من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
يحيى العمري
ومنهم نجله الفاضل يحيى
الشمس تسليك عما حل بالقمر. فتى تعاطى سلافة أقداح الإفتاء، وعرج إلى سماء الفضل وقمة الجوزاء. أفتى وهو في سن الخمسة عشر، وكاد لغيره إن لم يبق ولم يذر. أسفر عن خرد عرائس المسائل اللثام، فانقادت لخدمته العلماء الأعلام. فلا فضل إلا فضل تلك الشمائل، ولا قمر إلا في تلك المنازل. أدبه جامع، وحسام مجده قاطع، أوقد شمع المعارف وسراج الحكم، فظهر ظهور الشمس في حالك الظلم. فرتبته أعلى من الفلك، وفضله تاج بهام كل ملك.
معال تمادت في العلو كأنماتحاول ثأراً عند بعض الكواكب
أما فضله فباهر، وأما ربيع مجده فزاهر. دخل قصور الأدب من أبوابها، وزين بقلائد النظم جيد أصحابها. فله فضائل ومآثر، تلقتها أيدي الكتب والدفاتر. قد انقاد جميع الأنام إليها، وعولت في مهامها عليها. إلا أنه لم يوف معه الزمان، وأغار على حصون عمره ذلك الخوان.
وكان ﵀ غواص بحر العربية، وقناص فرائدها السنية.
يستخرج المعارف من لججها، ويقتنص بكر اللطيفة من هودجها.
انتهت آدابه إلى القطب فكان عليه المدار، ووصلت إلى الشهب فحق بها الافتخار. فكل دار به محلال، متوشح بالوقار والإجلال. فكمالاته السارية منشورة، وافضالاته السائرة غير مستورة. وإفاداته الجارية في الأنام مشهورة. قرأت عليه في الصغر واستقصيت منه الأثر، وأحييت بمكارمه ما دثر، فكان كالمطر، في كل ما قطر، وهو كالقمر، في كل السمر، فخذ ما بهر، من كل ما نثر. وذلك أي تحصيلي منه، وأخذي عنه، قبل وقوع الوحشة، وحصول الدهشة. إذ قد جرى بيننا أكدار، واتفق لنا معه بعد ونفار، يحير النظار، وإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار أتعبني وكالهدف نصبني. سامحه الله، إذ بعدها صفا، وبحق القرابة وفى، وقد كنت له ظهيرا، وما ذكرت فيه إلا شيئا يسيرا، وما أبهمت تفسيرا. هذا وأنا ساعده، وبعد القطع مساعده.
وكنت يمينه، وفي أسراره أمينه. قسما بسبقه، ومقدم حقه، أني بعد ذلك الكدر، والأمور التي ظهرت بها العبر، لم أتغير عن خلوصه، ولم أزل أزين صحائف آدابي بنصوصه، وبجواهر فصوصه.
فما يخبرك عن تلك الموارد، وينبؤك عن كيفية تلك المعاهد، ما وقع بيننا في تلك الأيام، من محاورات الكلام، وتحريرات رسائل وجواب، على طريق الإصابة ونهج الصواب.
منها قوله:
بنيت أيا عثمان ما هدم الدهرفلا زلت مسعوداً بمقدمك البشر
فأنت سحاب يحيا كل بهطلهوقطر يرجى قطره حيث لا قطر
ووجهك بدر قد نفى ظلمة الدجىسناه وأخلاق هي الأنجم الزهر
وقد نال كل من نداك سؤالهوعمهم من فيض إحسانك الغمر
على غفلة شرفتنا فهي زورةتقضى بها العتبى ويغتفر الوزر
فأنت ترجى للشدائد ملجأوأهلا لمن قد قال في مدحك الشعر
إذا المرء ما لم يشتهر بخصالهفيلفى ولم يبعد بسؤدده ذكر
فدمت بعز لا يشوبك نقصهمدى الدهر لا يخشى الردى ولك الأجر
ولما وافاني رسوله بالرقعة، صارت لزهاء مجلسنا كالشمعة، وقد تفتح في حافاتها النرجس والأقحوان، وترصعت صحائفها بفرائد اللآلي وعقود الجمان. وروى بها فضيلته التي رجحت، وآدابه التي زهت ونجحت، أخرت ذلك الرسول إلى أن جعلته لي رسولا، واتخذت بجوابي المرتجل لاقتطاف ثمر آدابه سبيلا، فقلت:
لما رأيت سحب البلاغة هطلت من أكف الكرم، وجادت ببدائع فنون المعارف والحكم، حيث غرد قمري أنامله على قد القلم، نسجت من سدى قصوري هذه الأبيات، وأنا أتمايل بها طربا بين القصور والأبيات. فهي مولود ساعة، من قليل
البضاعة، فالمرجو أن تجعل صداقها حسن القبول، فإنه غاية القصد والمأمول.
أمبسم غيد أم سنا من سنا البدرأم الغادة الهيفاء بانت بلا خدر
وقد كست الصدر الصقيل جواهراًفبان لنا ذاك السناء من الصدر
أم اقترنت بالبدر فاكتست الضياأم الصبح أم ضوء النهار مع الفجر
أم الشمس أم نظم الأديب الذي غدايفوق سنا في نظمه عقد الدر
هو الواحد الفرد الذي باسمه غدتمنابر أهل الفضل تحيا إلى الحشر
أديب لبيب كامل متكملرضيع لدر الفضل من محكم الذكر
هو الحبر بل والبحر والغيث والندىأنامله بحر تحل عرى القطر
فلا زال يرقى للمعالي بمجدهويقطف أثمار العلوم بلا عذر
فينمو ويسمو ثم يرفع رتبةإلى نحوها هام السماكين لم يطر
أمولاي قد اتحفتني بقصيدةسقتني كئوس الفضل من رقة السحر
فيا من غدا بالفضل يسحب ذيلهومن فاق أهل العصر بالنظم والنثر
نفثت لسحر معجز مفرد بهافهبت لنا النفحات طيبة النشر
فخذ نحوها بالوزن لا بفصاحةفكيف تباهى وهي واحدة العصر
وإن كان قد أوجزت بالمدح سيديفلم أك ممن قد يقصر بالشكر
فعذراً وعذري واضح ومبينفإن عداد الفضل يربو على الفكر
فلا زلت تسمو بالمعالي وتنتميإليها وأبواب البلاغة بالصدر
متى صاغ دراً شاعر بتفكرلنظم قواف سمطها من سنا الزهر
ولما اشتهر هذا القيل، ووصل أيدي المتطاولين، وتناولته أنامل المتأدبين، وجنت منه كل نفيس وثمين، واكتسبت منها مكارم وفخرا، وادخرتها للمسامرة والمفاكهة أحسن ذخرا. وتناولها كل
ذكي وتعاطاها، وتراسلها كل ألمعي وتهاداها، كتب الي في الجواب ما اعجز الإبداع منها والإغراب بقوله:
أتانا كتاب يوجب الحمد والشكرابرقة ألفاظ حكى صوغها درا
فبكر معانيه بديع بيانهإذا نفحت فاحت مجالسنا عطرا
كتاب هو السحر الحلال بنظمهولكنه في نثره الآية الكبرى
حوى كل معنى معجز في حروفهفصيرنا نشوى فصاحته سكرا
فنزهت طرفي في محاسن روضهوسرحت لحظي أجتني النور والزهرا
فلو سامه قس لأحصر نطقهوأقسم حقاً أنه ينفث السحرا
فأوليته حسن القبول معظمالمقدمه إذ قد كسيت به فخرا
شمخنا به أنفا على رغم كاشحوقلنا كذا من قال فليقل الشعرا
وحق لنا أن نفتخر بورودهلمصدره ممن فواضله تترى
أديب لبيب في المكارم ماجدحسيب نسيب كامل واسع صدرا
كريم السجايا ليس حد لمجدهوفيض نداه أغمر البر والبحرا
شهاب مضيء في الفضائل ثاقبوزند ذكاء في البلاغة قد أورى
هو العلم الفرد الذي شاع ذكرهفأوصافه لا نستطيع لها حصرا
فهاك عروساً في مديحك تجتلىقبولك إياها يكون لها مهرا
وإن أو جزت بالمدح فهي جديرةبأن تتلقى بالقبول وأن تقرا
فلا زلت في عز منيع وسؤددتنال به فخرا وتعلو به قدرا
ورد الكتاب من الأخ فتلقيناه بالقبول، وانتشقنا به شذا فصاحة بهرت العقول. وكيف لا وقد كشف القناع عن أبكار الافكار، واستخرج مخدرات المعاني من تلك الأستار. فيا له من أديب إذا اخذ القرطاس خلت يمينه تنقط نورا، وتنظم لؤلؤاً منثورا. غرة جبين الكمال، ومنتهى القصد والآمال. الخائض بحور المعاني، والمستخرج درر المثالث والمثاني. لا زالت شموس أدبه مشرقة، ونواصي البلغاء بين يديه مطرقة. ما همل ركام، وسجع حمام.
هذا وقد أرسلت له ما جال في الخاطر الفاتر، مع اعترافي باني قليل البضاعة، وكاسد في هذه الصناعة. فالمرجو القبول، فانه القصد والمأمول.
فوصلتني الرسالة الثانية، وأنا عن العزم إلى طريق الجواب ثانيا، إذ الأولى لم اصح من خمارها، ولم افق من سكر سبقها في مضمارها وهذه المنحة الأخرى، والآية الكبرى، والصباح الذي أرسل أمامه فجرا. وقد نثر في هذه الصحيفة لآل، وأثبت معارفا وكمال.
وأظهر فنون، تعجز الظنون، وتبهر العيون. وزف عروسا تهزأ بالشموس، وترتاح بسماعها الآذان والنفوس. فهي بكر عربية، وعذراء بدوية، كالشمعة المضية. أعربت عن إعجازها بإيجازها، وقد أنجدت وأغارت، ولم تسر شمس حيث سارت.
ولكن المودة هي التي دعتني، وفي هذه الورطة اوقعتني، فأجبته في الحال، على طريق الارتجال، مع علمي بأنه فارس المجال، بقولي:
وافي كتابك يا مولاي في الظلمفافتر مبتسماً عن رايق الحكم
فصرت مفتكراً في نظمه أمداًرأيته بين منهل ومنسجم
فجوهر اللفظ قد صيغت محاسنهفي سمط عقد سما كالدر في الكلم
آيات تهذيبه لو كان يبصرهاقس بن ساعدة في غمضة الحلم
أو أحمد ابصرا من صنعها عجباأما السجود فما قولي بمتهم
راقت ورقت وكانت بنت ليلتهاوشاحها النجم عقد غير منفصم
أما المعاني لا تحكي محاسنهالطافة قسما بالنون والقلم
وكيف تحكى وكادت أن تكون لنابدراً من الأفق أو ناراً على علم
وحق أن تتلقى بالقبول وأنتكون فخراً لأهل الفضل كلهم
وقد أتت بمراء من شمائلهامشحونة بوداد من أخي كرم
مهذب القول لولا أنه أذنيصغي إلى قول واش بالنفاق سمي
فريد عصر روينا من فضائلهآيات فضل سمت في سائر الأمم
هو الأديب اللبيب البارع السند الصافيالسريرة والأخلاق والشيم
ألقيت مذ سبكت تلك القوافي فيأعجاز لفظك في در من الحكم
عصا التفنن والتسليم ليس رضالكن لئلا يجازي النور بالسخم
فان ألفاظك اللائي نثرن لناتلك الدراري سمت بالفضل من قدم
يحق للحور أن تنظم جواهرهافي جيدها عوضا عن كل منتظم
لا زال بابك باباً للوصول إلىنيل العلا مقصداً للجود والكرم
ما رنحت عذبات البان ريح صباواطرب العيس حادي العيس بالنغم
مولاي، أما القرطاس فكاد أن يشتعل ضراما، وأن يكون عذابه غراما، حتى قال فم القلم يا نار كوني بردا وسلاما، فإني ألقي إلي كتاب كريم، واجب الترحيب والتكريم. فمتعت النظر في تلك الرياض والنعم، حيث هبت من نحوه نفحات طيب وكرم. فلم أدر منام، أم طيف أحلام. أم قرب بعد النوى، أم حبيب أتى وما ارعوى. فإذا هو كتاب كريم، أشرق بدر فضله في سماء الكمال، فخلع علي برود المسرة من أوج السعادة والإجلال، حيث غاص في قعر بحار المعارف فخرج أخضر
يانعاً وسابق قصب السبق في مضمار البلاغة فغدا فضله ساطعاً.
فيا لوارد من كعبة جود وكرم، ومعدن فضل وحكم. اخذ بمقاليد البلاغة من كل جانب، ورماني من الفصاحة بهذا السهم الصائب، فحركت البنان، مع معاونة اللسان، فغرد قمري الأنامل على أيك القلم، ولفظ من فمه البرء بعد السقم. ونفث من سحر آياته الباهرة، وهو متمايل بين رياضه الزاهرة. كما هو مسطور، من منظوم ومنثور. وكنت ممن زجر الطبيعة، عن اكتساب هذه الصنيعة. ولان لسان التقصير، كما هو مشهور قصير. ولا سيما والفضل روض أنت سناه، والكمال شيء أنت مناه. والفصاحة قد أخذت بمقاليدها، وعلمت طارفها وتليدها. فالمرجو العفو عن التقصير العميم، فإني قد أشرت إلى إلقاء عصا التسليم.
ولما أصبحت المعالي وقد أزهر به ربعها، واتسق بادبه شاردها، وانتظم بفضله جمعها، وهو إذا في بلدنا مفتي الامة، والملاذ المغيث في كل مدلهمة. وقد همى منه للمعارف انسجام. وأصبح بأدبه لأرباب البلاغة إعجام. وأوضح إشكالا، وفتح أقفالا.
وسهل صعاب، وسلك في القريض شعاب. وسئل عن كل شكل فأجاب، وأغرب في كل ما أملى وأصاب.
فمن جملة ما وصله على طريق السؤال من ابن عمنا عمر، هذا السؤال الادبي المبتكر. وهو:
يا سيداً في الورى شاعت فضائلهوكم جلت مشكلا عنا مسائله
بحر العلوم محل المعضلات ومنفي الشرق والغرب قد سارت رسائله
قامت بصحتها عنه الدلائل فيأفضاله فسرت فضلا دلائله
كنز لقد نظمت منه جواهرهبحر لقد عذبت منه مناهله
إن أشبكت في طروس العلم مسألةفي معرك البحث حلتها أنامله
أو جال فوق جواد الفضل مقتفلادرع الكمال فمن فيه يجادله
فإنما العلم في كل الأمور لهبحر مديد ولكن أنت كامله
فاكشف لنا عن رموز ليس نعرفهاواصنع جميلا وكن للخير نائله
جئناك نستفتي فاسمح بالجواب لناأعزك الله ماذا أنت قائله
فيمن بلي بكحيل الطرف ذي هيفإذا قسا قلبه رقت شمائله
إذا انثنى معجبا أو ماس محتجباوهز ريح الصبا منه غلائله
أمست بدور السما بالحسن تحسدهكذا غصون النقا تهوى تمايله
تفقهت بعلوم السحر مقلتهانسانها ساحر واللحظ بابله
وكنز وجنته ألحاظه رسمتطلاسماً رصدت فيها مباطله
لكنه باخل في وصل عاشقهوإنما هجره والصد باذله
صب يبيت وجنح الليل منسدليحدي الظلام إذا سارت قوافله
فإن شكى حاله يوما لقاتلهعسى يجود له أمسى يماطله
قاسى به كل هول في تصددهما لا يكد جبل في الأرض حامله
والآن رق له من بعد جفوتهوقد رأى صبره أضحى مواصله
فان تمنع عن تقبيل وجنتهواستعمل الصبر كان الصد قاتله
والصد تهلكة إن رامه دنفعاص تقولون لم تقبل نوافله
وإن أطاع الذي يهوى وقبلهحين الوصال فليس الشرع قابله
فكيف يصنع مقتول الغرام فهلمن فتوة عندكم تنفي مشاكله
لا زلتم سنداً للسائلين لكمكي يستفيد قليل العرف جاهله
فأفت الكئيب عسى من فيض نائلكميستيقظ العزم عما كان غافله
لو شاعر رام أمراً منك سائلهكانت إليكم قوافيه وسائله
لا زلت تسمو بهام الفضل مرتبةفي طيب عيش وحفتكم خمائله
ولما وصلته الصحيفة بيد الرسول، وهبت على أرجائها من فضله نسمة القبول. وظهرت إمارات الرضا، وجرد سيف الفضل وانتضى انتهض تحت صبا أعنة، وقبض شبا أسنة. وركب جواد النظر وجال، وأرسل عنان النظم فقال:
يا سائلا عن مرام عز سائلهقد بان من لفظه عندي وسائله
إن رق من في هواه القلب مفتتنفكيف يمنع عن أثم يحاوله
فالصد إن كان عن دل فآخرهوصل وان كان قد مجت أوائله
إن أمه دنف تهدى فرائضهوليس ما قيل لم تقبل نوافله
فان تكن زاهداً عن كل فاحشةحقاً فقبل وخذ ما أنت آمله
فقد يباح حرام عند حاجتهويأكل الميت مضطر يحاوله
خذ فتوتي موقناً في صدق قائلهاوالقول أصدق منه كان قائله
فهمت أنك تصبو في الأنام كماأصبو وبحر الهوى ماجت سواحله
فاعلم كلانا بحال لم يشبه سدىتحدي الظلام إذا سارت قوافله
وهذا الباب، أي السؤال والجواب، باب نادر، تنتعش بسماعه النفوس والخواطر. وقد سلكه الكثير من أهل هذا الفن.
وأتوا فيه بالنادر الغريب الحسن. ولما فتح لنا إلى الدخول فيه بابا ووجدنا إلى الوصول إليه انسيابا فلنورد منه ما يروق، ويسمو ويفوق.
فمن ذلك القبيل، والنادر الذي ماله مثيل. قول بعضهم على هذا الروي والقافية، ما هو أعذب من المدامة الصافية. وهو:
متيم لم يزل في الحب ذا شجنوالقلب من شغف عزت وسائله
إن رام من حبه وصلا يكون لهعونا على الحب كان الصد حائله
أو رام من خده لثما يقول لهورد الخدود عزيز عز نائله
فهل ترى العارفي ذا الحب يا أمليأم تركه العار إن لحت عواذله
فهذه قصة المشتاق يا سنديروحي فدى لك ماذا أنت قائله
فالجواب الذي هو على نهج الصواب:
إذا الفتى من أليم الوجد كان شجىوظل عن طرق ما أضحى يحاوله
أو إن أتى زائراً محبوبه لينلمنه التواصل كان الصد حائله
يستعمل الصبر في هجر الحبيب نعمفالصبر يا صاح لا شيء يعادله
فليس في الحب عار تختشيه بلىفي تركه العار إن لحت عواذله
هذا جوابي فلا تركن إلى أحدفتارك العشق لم تقبل قوائله
ومثله من الرحيق الشافي ما حكي عن الشيخ محمد اليافي، أنه دخل عليه غلام، ودموعه في انسجام. وهو في سن الحداثة، وقد طلب من الشيخ المذكور الإغاثة. فناوله صحيفة، وفيها هذه اللطيفة. وهي:
عاشق خاطر حتىاستلب المعشوق قبله
افتنا لا زلت تفتىهل يبيح الشرع قتله
فأجابه الشيخ في الحال، من غير اضطراب وملال.
أيها السائل عمالا يبيح الشرع فعله
قبلة العاشق للمعشوق لا توجب قتله
وذكر الخزرجي في تاريخه في ترجمة أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي: إن رجلا كتب إليه أبياتا كالعسل، حاوية لهذا المدعى والجدل، يقول فيها:
أبا جعفر ماذا تقول فانهإذا نابنا أمر عليك المعول
ولا تنكرن قولي وأبشر برحمةمن الله في الأمر الذي عنه نسأل
أفي الحب عار أو ترى العار تركهوهل من لحا أهل المحبة يجهل
وهل ذا مباح فيه قتل متيموأحبابه عنه تصد وتقبل
فرأيك في رد الجواب فانهبما فيه يفتى أيها الشيخ أفعل
فأجابه الشيخ المذكور، بما هو كالدر المنثور:
سأقضي قضاء بالذي عنه تسألوأحكم بين العاشقين وأعدل
فديتك ما في الحب عار على الفتىولا العار ترك الحب إن كنت تعقل
ولكنه إن مات في الحب لم يكنله قود عندي فلا عنه تغفل
ووصلك من تهوى وتعشق جائزعليك كذا حكم المتيم يفعل
فهذا جواب فيه عندي مقنعلما جئت عنه أيها الشيخ تسأل
ومثله ما سئل الفاضل الذي ما له ثاني، والواحد الذي بغير مداني أبو الفضل ابن حجر العسقلاني:
ماذا يقول فقيه الوقت في رجلأضحى قتيل الهوى من أسهم المقل
فهل يجوز له إحياء مهجتهمن ثغر محبوبه بالرشف والقبل
وهل يجوز له يوماً يعانقهويشفي القلب في قول وفي عمل
فهذه قصتي في شرحها عجبفأسرع برد جواب يا منى أملي
فأجابه الفاضل المذكور، بما هو كالدر المنثور، بقوله:
إن صح دعواه في إتلاف مهجتهبان رشف اللمى تشفي من العلل
فليلثمن رضاب الثغر مرتشفاوليقطفن بفيه وردة الخجل
فذاك في ملة الإسلام أيسر منقتل امرئ مسلم لله في الازل
ومثله أيضا ما كتب القاضي أبو الطيب المفضال، على هذا الطريق والمنوال. وهو:
يا أيها العالم ماذا ترىفي عاشق مات من الوجد
من حب ظبي أهيف أغيدسهل المحيا حسن القد
فهل ترى تقبيله جائزاًفي الفم والعينين والخد
من غير ما فحش ولا ريبةبل بعناق جائز الحد
إن أنت لم تفت فإني إذاأصبح من وجدي استعدي
فأجابه القاضي، على المنوال الماضي، بقوله:
يا أيها السائل إني أرىتقبيلك المعشوق في الخد
يفضي إلى ما بعده فاجتنبقبلته بالجد والجهد
فان من يرتع حول الحمىلا بد أن يجني من الورد
تغنيك عنه كاعب ناهدتحضر بالملك أو العقد
تنال منها كلما تشتهيمن غير ما فحش ولا صد
هذا جوابي لقتيل الهوىفلا تكن في ذاك تستعدي
ومثله ما كتب إلى الوركاني، حاوية لهذه الأمور والمعاني.
ماذا يقول إمام الناس قاطبةفي عاشق لثم المحبوب هل أثما
متيم في هواه قد أناف بهعلى ردى الحب والمعشوق قد سلما
قد عف في حبه عن كل معصيةوكف مستعصماً عن كل ما حرما
هل يأثمان بلثم يعبثان بهليطفيا لهبا في القلب مضطرما
فأجابه ذلك الأديب، ولله دره من مجيب:
شريعة العشق تأبى لثم من لثمامعشوقه وتريه ذاك مغتنما
والصب سمي صباً من بليتهوصب من توقه بالشوق منه دما
ومن تعاطى حراماً في هواه أتىبالفسق لا العشق لكن صحف الكلما
وما أخال لهيب الوجد يطفئهتقبيله بل إذا التقبيل عز نما
هذا جواب الذي استفتيت فيه فخذفقد أتاك كسمط الدر مبتسما
وإن لم يكن من هذا القبيل، ولكنه في السؤال والجواب مثيل.
ما كتبه بعض الفضلاء لأحد الأدباء:
يا أيها المولى الذيصيغت له العليا غلط
بعد الفروق الممتلياخترت تبتاع البوط
فأجابه الأديب الثاني، بما يعد من المثالث والمثاني:
قل للوجيه مخبراممن له العذر بسط
للصر كنت كاتبافمن على الصاد نقط
وللكمال كاسبافالكاف من لها كشط
لكن أفعال الزمان ربما جاءت غلط
والتبر لا يشينهيوماً إذا احتاج البوط
فراجعه المذكور، بما هو كالآس والمنثور، بقوله:
يا من أجاد إذ أجاب بالصواب لا الغلط
وقاس إذ قاس وقدقسا الزمان وقسط
فالله ما أخطأت في القياس أو رمت شطط
لكنني راض بماقضى به الله وخط
فارض بما قدرهولا تجاهر بالسخط
واستشعر الصبر فماخاب رفيق الصبر قط
وللهموم غمرةوتنجلي عمن قنط
وعادة الله جرتبحل ما قد ارتبط
ونقطة الصاد من الصر لمن خاف وشط
والمال لا يبقي الكمال بل لديهم يشترط
فخذ جواباً شافياكالتبر صفته البوط
واعذر أخا شغل فإن العذر يمحو ما فرط
ومثله ما نقل عن محمد الكواكبي الحلبي وقد أرسلها إلى عبد الله الحلبي ابن الحجازي وهو:
حتام في ليل الهموم زناد فكرك ينقدح
قلب تحرق بالأسىودموع عين تنسفح
ارفق بنفسك والتجىلحمى المهيمن تنشرح
واضرع له إن ضاق عنك خناق حالك ينفسح
ما أم ساحة جودهذو محنة إلا منح
أو جاءه ذو المعضلات بمغلق إلا فتح
فدع السوي وانهج علىنهج السوي المتضح
واسمع مقالة ناصحإن كنت ممن ينتصح
ما تم إلا ما يريدفاخلع مرادك واطرح
واترك وساوسك التيشغلت فؤادك تسترح
فأجابه المذكور من هذا الباب، بما هو كالشهد المذاب.
يا أيهذا المصطلحقل لي بماذا تصطلح
أفسدت عيشك بالمنىوزعمت أنك تنصلح
وأضأت حتى كدت فينار العذابة تلتفح
حتام تهنا بالذيتكفى به أنت الملح
وإلام تركن للحياة ومن دواها تجترح
أو ما ترى الدنيا ويجمعها الشتيت المنكسح
والله ما افتخر العزيز بعزها إلا طرح
كلا ولا مرح الجواد برحبها إلا كسح
فاقنع بلحتاها القليل ولا تمار فتنفضح
واجعل مؤونتك التقىفهو الطريق المتضح
وإذا الحقوب تزاوجتفالصبر أنجح ما لقح
لا تيأسن من ان تداويك الأمور وتنشرح
فلربما سر الحزين ولربما غم الفرح
ولربما سقط القعود وقام بالغي الطلح
والله أكرم ما يرجىفي الهموم المفتتح
فكل الأمور للطفهوالزم حماه المنفسح
واعمل بنصح مسددمن في تجارته ربح
ما تم إلا ما يريدفاترك مرادك واطرح
واترك وساوسك التيشغلت فؤادك تسترح
ومن الغريب النادر، والنثار العجيب الفاخر، ما يقرب من هذا الباب، ويدور في هذا الدولاب، ما كتبه السلطان محمد بن قلاوون حاكم مصر إلى شريف مكة قتادة وهو:
يعلم السيد أنك بدلت أرض الله بعد الأمن بالخيفة، وفعلت ما يحمي الوجوه ويسود الصحيفة. آويت المجرم، وقتلت المحرم. فو الله لئن لم تنته عن حدك، لأغمدن فيك سيف جدك.
فأجابه الشريف:
العبد معترف بذنبه، تائب إلى ربه. يسألك الرضا، والعفو عما مضى. فإن عفوتم فأنتم لذلك أهل وهو اقرب للتقوى.
وإن عاقبتم فأنتم بنا أولى، ويدكم أطول وأقوى، وأياديكم تكافيه، وكل إناء ينضح بما فيه.
فأرسل السلطان يطلب حضوره فأرسل الشريف إليه:
بلادي وان جارت علي عزيزةولو أنني أعرى بها وأجوع
ولي كف ضرغام إذا ما بسطتهابسوق الورى أشري بها وأبيع
معودة لثم الملوك لظهرهاوفي بطنها للمجتدين ربيع
أأتركها تحت الرجاء وابتغيخلاصاً لها إني إذا لرقيع
وأما أنا كالمسك في كل بلدةأضوع وأما عندكم فأضيع
فكتب إليه الملك:
إذا نزع الشتاء جلبابه، ولبس الربيع أثوابه، أتيناكم بجنود لا قبل لكم بها ولنخرجنكم منها أذلة وأنتم صاغرون.
فكتب الشريف إلى جميع الأشراف الحسني والحسيني ومن يليهم من العربان يستنصرهم شعراً:
بنى عمنا من نسل موسى وجعفروآل علي كيف صبركم عنا
بنى عمنا إنا كأفنان دوحةفلا تتركونا يتخذنا القنا فنا
إذا ما أخ خلى أخاه لآكلبدا بأخيه الأكل ثم به ثنى
فأرسل إليه سرية فقتلها قتادة وهزمها. فلما رأى الملك شجاعته وحميته ونهضته، بعث إليه خلعاً سنية، وأقطعه الأماكن من
الوقف. فانشد الشريف شعرا:
لا يكسر الله متن الرمح إن بهنيل العلا وأتاح الكسر للقلم
ومن شعر صاحب الترجمة:
كم ذا التحمل في الهوىوالقلب مني قد كوى
ظبي سبى عقلي وقدأضنى فؤادي في الجوى
وأضل قلبي شعرهوالرشد مني قد غوى
قاسيت من لفتاتهللجيد مني إذ لوى
الشعر منه مرسلوالثغر دراً قد روى
ما الواشي فيه مصدقما ذاك إلا قد عوى
لم أنس أوقاتاً لنامرت بمنعرج اللوى
يا طرفه الظامي لقدأوهنت جسمي والقوى
مهلا فإني مولعوالقلب مغرى بالنوى
ما مخلصي من عشقهدعني فمالي والجوى
إلا أبو الخير الذيللفضل جمعاً قد حوى
مفتي الأنام بعهدهذكر الأوائل قد طوى
ربي يطيل بقاءهولكل عبد ما نوى
قوله: ولكل عبد ما نوى، هذا الاقتباس من حديث رواه من الأئمة الحفاظ ما فوق ثلاثمائة نفس، وقيل سبعمائة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁.
قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.
وهذا الحديث قد تواتر النقل عن الائمة، بتعظيم موقعه وكثرة فوائده، وإنه أصل عظيم من أصول الدين. ومن ثمة خطب به ﷺ كما في رواية البخاري فقال: يا أيها الناس إنما الأعمال بالنيات. وخطب به عمر رضي الله تعالى عنه على منبر رسول الله ﷺ.
ولذلك قال أبو عبيد: ليس في الأحاديث أجمع وأغنى وأكثر فائدة منه. ومن ثم قال أبو داود أنه نصف العلم. وقال الشافعي إنه ثلثا العلم.
قال البيهقي: لأن كسب العبد أما بقلبه أو لسانه أو جوارحه فالنية أحدها وأرجحها، لأنهما تابعان لها، صحة وفسادا، وثوابا وحرمانا، ولا يتطرق إليها رياء ونحوه بخلافهما.
وهذا تلخيص ما ذكره ابن حجر في «الفتح المبين في شرح الأربعين».
وقد نسج صاحب الترجمة أبياته على منوال ابن نباتة بقوله:
نقل الصبا عن مهجتيخبر الصبابة والجوى
وحياتكم ما ضل فينقل الحديث ولا غوى
آه على العيش الذيبيد الغرام قد انطوى
ما كان أسرع ما انقضىوحصلت منه على النوى
عجبا لمثلي ما علىنار الملاح له قوى
وللشاب الظريف شمس الدين بن العفيف نظيرها:
ما بين هجرك والنوىقد ذبت من ألم الجوى
يا فاتني بمعاطفسجدت لها قضب اللوى
وحياة وجدك ما سلاعنك المحب ولا ارعوى
يا من حكى بقوامهقد القضيب إذا التوى
ما أنت عندي والقضيب السلب في حال سوا
ها ذاك حركه الهواوأنت حركت النوى
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع