من «المحمدون من الشعراء» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
محمد بن أحمد أبو سعد
شاعر كان بالمعرَّة، يدل شعره على وفور أدبه، فمن شعره ما قاله يرثي القاضي أبا مسلم وادع بن عبد الله بن سليمان المعرّي:
أَجدُّكَ ما يصحو لها غمرةٌ سُكْرُتمادت فلا يخلو بها من جوىً صَدْرُ
ولا تسترقُّ القلبَ في الدهر سلوةٌفإنْ طال فينا بعد معقوده الدهرُ
ولا يشتفي بالدمع باك ولو جرىإلى قلبه من فيض أجفانه نهرُ
ولا تخمد النارُ المثيرة في الحشاولو مطرت تحت الضلوع لها جمرُ وكيف وقد أصمى أبا مسلم الردىوجنَّبنا حُلوَ الحياة القضا المرُّ
وأغدر فينا بعد إشراق نورهزمان لحاه الله شيمته الغدرُ
فليت الليالي قاسمتنا صروفهاوكان لها شطر، وكان لنا شطر
أَعاذلتي لو أنصف الموت لم يعشْلموتِ ابن عبد الله عبدٌ ولا حرُّ
وما الشعرُ كفْءُ الرُّزءِ فينا ولو غدالهذا المصاب اليوم يستنفد الشعرُ ولكن جرى رسم بذلك أوَّلٌيعزَّى به مجدٌ ويبقى له ذكرُ
ولما قضى " مجدُ القضاة " تبينتجهالة غاوٍ أنَّ قد أزف الحشرُ
بنفسي كريم كان يلفى عُفاتَهإذا قابلوه منه قبل النَّدى البشرُ
بنفسي كريم كتبه بعد طيِّهيُبيّن علمَ المشكلات لما نشرُ
مضى عن حميد الفعل فينا جزاؤهمن الله والناس المثوبة والشكرُ
يخفِّف عنه كل ثقل صنيعهويثقل عطفيه المحامد والأجرُ
فتى كان يحذوه على حسن عفوهعن المجرم، الأصل الذي طاب والنجرُ
فتى مازجت في جسمه نفسه العلىكما امتزجت بالماء في كأسها الخمرُ
إذا ما خطا في المجدِ باعاً تقاصرتخُطى غيره أن يستقل بها فترُ
شهاب جلت أنواره كل بُهمةإمام هدى للمهتدين به، حَبْرُ
ليبكيه في العلياء رتبةُ مجدِهِويندبُه في الجود نائله الغِمْرُ
وما كان دحرى بالمعرة بلدةولو فاخرتها فيه بغدادُ أو مصرُ
أمسجده كيف اسستطت تثبتاوقد غاض منه تحت تربتك البحرُ؟
يعزّ على أهل الشآم ومَن بهأبا مسلم إن عزَّ عنهم بك الصبرُ
وإلا لَقوا ضرباً وطعناً تقطعتْبه فيهم البيض القواطع السمرُ
وذاك كميٌّ قد دعا الموتَ باسمهوأنحنى إليه دون مصرعك النحرُ
إذا ما اقتضى في الحرب عضباً أو اقتَنَىقناة فمن زيدُ القنا ثم أو عمرو؟ يمرِّر حلو العيش في فيه انهيرى الغبنَ ان يحويك من دونه قبرُ
ولكن إذا الخلاق أمضى قضاءهفما في يد المخلوق نفعٌ ولا ضرُّ
ودنياك لم يعصم من الحين والرَّدىبها بطلاً فتْك ولا أسداً زأرُ
يعزّ علينا أن نزورك ثاوياًودارك منك اليوم موحشة قفْرُ
هي الكعبة المفروض في الناس حَجُّهاومسجدك الأقصى، وتربتك الحِجْرُ وأركانُ هذا البيت كالركن حرمةيوفَّى بها دَين، ويقضي لها نذرُ
وفي أن يُراق الدمع حول ضريحهلأعظمُ أجراً أن يريق الدمَ العترُ
وما ظهرت للقطر بعدك بهجةٌفتشكر إذ لم يكس زينتها النحر
هو الدهر لا ينفك بعدك معتماًوإن طلعتْ شمسٌ أو اكتمل البدرُ
سقى جدثاً أُوْطِنته كلُّ عارضٍيصوبُ بما تَهمي أناملك العشرُ
وإلا سقاه من يديك غمامةٌقريبٌ بها عهدي إذا احتبس القطرُ
وفيك أبا المجد الذي فيه كلّهصفاتك عن أوصافه البيض تفترُّ
سليل أبيه والغذي لُبانهإليم انتهى من بعده النهي والأمرُ
تقوم بمسعاه الذي كان ساعياًفما دون ما تبغي حِجاب ولا سَترُ
ولو لم يكن هارون أهل خلافةٍعلى الأمر لم يشدَد لموسى به أَزرُ
يرجِّيك عصرٌ أنت فيه وأهلهويخشاك دهرٌ عنده لكم وترُ
وفي غيل ذاك البيت إذ غاله الرَّدىثلاثة أشبال ضراغمةٌ عفرُ
كواكب أفق يُستضاء بنورهمفلا أفلت منه كواكبه الزُّهرُ
وحسبُكَ من أنجابك الغرُّ أنهمأبا المجد للمجد المنيف همُ الصدرُ
