من «المحمدون من الشعراء» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
محمد بن الحسن الزبيدي النحوي أبو بكر الأندلسي
صاحب الشرطة، من الأئمة في اللغة والعربية. ألف كعاباً في النحو سمّاه " الواضح " واختصر كتاب " العين "، وله مصنفات في الأدب والعربية سيأتي ذكرها، وكان شاعراً كثير الشعر. قال يوسف بن عبد البر: كتب أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي النحوي إلى أبي مسلم بن فهد: طويل:
أبا مُسلم إنَّ الفتى بجنانِهومِقْوَلِهِ لا بالمراكبِ واللُّبْسِ
وليس ثيابُ المرءِ تُغني قُلامةًإذا كان مقصوراً على قِصرِ النفسِ
وليس يفيدُ العلمَ والحلمَ والحجاأبا مسلمٍ طولُ الجلوس على الكرسي
وقال أبو محمد علي بن أحمد الأندلسي: كتب الوزير أبو الحسن جعفر بن عثمان المُصحفي إلى صاحب الشرطة أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي اللغوي، كتاباً فيه: " فاضت نفسه "، بالضاد، فأجابه الزُّبيدي بمنظوم بيَّن فيه الخطأ دون تصريح وهو: منسرح:
قل للوزير السني مَحْتِدُهُلي ذمةٌ منك أنت حافظُها
عنايةٌ بالعلوم مفخرةقد بَهظَ الأوَّلين باهظها
يُقرّ لي " عَمْرُها " و " ومعْمَرُها "فيها " ونظَّامُها " و " جاحظُها "
قد كان حقاً قبولُ حُرمتِهالكنَّ صرفَ الزَّمان لافظُها
وفي خطوب الزمان لي عِظةٌلو كان يثني النفوس واعظُها
إنْ لم تحافظْ عصابةٌ نُسبتإليك قِدْماً فمن يحافظُها
لا تَدَعَنْ حاجتي مطَّرحةًفإن نفسي قد فاظ فائظُها
فأجابه المصحفي: منسرح:
خفِّض فواقاً فأنت أوحدُهاعلماً ونقَّابُها وحافظُها
كيف تضيعُ العلوم في بلدٍأبناؤهُ كلُّهم يُحافظُها؟
ألفاظُهم كلّها معطلةٌما لم يُعوِّل عليك لافظُها
مَن ذا يدانيك إن نطقت وقدأقرّ بالعجز عنك " جاحظُها "
عِلمٌ ثنى العالمين عنك كماثنى عن الشمس من يلاحظُها
وقد أتتني فُديتَ شاغلةٌ للنفْسأن قلت: " فاظ فائظُها "
فأوضِحَنْها تفُزْ بنادرةٍقد بَهَظَ الأولين باهظُها
فأجابه الزبيدي، وضمّن شعره الشاهد على ذلك: طويل:
أتاني كتابٌ من كريم مكرَّمفنفَّسَ عن نفسٍ تكاد تَفيظُ
فَسَرَّ جمبعَ الأولياء ورودُهوسيءَ رجالٌ آخرون وغيظوا
لقد حفظ العهد الذي قد أضاعهلديَّ سواه والكريم حفيظُ
وباحثتَ عن " فاظتْ " وقبليَ قالهارجالٌ لديهم في العلومِ حظوظُ
روى ذاك عن " كيسان سهلٌ " وأنشدوا مقال أبي العيناء وهو مَغيظ
" وسُمِّيتَ غيّاظاً ولست بغائظٍعدوّاً ولكن للصديق تغيظُ "
فلا حفِظ الرحمنُ روحَك حيةًولا هي بالأرواحِ حين تفيظُ "
قلت وقد ذكر يعقوب بن السكِّيت في كتاب " الألفاظ ": " فاضت نفسه " بالضاد، وذكرها ابن جنّي في كتاب " سر الصناعة " له،
وبسط القول هناك، وكان الحكم المستنصر، بن عبد الرحمن الناصر الأموي المستولي على الأندلس، ومقيم سوق العلوم بها مدة، استحضر محمد بن الحسن الزبيدي ﵀ إلى دار ملكه، قرطبة، للاستفادة منه، فأقام بقرطبة مدة واشتاق أهله بإشبيلية، فاستأذن الحكم في العود؛ فلم يأذن له اغتباطاً به. فكتب إلى جارية له تُدعى سلمى بإشبيلية: منسرح:
ويحك يا سلْمَ لا تراعيلا بُدَّ للبيْن من زماع!
لا تحسبيني صبرت إلاكصبر ميْت على النزاع
ما خلق الله من عذابأشد من وقفة الوداع
ما بيننا والحُمام فرقٌلولا المناحات والنواعي
إن يفترق شملنا وشيكاًمن بعد ما كان ذا اجتماع
فكلُّ شمل إلى افتراقوكل شعب إلى انصداع
وكل قرب إلى بعادوكلُّ وصل إلى انقطاع
توفى أبو بكر الزُّبيدي بالأندلس قريباً من سنة ثمانين وثلاثمائة. ﵀ وله من التصانيف كتاب " مختصر العين " وكتاب " الانتصار " على من آخذ عليه في " مختصر العين "، وكتاب في " أبنية سيبويه " وشرحها والزيادة فيها، وكتاب " لحن العامَّة "، وكتاب " الو اضح " في النحو، وكتاب " أخبار النحاة ".
النص من طبعة دار اليمامة (١٣٩٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع