب على خطر

وكان يقال ابن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء.

قال الخطيب، وقال محمد بن دريد: كان أول من أسلم من آبائي حمامي، وهو من السبعين راكبا الذين خرجوا مع عمرو بن العاص من عمان إلى المدينة لما بلغهم وفاة رسول الله ﷺ حتى أدوه، وفي ذلك يقول قائلهم:

وفينا لعمرو يوم عمرو كأنهطريد نفته مذحج والسكاسك
للشاعر عقبة بن النعمان العتكي، اقرأ القصيدة

وحدث أبو علي التنوخي قال: حدثني جماعة أن ابن دريد قال: كان أبو عثمان الأشنانداني معلمي، وكان عمي الحسين بن دريد يتولى تربيتي، فكان إذا أراد الأكل استدعى أبا عثمان يأكل معه، فدخل يوما عمي وأبو عثمان يروّيني قصيدة الحارث بن حلزة التي أولها: «آذنتنا ببينها أسماء» فقال لي عمي: إذا حفظت هذه القصيدة وهبت لك كذا وكذا، ثم دعا المعلم ليأكل معه، فدخل إليه فأكلا وتحدثا بعد الأكل ساعة، فالى أن رجع المعلم حفظت «ديوان الحارث بن حلزة» بأسره، فخرج المعلم فعرّفته ذلك فاستعظمه وأخذ يعتبره عليّ فوجدني قد حفظته، فدخل إلى عمي فأخبره فأعطاني ما كان وعدني به.

قال الخطيب عن من رأى ابن دريد أنه قال: كان ابن دريد واسع الحفظ جدا ما رأيت أحفظ منه، وكانت تقرأ عليه دواوين العرب كلها أو أكثرها فيسابق إلى إتمامها وتحفظها، وما رأيته قط قرىء عليه ديوان شاعر إلا وهو يسابق إلى روايته لحفظه له.

قال: وسئل عنه الدارقطني فقال: قد تكلموا فيه.

قال وقال أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي: سمعت ابن شاهين يقول: كنا ندخل على ابن دريد ونستحي منه لما نرى من العيدان المعلّقة والشراب المصفّى

موضوع، وقد كان جاوز التسعين سنة، هذا كله من كتاب أبي بكر ابن علي.

وقال أبو منصور الأزهري في مقدمة «كتاب التهذيب»: وممن ألف في زماننا الكتب فرمي بافتعال العربية وتوليد الألفاظ وإدخال ما ليس من كلام العرب في كلامها أبو بكر محمد بن دريد صاحب «كتاب الجمهرة» و «كتاب اشتقاق الأسماء» و «كتاب الملاحن»، وقد حضرته في داره ببغداد غير مرة فرأيته يروي عن أبي حاتم والرياشي وعبد الرحمن بن أخي الأصمعي، وسألت إبراهيم بن محمد بن عرفة عنه فلم يعبأ به ولم يوثّقه في روايته، وألفيته أنا على كبر سنه سكران لا يكاد يستمرّ لسانه على الكلام من سكره. وقد تصفحت كتابه الذي أعاره اسم الجمهرة فلم أرد لا على معرفة ثاقبة ولا قريحة جيدة، وعثرت من هذا الكتاب على حروف كثيرة أنكرتها ولم أعرف مخارجها فأثبّتها في كتابي في مواقعها منه لأبحث أنا وغيري عنها.

وقال أبو ذر الهروي: سمعت أبا منصور الأزهري يقول: دخلت على ابن دريد فرأيته سكران فلم أعد إليه.

وقال غير أبي منصور: كان ابن دريد قد أملى «الجمهرة» في فارس، ثم أملاها بالبصرة وببغداد من حفظه، قال: فلذلك قلما تتفق النسخ وتراها كثيرة الزيادة والنقصان. ولما أملّه بفارس غلامه تعلّم من أول الكتاب، والنسخة التي عليها المعوّل هي الأخيرة، وآخر ما صحّ من النسخ نسخة أبي الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي جخجخ لأنه كتبها من عدة نسخ وقرأها عليه.

وحدث المرزباني قال، قال ابن دريد: خرجت أريد زهران بعد دخول البصرة، فمررت بدار كبيرة قد خربت فكتبت على حائطها:

أصبحوا بعد جميع فرقاوكذا كلّ جميع مفترق
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أصبحوا بعد جميع فرقا»

فمضيت ورجعت فاذا تحته مكتوب:

ضحكوا والدهر عنهم صامتثم أبكاهم دما حين نطق

قال: وخرجنا نريد عمان في سفر لنا فنزلنا بقرية تحت نخل فإذا بفاختتين

تتزاقّان، فسنح لي أن قلت:

أقول لورقاوين في فرع نخلةوقد طفّل الإمساء أو جنح العصر
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أقول لورقاوين في فرع نخلة»
وقد بسطت هاتا لتلك جناحهاومرّ على هاتيك من هذه النحر
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أقول لورقاوين في فرع نخلة»
ليهنكما أن لم تراعا بفرقةوما دبّ في تشتيت شملكما الدهر
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أقول لورقاوين في فرع نخلة»
فلم أر مثلي قطّع الشوق قلبهعلى أنه يحكي قساوته الصخر
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أقول لورقاوين في فرع نخلة»

قال: وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: سقطت من منزلي بفارس فانكسرت ترقوتي فسهرت ليلي، فلما كان في آخر الليل حملتني عيناي فرأيت في نومي رجلا طويلا أصفر الوجه كوسجا دخل عليّ وأخذ بعضادتي الباب وقال: أنشدني أحسن ما قلت في الخمر، فقلت: ما ترك أبو نواس شيئا، فقال: أنا أشعر منه، فقلت: ومن أنت؟ قال: أبو ناجية من أهل الشام، ثم أنشدني:

وحمراء قبل المزج صفراء بعدهبدت بين ثوبي نرجس وشقائق
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «وحمراء قبل المزج صفراء بعده»
حكت وجنة المعشوق صرفا فسلطواعليها مزاجا فاكتست لون عاشق
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «وحمراء قبل المزج صفراء بعده»

فقلت له: أسأت، قال: ولم؟ قلت: لأنك قلت «وحمراء» فقدمت الحمرة ثم قلت «بدت بين ثوبي نرجس وشقائق» فقدمت الصفرة، فالا قدمتها على الأخرى كما قدمتها على الأولى؟ فقال: وما هذا الاستقصاء في هذا الوقت يا بغيض.

وحدث قال: كتب ابن دريد الى أبي علي أحمد بن محمد بن رستم:

حجابك صعب يجبه الحرّ دونهوقلبي إذا سيم المذلة أصعب
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «حجابك صعب يجبه الحر دونه»
وما أزعجتني نحو بابك حاجةفأجشم نفسي رجعة حين أحجب
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «حجابك صعب يجبه الحر دونه»

وحدث أيضا قال: وعد أبو بكر أبا الحسين عمر بن محمد بن يوسف القاضي أن يصير إليه فقطعه المطر، فكتب إليه أبو بكر:

مناويك في بذل النوال وانهليعجز عن أدنى مداك ويحسر
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «مناويك في بذل النوال وإنه»
عداني عن حظّي الذي لا أبيعهبأنفس ما يحظى به المتخير
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «مناويك في بذل النوال وإنه»
لم الغيث فاعذر من لقاؤك عندهيعادل نيل الخلد بل هو أكبر

فأجابه أبو الحسين:

على الرّسل في برّي فقد عظم الشكرولم أك ذا شكر وان جلّ ما يعرو
مدائح مثل الغيث جادت عيونهاسحاب توالى من جوانبها قطر

ومن شعر أبي بكر ابن دريد:

عانقت منه وقد مال النعاس بهوالكأس تقسم سكرا بين جلّاسي
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «عانقت منه وقد مال النعاس به»
ريحانة ضمّخت بالمسك ناضرةتمجّ برد الندى في حرّ أنفاسي
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «عانقت منه وقد مال النعاس به»

وله يرثي عبد الله بن عمارة:

بنفسي ثرى ضاجعت في بيته البلىلقد ضمّ منك الغيث والليث والبدرا
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «بنفسي ثرى ضاجعت في بيته البلى»
فلو أن حيا كان قبرا لميتلصيرت أحشائي لأعظمه قبرا
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «بنفسي ثرى ضاجعت في بيته البلى»
ولو أن عمري كان طوع إرادتيوساعدني المقدار قاسمتك العمرا
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «بنفسي ثرى ضاجعت في بيته البلى»
وما خلت قبرا وهو أربع أذرعيضمّ ثقال المزن والطود والبحرا
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «بنفسي ثرى ضاجعت في بيته البلى»

وحدث الخطيب فيما أسنده إلى إسماعيل بن سويد أن سائلا جاء الى ابن دريد فلم يكن عنده غير دنّ نبيذ فوهبه له، فجاءه غلامه وأنكر عليه ذلك، فقال: أيش اعمل؟ لم يكن عندي غيره، ثم تلا قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ

(آل عمران:) فما تم اليوم حتى أهدي له عشرة دنان، فقال الغلام: تصدقنا بواحد وأخذنا عشرة.

وقال جحظة يرثيه:

فقدت بابن دريد كلّ منفعةلما غدا ثالث الأحجار والتّرب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وكنت أبكي لفقد الجود مجتهدافصرت أبكي لفقد الجود والأدب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وقال محمد بن إسحاق: ولابن دريد من الكتب: كتاب الجمهرة في اللغة.

كتاب المجتنى. كتاب الأمالي. كتاب اشتقاق أسماء القبائل. كتاب الملاحن. كتاب المقتبس. كتاب المقصور والممدود. كتاب الوشاح، على حذو المحبّر لابن حبيب. كتاب الخيل الكبير. كتاب الخيل الصغير. كتاب الأنواء.

كتاب السلاح. كتاب غريب القرآن، لم يتم. كتاب فعلت وأفعلت. كتاب أدب الكاتب. كتاب تقويم اللسان، على مثال كتاب ابن قتيبة ولم يجرده من المسودة فلم يخرج منه شيء يعوّل عليه. كتاب المطر.

وقال أبو الحسن الدريدي: حضرت وقد قرأ أبو علي ابن مقلة وأبو حفص كتاب المفضل بن سلمة الذي يردّ فيه على الخليل بن أحمد، على أبي بكر ابن دريد، فكان يقول: صدق أبو طالب، في شيء إذا مر به، وكذب أبو طالب، في شيء آخر، ثم رأيت هذا الكلام وقد جمعه أبو حفص في نحو المائة ورقة وترجمه بالتوسط.

ومن شعر ابن دريد:

وقد ألفت زهر النجوم رعايتيفإن غبت عنها فهي عني تسأل
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «وقد ألفت زهر النجوم رعايتي»
يقابل بالتسليم منهنّ طالعويومىء بالتوديع منهن آفل
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «وقد ألفت زهر النجوم رعايتي»

وأما مقصورة ابن دريد المشهورة فإنه قالها يمدح بها الأمير أبا العباس إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال بن عبد الواحد بن جبريل بن القاسم بن بكر بن ديواستي، وهو سور بن سور بن سور بن سور- أربعة الملوك، ابن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، قالها فيه وفي أبيه، وكان الأمير أبو العباس رئيس نيسابور ومتقدّمها.

وذكر أبو علي البيهقي المعروف بالسلامي في «كتاب النتف والطرف» أن ابن

دريد صنف «كتاب الجمهرة» للأمير أبي العباس إسماعيل بن عبد الله بن ميكال أيام مقامه بفارس، فأملاه عليه إملاء ثم قال: حدثني أبو العباس الميكالي قال: أملى عليّ أبو بكر الدريدي «كتاب الجمهرة» من أوله إلى آخره حفظا في سنة سبع وتسعين ومائتين فما رأيته استعان عليه بالنظر في شيء من الكتب إلا في باب الهمزة واللفيف فإنه طالع له بعض الكتب. قال: وكفاك بها فضيلة وعجيبة أن يتمكن الرجل من علمه كل التمكن ثم لا يسلم مع ذلك من الألسن حتى قيل فيه:

ابن دريد بقرهوفيه عيّ وشره
ويدّعي من حمقهوضع كتاب الجمهره
وهو كتاب العين إلا أنه قد غيره
للشاعر نفطويه (أبو عبد الله الواسطي الأزدي)، اقرأ القصيدة

وقد ذكرت هذه الحال في أخبار أبي العباس اسماعيل بن عبد الله بأبسط من هذا.

وكتب ابن دريد إلى علي بن عيسى بن داود الجراح الوزير:

أبا حسن والمرء يخلق صورةتخبّر عما ضمّنته الغرائز
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أبا حسن والمرء يخلق صورة»
إذا كنت لا ترجى لنفع معجّلوأمرك بين الشرق والغرب جائز
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أبا حسن والمرء يخلق صورة»
ولم تك يوم الحشر فينا مشفّعافرأي الذي يرجوك للنفع عاجز
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أبا حسن والمرء يخلق صورة»
عليّ بن عيسى خير يوميك أن ترىوفضلك مأمول ووعدك ناجز
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أبا حسن والمرء يخلق صورة»
وإني لأخشى بعد هذا بأن ترىوبين الذي تهوى وبينك حاجز
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أبا حسن والمرء يخلق صورة»

قرأت بخط أبي سعد السمعاني من «المذيل» باسناد أن ابن دريد قال:

ودّعته حين لا تودّعهروحي ولكنها تسير معه
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «ودعته حين لا تودعه»
ثم افترقنا وفي القلوب لناضيق مكان وفي الدموع سعه
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «ودعته حين لا تودعه»

قال أبو هلال، أخبرنا أبو أحمد قال: كنا في مجلس ابن دريد وكان يتضجر ممن يخطىء في قراءته، فحضر غلام وضيء فجعل يقرأ ويكثر الخطأ، وابن دريد

صابر عليه، فتعجب أهل المجلس، فقال رجل منهم: لا تعجبوا فإن في وجهه غفران ذنوبه، فسمعها ابن دريد، فلما أراد أن يقرأ قال له: هات يا من ليس في وجهه غفران ذنوبه فعجبوا من صحة سمعه مع علوّ سنه.

قال وقال بعضهم في مجلس ابن دريد:

من يكن للظباء طالب صيدفعليه بمجلس ابن دريد
إن فيه لأوجها قيّدتنيعن طلاب العلا بأوثق قيد

قال الرصافي: حدثنا بعض أصحابنا قال: حضرت مجلس أبي بكر ابن دريد وقد سأله بعض الناس عن معنى قول الشاعر:

هجرتك لا قلى مني ولكنرأيت بقاء ودك في الصدود
كهجر الحائمات الورد لمّارأت أنّ المنية في الورود
للشاعر بطرس كرامة، من قصيدة «رويدك بالهوى يا خير شادن»
تفيض نفوسها ظمأ وتخشىحماما فهي تنظر من بعيد

فقال: الحائم الذي يدور حول الماء ولا يصل إليه، يقال حام يحوم حياما؛ ومعنى الشعر أن الايائل تأكل الأفاعي في الصيف فتحمى فتلتهب بحرارتها وتطلب الماء، فإذا وقعت عليه امتنعت من شربه وحامت حوله تنسّمه لأنها إن شربته في تلك الحال صادف الماء السمّ الذي في جوفها فتلفت، فلا تزال تدفع بشرب الماء حتى يطول بها الزمان فيسكن ثوران السم ثم تشربه فلا يضرها. ويقال: فاظ الميت وفاضت نفسه وفاظت نفسه أيضا جائز عند الجميع إلا الأصمعي فإنه يقول فاظ الميت فإذا ذكر النفس قال فاضت نفسه بالضاد ولم يجمع بين الظاء والنفس.

وحدث أبو علي المحسن، حدثني أبو القاسم الحسن بن علي بن إبراهيم بن خلاد الشاهد العكبري إمام الجامع فيها، حدثني أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: كنت بعمان مع الصلت بن مالك الشاري، وكانت الشراة تدعوه أمير المؤمنين، وكانت السنة كثيرة الأمطار ودامت على الناس فكادت المنازل أن تتهدم، فاجتمع الناس وصاروا إلى الصلت وسألوه أن يدعو لهم، فأجّل بهم أن يركب من الغد الى الصحراء ويدعو، فقال لي بكرة: لتخرج معي في غد، فبت مفكّرا كيف يدعو، فلما أصبحت خرجت معه، فصلّى بهم وخطب ودعا فقال: اللهم إنك أنعمت فأوفيت،

وسقيت فأرويت، فعلى القيعان ومنابت الشجر، وحيث النفع لا الضرر. فاستحسنت ذلك منه. وقال ابن دريد في النرجس:

عيون ما يلمّ بها رقادولا يمحو محاسنها السهاد
إذا ما الليل صافحها استهلّتوتضحك حين ينحسر السواد
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «عيون ما يلم بها الرقاد»
لها حدق من الذهب المصفّىصياغة من يدين له العباد
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «عيون ما يلم بها الرقاد»
وأجفان من الدرّ استفادتضياء مثله لا يستفاد
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «عيون ما يلم بها الرقاد»
على قصب الزّبرجد في ذراهالأعين من يلاحظها مراد

قرأت في «كتاب التحبير» وهو ما أخبرنا به الشريف افتخار الدين أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي إذنا، قال أبو سعد السمعاني إجازة إن لم يكن سماعا، قال: سمعت الأمير أبا نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن الميكالي يقول: تذاكرنا المتنزهات يوما وابن دريد حاضر، فقال بعضهم: أنزه الأماكن غوطة دمشق، وقال آخرون: بل نهر الأبلّة، وقال آخرون: بل سغد سمرقند، وقال بعضهم: نهروان بغداد، وقال بعضهم: شعب بوّان بأرض فارس، وقال بعضهم: نوبهار بلخ. فقال: هذه متنزهات العيون فأين أنتم عن متنزهات القلوب. قلنا وما هي يا أبا بكر؟ قال «عيون الأخبار» للقتيبي و «الزهرة» لابن داود و «قلق المشتاق» لابن أبي طاهر، ثم أنشأ يقول:

ومن تك نزهته قينةوكأس تحثّ وكأس تصب
فنزهتنا واستراحتناتلاقي العيون ودرس الكتب
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «ومن تك نزهته قينة»

وقرأت في التاريخ الذي ألفه أبو محمد عبد الله بن أبي القاسم عبد المجيد بن شيران الأهوازي قال: وفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة مات أبو أحمد حجر بن أحمد الجويمي، وكان من أهل الفضل بجويم ونواحي فارس، وقد خلف القراء بها

فمدحه جماعة من الشعراء وقصده من انتفع به، ولأبي بكر ابن دريد فيه مدائح منها:

نهنه بوادر دمعك المهراقأيّ ائتلاف لم يرع بفراق
للشاعر ابن دريد الأزدي، اقرأ القصيدة
حجر بن أحمد فارع الشرف الذيخضعت لعزته طلى الأعناق
للشاعر ابن دريد الأزدي، اقرأ القصيدة
قبّل أنامله فلسن أناملالكنهنّ مفاتح الأرزاق
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «يا من يقبل كف كل مخرق»
وانظر إلى النور الذي لو أنهللبدر لم يطبع برين محاق
للشاعر ابن دريد الأزدي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.