تعَبَّد " عبد الله " كلاً بفعلهوأحرز كسب الشكر من قبله " شكرُ "
وحولك من أبناء عمِّك أنجُمٌبهم في غياهيب الدجى يهتدي الشعرُ
شموسٌ وأقمار إذا ناب نائبٌبدا منهم في كلِّ مظلمة فجرُ
أضاءتْ لهم أنسابهم كلَّ مُغْدريُرَقِّي إلى العلياء مسلكه وعرُ
فنال بها " مَرضيّ " ما نيله الرضىوأدرك منها " مُدركاً " ما انتهى النسرُ
وخالت سليماناً " سليمان " قد رقتْإليها به ريحٌ مسافتها شهرُ
وألفت " أبا نصر بن زيد " و " أحمدا "أناف على من سنّها لهما قدرُ
أولائك قومٌ أقومُ الناس بالعلىعلى ذاك منّا أجمع البدو والحضرُ
هم الخلَف الباقي من السَّلَف الذيعلى من مضى أو من سيأتي له الفخرُ
أصولٌ زكت منها فروعُ غصونهالها الثمر المجنيُّ والورقُ النضرُ
أُولوا الحسب الباقي توخوا محلةمن المجد أضحت فيه وهي لهم بكرُ
أرى كل ذي قدر وإن جلَّ قدرُهُبه وإن استغنى إلى جاههم فقرُ
فمن لا يواليهم ويرضى رضاهمويُسخِط من عادوا فإيمانه كفرُ
وقال يرثي الشيخ أبا اليُسْر شاكر بن زيد في محرَّم سنة تسع وثمانين وأربعمائة:
نعمْ خطبٌ ألمَّ بنا جسيمُضئيلٌ عندَهُ الأمرُ العظيمُ
مصابٌ يا (ابن زيد) حلَّ فينافهلْ صبرٌ لديك به يقوم؟
وكيف وفي الجوانح منه نارٌغدتْ تصلى بزفرَتها الجحيم؟
إذا لفحتْ حشا المحزون ضلتتمزّقها كما يُفرى الأديم
أُواصلها بدمع مستهلٍّلكي يخبو به ذاك السموم
فتبعثه دُرَاكاً كاللآليجفون لا يَني منها السجوم
وتسكبه عقيقاً في أوانٍتفيض به من الكبد الكلوم
نثيراً ودَّت العذراءُ لمارأته لو أنه عقدٌ نظيم
وينظر شخص عينك شخص عينيغريقاً في مدامعها يعوم
وقد خطَّتْ على خدَّيَّ وَسماًوصار بوَجْنَتيَّ لها رسومُ
نتوق إلى مصاحبة اللياليوأحداث الزمان لنا خصوم
ونطمع في البقاء وليسَ خَلقٌعلى حالٍ تسالمهُ يدوم
هي الدُّنياعلى ذاك استمرَّتْوأتقنها كما شاءَ العليم
فأجسام تواصلها نفوسوأنفاسٌ تفارقها جسوم
وليس يدافع الأحكامَ علْمٌيُخَطُّ ولا نطاسيٌّ حكيم
فيا لهفي على ندبٍ تولَّىوفي الأجسام منه جوى مقيم
ويا حرقي على من لا يُرَجّىلغيبة شخصه عنّا قدوم
ويا أسفي على بدْر حواهضريحٌ قعرُهُ شعثٌ يَهيم
إذا هبّت به الأرواح أهدىنسيم المسك منه لنا النسيم
ويا عجباً لإقدام المناياعليه كيف جسَّرها الهجوم؟
أما استَحْيَتْه أو هابَتْه لمّاأتته تسوم منه ما تسوم؟
فتى ذهلتْ لمصرعه وطاشتْلِدَكَّة ذلك الطودِ الحلوم
فتى ما انفكَّ يندى منه وجهٌويعرف فيه نظرته النعيم
فتى أدناه من (رضوان) فعلعليه شاهدٌ كرمٌ وخيم
فتى لاقته بالأكواب حورٌتُفَضُّ بأمره عنها الختوم
لتبكيه المكارم والمعاليوتفديه المآثر والعلوم
أبا اليُسْر الذي ما كان إلاإلى أسداءِ عارفة يهيم
يخصّ الرزءُ قوماً دون قومورُزْؤكَ في الأنام لها عموم
ويملَلُ حزنُ كلّ رهين رَيْمٍوحزنك لا يُملُّ ولا يَريم
ستُسقي تُرْبَكَ الأجفانُ رَيّاًإذا ضَنَّتْ بما فيها الغيوم
أَأُسْرَتُهُ الكرام الصبرُ أَولىعلى ما أحدثَ الزمنُ اللئيم
لأنَّ الحمدَ فيه بكم جديرعلى علاّته وهو الملوم
وفي النَّجل الكريم (أبي عليّسدَادُ الثَّلم إذ فُقِدَ الكريم
ونَيلُ (بني سليمان) المعاليعلى ما أدركوا منها قديم
هم الأعلام في الحَضَر الموفَّىفخارهُمُ، وفي العرْب الصميم
لهم نسبٌ يَبُزُّ الشمس نوراًوتحسده على الشرف النجوم
همُ رفعوا عماد المجد حتىأناف، وليس فيه لهم قسيم
فلا زالتْ جدودهمُ صعوداًعلى قُلل السعادة تستقيم
ولا انفكَّ البقاء لهم قريناًيدوم مع الزمان كما يدوم
النص من طبعة دار اليمامة (١٣٩٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع