من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
مراد بن علي العمري
ومنهم أخي مراد ذو الطبع النقاد
فارس ميدان الكمال ومنتهى جموعها، ومالك قيود النوال ومليك ربوعها. جال في أطرافها على أغر محجل، والتقط جواهر الكمالات بأطراف الأسنة والأسل. ركب كل صعب وذلول، وتعاطى في أنديتها أقداح سلافة الشمول. واستخدم الأدب فأغنى عن الخدم، وملك الأمر والنهي والقرطاس والقلم. ففم قلمه سحاب هامع، وصحيفة فضله ميدان واسع. في الله ما أحسنه فاها، وما أعلاه جاها. حديثه يورث السرور، وهو الحسنة الباقية مدى الأعوام والدهور.
قيل إنه كان إبان شبابه تفاحة ندمائه، وريحانة أصحابه.
يظهر من أدبه ما يبهر العقول، ويعيي الفحول. من فضل وأدب، وكمال منتخب. وفنون فصاحة، وعيون رجاحة. ونظم رسائل،
ومعجزات دلائل. واختراعات دقيقة، ومداعبات رقيقة، ومنظومات رشيقة. ترتاح لها الخواطر، وتنظمها نظم الأساور بالخناصر.
فمن مكنوناته، ورائق مخزوناته: رسائله مع شروحها في الأصول وآداب البحث والعقائد، بألفاظ كاللآلي ومعان كالفرائد.
وقد هذبها ونقحها، وضوعها وفوحها.
وكان ﵀ مأنوس الربع لكماله، حديد الطبع لجلاله.
يدعي في العلم الوحدة، وموت الفضائل بعده. ولهذا على ما بلغني إذ أني لم أره، وقعت وحشة بينه وبين الوالد، ما كدرت به المشارب وغيرت الموارد. ثم لذلك سافر إلى دار السلطنة، والأجل قد أخذ زمامه وجذب رسنه، فانمحت تلك الحسنة، في تلك الأمكنة.
وهناك اختطفته يد المنية، وسلبته الأمنية. فهو وديعة في تلك الأرض، إلى يوم الجزاء والعرض. وعليه الدهر انشد، في قلب حزين مكمد.
إن أنت أحببت أن تلقى ذوى أسفعلى فقيدهم فاحلل بنادينا
لا عين إلا وقد باتت مؤرقةله ولا قلب إلا بات محزونا
فمن آثاره الزاهرة، التي هي بأنواع المعارف ناظرة قوله:
لم يحظ قلبي من طرفي له لحظاًإلا على أسهم صيرته حرضا
وجمرة الحسن منذ شبت بوجنتهشبت بمهجتي الحراء نار لظى
يا ويح من بهواه صار مفتتناًلو كان يعلم ما لاقيت لا تعظا
كم بت ليلي وأجفاني معلقةبالزهر لا ارتجي إلا بلاغ رضا
هذا المعنى لطيف، وفي بابه ظريف. إلا أنه قد سبقه ابن
قلاقس، وأتى بما هو البديعالغريب، وأخذ منه النصيب وأي
نصيب، وأورده في قصيدة أولها:
رد الركاب لأمر عن في خلديوسمه في بديع الحب ترديدا
وقف أبثك مالان الحديد لهفان صدقت فقل هل صرت داودا
والبيت المطلوب منها قوله:
حلت عرى النوم عن أجفان ساهرةرد الهوى هدبها في النجم معقودا
وهذه القصيدة غريبة في بابها، منها في حسن التخلص إلى مديح ابي منصور محمود:
مالي ومال القوافي لا أسيرهاإلا وأقعد محروماً ومحسودا
أسكرتهم بكؤوس المدح مترعةولم أنل منهم إلا العرابيدا
سمعت بالجود مفقوداً فهل أحديقول لي قد وجدت الجود موجودا
الحمد لله لا والله ما نظرتعيناي بعد أبي المنصور محمودا
ورأيت للصفدي قصيدة على هذه القافية وقد التزم فيها التجنيس وأتى ببعض أنواعه وهي قوله:
حرص العذول على السلو وحرضافغضضت عنه وفي الحشا جمر الغضا
يا جيرة جاروا وقد عدلوا إلىبعدي وما عندي لهم إلا الرضا
أنسيتم أنسي وحاشا ودكمأو عهدكم أن ينقضي أو ينقضا
يا موقف التوديع إن مدامعينضبت وفاضت أن ترى ذاك الفضا
وتتمة القصيدة لصاحب الترجمة:
وكم إلى نحوه قد سرت مجتهدامؤدياً كل ما قد سن وافترضا
هذا ولم يرضه مني فيا أسفيإذ لم أنل قربه والغير فيه حضا (كذا
وليس ينفعني إذ لم يساعدنيجدي فيا حسرتي إذ لم أنل غرضا
فدع عذولي لومي واتخذ سكناغيري فإني لا أرضى به عوضا
لو كان عاشقه يبغي به بدلاحين اللقاء ولو بدر الدجى اعترضا
لما تجشم ما قاساه من ألميسقيه في كل يوم دهره مضضا
أنى يكون سلو عن محاسنهوبعضها منه بدر التم اقترضا
من خصره ليس للعشاق غير ضنىوطرفه إنما يهدي له مرضا
أقسمت حقاً بديني وهو لي عشقيإذ لو رأى ثغره الوضاح ما رفضا
بالأمس قد كان وصل منك عاجلهسخط فيا حبذا أن يعتريه رضا
فإن تسل حاجتي يا بغيتي فكماعهدت فالطف فعمري في هواك مضى
ومن نفثات بابلياته قوله في المديح:
أدامك ربي بالسعود مؤيداوأولاك مجداً لا يزال مجددا
أيا مالك الدنيا ومالك رقهالانت لدين الله قد جئت مسعدا
حميت حمى الإسلام من كل ملةفأضحى بك الدين الحنيف مشيدا
بك الملة الغراء نارت وأزهرتوقد عاد دين الشرك بالكفر أسودا
بك اعتزت الإسلام بعد خمولهاوصار بك الشرع الشريف مؤيدا
بك انتصرت أهل الشريعة والهدىوحازت فخاراً لا يبارى وسؤددا
فيا ملكا نار الوجود بجودهوأحيا موات المكرمات وأنجدا
أيا ملكا حاز السعادة مرضعاونال من الإقبال ما لن يحددا
أيا ملكا قد حاز كل جلالةوكل وقار كاد أن يتجسدا
لقد أذعنت كل الملوك مهابةلحضرتك العلياء إذ كنت مقتدى
سبقت الالى جداً وعزماً وهمةوفضلا وعلماً جل أن يتعددا
وإن كنت من حيث الزمان مؤخراتقدمتهم ملكا ومجداً ومحتدا
رأيت للمحبي صاحب النفحة أبياتاً في هذا المعنى وهي قوله من قصيدة:
ولئن تأخر عمره عنهم فماهو في سبيل المجد بالمتأخر
ليس الزمان بموجب تفضيلهمفسميه المختار آخر منذر
والطل قبل الوبل والأسفار منقبل الضحى والخلد بعد المحشر
وتجيء فذلكة الحساب أخيرةلتكون جامعة العديد الاوفر
ومنها قوله في ذم الدهر ومعاملته بالهجر والقهر:
ولقد عرفت بنيه معرفتي بهفعجبت من حظ اللبيب المدبر
والناس أميل ما رأيت إلى الفتىفيكاد يعدو كل حر موسر
ولرب ذي فضل يواصل ليلهطياً وجهداً في النعيم الأوفر
لا سامح الله الزمان فانهمن شأنه تقديم كل مؤخر
والنذل أضعف ما يرى متقدماكتقدم المعمول قبل المصدر
والمرء أجمل ما يكون مجرداكالعضب ليس يقد ما لم يشهر
وإذا الضمائر في المراتب قدمتوتظاهرت حسن اختفاء المضمر
ومن تتمة القصيدة المترجمة:
فكيف وقد أفنيت كل طليعةمن الكفر حتى كاد أن ليس يوجدا
فللت جيوش الكافرين فقد غدتلوحش الفلا قتلاهم اليوم موردا
وكيف وقد أبليتهم بعساكرتمور كبحر حفه السيل مزبدا
حوى كل مقدام شديد كأنههزبر إذا ما قامت الحرب أرعدا
إذا طفئت نار العريكة شبهاوإن همدت بالنبل والرمح أوقدا
فلم تر إلا سمهريا بكفهيشرعه أولا حساما مهندا
ففي رمحهم تزري ثعالب رمحهومن نبله خلت الفوارس شردا
فتحسب هاتيك الجيوش سحائباًمدافعها كالرعد ما زال مرعدا
وتوهم هاتيك السيوف بوارقاًلقد غشيت من لمعها أعين العدى
وخلت نبال النصر فوق خيولهمكوبل يسح الغيث منه معربدا
فوارسهم كادت تموت إذا رأتمن البعد شبحاً قد تطاول أو بدا
فولوا ولكن لات حين تخلصوفروا ولكن أين يلقون مغتدى
فأمسى ببيلغراد معقل حزبهمكمثل هشيم بالرياح مبددا
فهنيت يا مولى الملوك جميعهاومالك أرقاب الأنام على المدى
فما ذاك إلا من سعودك سيديففي وجهك الإقبال والفتح قد بدا
وبشراك بالفتح المبين ولم تزلمن الله منصوراً وشانيك أربدا
ولما توالى البشر قلت مؤرخاًلقد جاء نصر الله والفتح أحمدا
ومن نظمه:
بأي ثناء تكتسي حلل الحمدوقد نطقت في شكره ألسن المجد
رئيس لقد أضحى لسان يراعهإذا ما جرى أمضى من الصارم الهندي
أنيس جليل يحمد الحلم نفسهبصحبته إذ ضمه فاضل البرد
بليغ فلو باراه سحبان منطقاعلى رغمه لم يفتد بسوى الرد
ولو أن قساً قاس حسن بيانهبجوهره لم يرتد بسوى النقد
ولو نظم النظام بعض صفاتهلشبهه بالفضل في الجوهر الفرد
فتى جعل المعروف وقفا على الورىوبلغ أرباب المقاصد للقصد
فما بريت أقلامه لسوى الندىولا وشحت أوراقه بسوى الرفد
إليك أبا بكر تناجي حشاشتيوقد ذكرت من أهلها سالف العهد
حشاشة نفس هاضها غارب النوىوحرك منها لوعة زائد الوجد
وما هاجها إلا حمامة أيكةتنوح على أفنانها القضب الملد
انتدب إلفا جارها غير نازحويندب إلفا مغرم الربع بالصد
لشتان ما بين الشجيين في الهوىوسيان ما تخفي من الشوق أو تبدي
وما راعها إلا مطاوى حنينها«على أن قرب الدار خير من البعد»
أأطوي مرامي القفر والهم صاحبيوأقلى صحارى البيد وكدا على وكد
وأرجع صفر الكف والكنز هاهناوأظما وهذا المنهل العذب للورد
وفي النفس آمال وهذا يردهاحيائي وأخشى من مجاوزة الحد
ولي في الوزير الألمعي خريدةأودعها فيها محسنة العقد
فان تولين منك الجميل عرضتهاوإلا فدم في دولة زائد المجد
فأنت الذي أحسنت بي فرددتنيلأهلي فأنت المنعم المحسن المجدي
لك الهمم اللاتي تناهت وقد سمتفلو عددت لم يحصها متقن العد
ولا برحت أوقاتك الغر تجتنىبعز واقبال مجددة السعد
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع