من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
عبد الباقي بن مراد العمري
عمي عبد الباقي.
فاضل كامل، وكامل فاضل. جبلت طينته بماء الرئاسة، وسارت فواضله بأنواع المكارم والنفاسة. ففضله آية النهار، ومجده هلال جميع الأمصار. ملك زمام الفوائد، فحسن المبادئ والمقاصد. وصاغ قلائد المجد لجيد العلا، ونظم عقود اللآلي لكل الملا.
البسه الله ثياب العلافلم تطل عنه ولم تقصر
نظم ونثر، وهطل فقطر. فكان في الشعر أبلغ من أبي نواس، وفي الذكاء أفرط من إياس. حتى اخبرني الوالد الماجد ﵀ عن فرط ذكائه أنه قال: كان مصطفى البصير،
في المعارف خبير، وكان في الحفظ لا يقبل النظير. وكان يلازم المومى اليه، ويجعل معوله دون الناس عليه. ويلازم ناديه، متوقعاً لنثار أياديه. وقد أرجت منه نوافج الند، وماست معاطف الرند. وهو في مجلسه، متشرف بتأنسه. فيتناشد الأشعار ويتذاكر عن مواقع النثار، في تلك النضار. ويتفكهون بالنشيد ويتسامرون بالقصيد. فينتعش البصير ويتمايل، ويهتز طرباً بكل ما يتناول. ويحفظ قصائد من نشيد واحد، ويدعي سماعه في الزمان المتباعد. وينشدها فإذا هو كما قال، من غير ضميمة نقص واختلال. فيهتز عمي به طرباً، ويستخرج من معادن فكره جواهر وذهبا.
وكان في الغاية سريع النظم، قوي الفهم، منظوم الكلم.
غريب النباهة، عجيب البداهة. رايق النشيد، فائق النظم والقصيد. فنظم مرة قصيدة، كاللئالئ نضيدة. وهي في بابها عجيبة، وحشية الألفاظ غريبة. متقاربة الألفاظ، مشكلة على الحفاظ. من قبيل ما ذكره صاحب المستطرف نقلا عن الأصمعي قوله:
صوت صفير البلبلهيج قلب الثمل
امتحانا للبصير، وتجربة لحفظه الغزير. فلم يسعه حفظها. وسلم
له بالذكاء والفهم بالحال، وجرت مداعباتهم على هذا القبيل والمنوال. فكان يتأسف الوالد على فقده إذ مات شاب وفات هباب، وغابت شمس فضله في التراب.
فمن منظوم نظمه قوله يمدح قاضي العسكر يحيى بقصيدة وهي:
كيف حال امرئ يبات شجياساهر الطرف لا يزال بكيا
مولع القلب ليس ينفك يمليصحف البين بكرة وعشيا
كلما هبت الصبا من أقاصيشعب حدبائه تزايد غيا
وتردى برد السقام وأضحىشوقه في طوى الضلوع وريا
وتلافى بعد الديار فنادىربه في الدجى نداءً خفيا
كيف أنسى من أرضعتني أفاويق اغتباط وكان بالي رخيا
وطني موئلي قرارة صفويدار أنسي ما بت فيها شقيا
كل يوم لي اجتلاء جديدفي رباها وناظري يتحيا
بين ورد ونرجس وأقاحوصحاب بيض الوفا والمحيا
فسقى الله ساحة الجوسق الفرد من الديمة المسحة ريا
كم ليال مرت بها ذات أنسحادث الدهر كان عنه غبيا
زمن قد سحبنا فيه فضول العيش بالأنس لا نخاف غويا
تركتنا أيدي النوى بعده اليوم بقلب بالهم أمسى مليا
نتلقى الخطوب يوماً فيوماونوافي من المكاره غيا
أأعاني من الهوى ما أعانيوملاذ الورى غدا لي وليا
ذاك قاضي عساكر الروم من قدأصبح الفضل بين برديه طيا
ذاك يحيى بن صالح في المعاليوالموالي من لا يزال صفيا
ألف العلم والمروءة والسؤدد والجود منذ كان صبيا
قلدته جدوده صارم المجدعلاء فحاز كف الثريا
وغدا يجتني ثمار المزاياحيث ما كان يابسا وطريا
ورقى ذروة الفضائل حتىجعلته أولو العلاء وصيا
تترامى صرعى لديه الأمانيفتلاقي كنز الرخاء جليا
ما أتاه المقل إلا وأمسىبعد إقلاله المهيض غنيا
يا عزيز الوجود يا كعبة الجود ويا من غدا عزيزاً سنيا
إن لي حاجة إليك فحققبك ظني فلا برحت رضيا
بسلام حيث اتجهت وتمسياين ما كنت بالسعود نجيا
فاقض لي حاجة وفز بدعائيبانفصال ففيه أغدو سميا
لا برحت الرشيد في كل أمرسنداً مسنداً سعيداً عليا
وله وقد مدح بها الصدر الشهيد علي باشا:
بشرى لقد جاء نصر الله منذوليسعد الصدارة مولانا الوزير علي
بدر الوزارة شمس الدين من فخرتبه الليالي على أيامها الأول
نتيجة الدهر فرد العصر من طبعتأخلاقه بصحيح القول والعمل
مغني الألوف ووهاب الألوف ومنبعدله زال قبح الجور والخلل
مولى لو استامه الراجي لصيرهبجوده يصحب الدنيا بلا أمل
له يد لو يباهيها السحاب لماشام الورى غير صوب العارض الهطل
معاشر الكفر زال الضر وانفرجتطرق الفتوح بهذا الضيغم البطل
هذا الذي خافه الدهر الخئون وقدأطاعه بزوال الحادث الجلل
فلا يغرنكم تكثير جمعكمفسيفه الموت فيه سابق الاجل
هبوا قبيل استداد السبل ويحكمإلى الفرار وملء السهل والجبل
أو فى السلامة في التسليم لو سلمتعقولكم لا بجم الجمع والحيل
بشراك يا أيها الصدر الخطير ومنشاعت مناقبه في معظم الملل
فالسعد والنصر مقرون كما رقموافي الكتب في يمنك المضروب بالمثل
فسر لنصرة دين الله معتصمابالله انك محفوظ من العلل
يا من غدا بسخاء الكف مشتهراًومن له كل أمر في الأمور جلي
طال اغترابي حتى حن راحلتيورحلها وقرى العسالة الذبل
فارحم فديتك من جلت نوائبهواشتاق للأهل والأصحاب والطلل
عبداً غريباً بعيد الدار صيرههذا الزمان بلا خل ولا خول
مستلقياً ببلاد الروم ليس لهخل يوازره في دهره العطل
لا زلت مفتاح باب البشر متزرابالفتح والنصر مقروناً وأنت علي
والشيء بالشيء يذكر، وتلك قاعدة عند أهل الأدب لا تنكر. في سنة أربع وستين ومائة وألف، من هجرة من له المجد والشرف اتفق لي سفرة إلى بلاد الروم، ونهضة إلى تلك المعالم والرسوم.
وامتدت الغربة إلى أربع سنين وأيام، وقد عاركت فيها الأمور الجسيمة العظام. وأقمت في تلك المدة أتدرج في مسارحها،
واتصرف في منازهها ومسائحها. وكانت لي تلك البلاد نزهة أربت على نزه الحدباء والرصافة، وأنافت عليها أي انافة.
وفي أثناء ذلك المقام، وفي خلال اتساق الأنس والانتظام، صادفت ما أزعجني وإلى حب الوطن هيجني. وتبدلت انعامات الدهر بوسا، وانقلب ابتسامه عبوسا. وأنحفني البعد وميلني، وأنهلني القلق وعلني. وحنيت إلى الوطن حنين العاشق إلى الخدود النواضر، فأنشأت قصيدة على هذا الوزن والروي فوقع الحافر على الحافر. وهي:
ما فاح نشر صبا تلك المعالم ليإلا وأذريت دمع العين في وجل
ولا شدا الورق في أيك على فننإلا وصرت لشوقي عادم المقل
ولا تذكرت أوطاني ومنزلتيإلا وأيقنت إن العز بالنقل
أين العراق وتلك الدار أين سناتلك الجنان ففيها قد حلا غزلي
أين الأهيل أصيحابي بنو أدبييا حسرتي لفراق الأهل والخول
ففي تذكرها زاد الغرام وكمقد زدت وجداً بذكرى عيشها الخضل
لله إذ كنت فيها في صفاً وهناًوطيب عيش مضى أحلى من العسل
إذ كنت من حادث الأيام في دعةمصان من كل سوء حائز الأمل
مبلغا من لدن دنياي كل هنامؤملا كل صفو غير منتقل
العيش فيها لذيذ قد حلا وغلاونلت فيها منى خال من الزلل
والدهر قد ضمنت أيامه جللاوأكمنت لي ليالي السود للجلل
فما شعرت بغدر الدهر من سفهوما انتبهت له حتى تنبه لي
فصار يلفظني أيدي سبا حنقاعلى معاملتي إياه في الأزل
يوما بحزوى ويوما بالعقيق وبالحزون يوما ويوما ذروة الجبل
والعز يوماً ويوماً رفعة وعلاوالذل يوماً ويوماً رتبة السفل
فانحل عقد اصطباري لوعة وغداصحيح حالي محل الفكر والعلل
فصرت لا أهتدي من عظم غائلتيإلى طريق الهدى للختل والغيل
أبيت حلف السها والعجز يبعدنيعن السهاد ملي القلب من وجل
كيف الوصول وهذا الدهر يقعدنيعن النهوض إلى لذاتنا الأول
بذلت جهدي ولم تنفع مجاهدتيواحتلت فيه فلم تنفع به حيلي
ظللت في الروم حيراناً وذا كمدوذا أسى وجوى أرعى مع الهمل
فلا صديق يرجى يوم حادثةولا اخا ثقة ينفعك في جلل
فالشهم ذو المجد من يعرف حقيقتهولم يكل أمره للعجز والكسل
«وإنما رجل الدنيا وواحدهامن لا يعول في الدنيا على رجل»
فالدهر ذو الغدر لا يصفو إلى أحدفدع مكائده للغدر واعتزل
فكم صفا قبلنا للطالبين لهأيام حتى أخذهم غير محتفل
وكم اعز وكم ذلت به دولوكم أناخ له من فارس بطل
وظل في رفع أنذال ذوي سفهأراذل من ذوي الأوغاد والسفل
وهذه سنة الدهر الخئون فكمأنال شخصاً رذيلا أعظم الدول
وألبس الحر أثواب الرذالة والهوان بعد سني الحلي والحلل
فصار بعد نعيم العيش في غصصيبيت منها ملي البال غير خلي
تبت يدا قلبه أضحى أبا لهبوذا أسى وعنا حيران ذا ملل
أوقاته كلها للحزن مصحبةوعن مكابدة الآلام لا تسل
فاصبر على المركي تلقى حلاوتهفان نيل العلا قسم من الأزل
وكن إذاً هدفاً في كل حادثة«فربما صحت الأجسام بالعلل»
واشدد لها حزم صبر غير مضطربواسلك لنيل مناها أصعب السبل
وانهض لنيل العلى واركب لها خطراًولا تكن قانعاً في مصة الوشل
فهامة المجد عندي ليس يركبهامن كان يقنع من دنياه بالبلل
فكن أبياً نبيها غير مكترثبحادث الدهر واسمع صحة المثل
إذا عراك عناء الضيم في بلدفانهض إلى غيره في الأرض وانتقل
من كان ترقى إلى الجوزاء همتهفغير صنع الليالي غير محتمل
وحيث ينقصك قرب الخلق منزلةفاحذروكن عن تعاطي الغير في شغل
وكن عن الخلق مهما اسطعت مجتنباًفان قربهم ضرب من الشلل
فالناس أجناس إن عاشرت أكثرهمألفيت باطنهم فجاً من الدغل
«فجانب الخلق واصحبهم على حذرفإن صحبتهم نوع من الخطل»
إن رافقوا نافقوا أو صادقوا فإذاًلم يصدقوا فإلى ما خذله الخجل
فالزم نصيحك واحذر كل غائلةفغير ذلك معدود من الخبل
ومن شعر صاحب الترجمة قوله في المديح يمدح والده:
أسهرني ذكري لذات الوشاموقرح الأجفان هجر المنام
وأضرمت في القلب نار الجوىلما رأت عيناي تلك الخيام
هيفاء إن ماست تخلي الحشىمن مقلتيها مثخناً بالسهام
لو صنم عابده إن رأىطلعتها يوما لصلى وصام
أو قوم لوط أبصروا حسنهالما استحالوا دهرهم للغلام
أو أن هاروت رأى لحظهالقال إني قد تركت الحرام
يا طيفها ذرني لكي تنطفينار التي قد وقدت بالعظام
وبلغ الشوق إليها عسىتجود للمضني برد السلام
وربما تسمح لي أن أرىذاك اللمى والجيد والابتسام
اخبرها عن حالي ونوحي الذيعلم فوق الأيك نوح الحمام
لعلها يوماً تصل مدنفاصيره الهجر شبيه الحطام
مع أنه لم يدر طرق الهوىوالرأس منه قد غدا كالثغام
دعها وروحي لا أريد الفدىقتلي حلال وعليها السلام
لا عجب إن لامني لائملأنه قبل يرى الخال لام
عدمته ما كان في لومهإلا ضريرا وعديم الكلام
ما باله هل إنه ما درىحتى غدا مستنداً للملام
نعم فلو شاهدها لاغتدىصريع لا يدري الضيا والظلام
فإنما بدر السما خادممن حسنها قد استعار التمام
فاعجب لخال كافر عابدلنار خد زائد الاضطرام
ما عجب هذا ولكن مامثلي غلام في هواها استهام
لا أعرف العشق ولا أدرهلان عهدي لقريب الفطام
اخترتها مالكة لي ومايوما تقل بشراي هذا غلام
سقيت يا داراً لها هاطلامن صيب المزن وسح الغمام
كم جليت فيك شموس الضحىعلى قدود مائسات القوام
أعرت غصن البان لينا فلوسلبته ما مال كلا وقام
لله كم جند لمن مغرمطريح لا يصحو ليوم القيام
تركن كل الناس في حبهميعذرهم عذري الهوى في الهيام
هذا اصفرار الشمس فيما ترىلما برزن وأزلن اللثام
أما ترى الورقاء في أيكهاساجعة تتلو حديث الغرام
لا كان يوم حملوا للسرىوخلفوا المضني حليف السقام
حيران ولهان سليب القوىظمآن لا يرجى وان كان دام
لما رأيت العيس قد أشعرتوأقلعوا في أثرها كالنعام
بكيت دمعاً بدم سائحمن مقلة قرحها الانسجام
فقلن دع هذا وعن ذكر منفي مدحه لو كان قيس لهام
واترك سبيل الغي والزم إلىجناب عز جاره لا يضام
ذاك مراد الفضل من بابهكعبة جود كل يوم ترام
محتجب بالجود يوم القرىمتوج بالمجد بين الأنام
غوث اليتامى كنز جود لهمن جوده في كل جيد زمام
ما كل من يبغي العلا سيدكلا ولا من في المعالي إمام
لو كل مرفوع غدا ناصبالارتفع الجيش وحط القتام
فإنما الفخر إلى من لهشاهده صم الحصا والآكام
أما ترى الحدباء في عزهاتحسدها زوراء دار السلام
أما ترى الأعداء قرت لهوصار يسعى نحوه كل هام
ما شاهدت هيبته ساعةوإلا وخرت سجداً كالفدام
له يراع ما بكى وارتكىالا وهام الجود يسقى الركام
كالبحر بل استغفر الله قدأخطأت في قولي لهذا الكلام
فإنما أبحره عشرةوكل بحر ما له من صرام
يا أيها الأعداء ما بالكمقطعتم دهركم بالخصام
وليس لله بمستنكرأن يجمع العالم في ذا الهمام
هذا المعني وهو اجتماع العالم في واحد معنى متداول قد تداوله الشعراء ومنه قوله السلامي من قصيدة:
إليك طوى عرض البسيطة جاعلقصارى المطايا أن يلوح بها القصر
وكنت وعزمي في الظلام وصارميثلاثة أشياء كما اجتمع النسر
فبشرت آمالي بملك هو الورىودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
قال ابن خلكان هذا هو على الحقيقة السحر الحلال، والماء العذب الزلال. وقد اخذ هذا المعنى القاضي الارجاني فقال:
يا سائلي عنه لما جئت أمدحههذا هو الرجل العاري من العار
لقيته فرأيت الناس في رجلوالدهر في ساعة والأرض في دار
ولكن أين هذا من ذلك وأين الثريا من الثرى.
ولأبي الطيب المتنبي في هذا المعنى:
هو الغرض الأقصى ورؤيتك المنىومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
ومع هذا فليس لأحد طلاوة بيت السلامي وعذوبته.
ومنها:
يا أيها الفاضل في عصرهومن له في كل فن مقام
هنيت في ذا العيد يا عيدهوحزت في شهرك أجر الصيام
وفزت في ليلة قدر غدتمنصوصة بالخير في كل عام
هلال شوال كرام الورىوأنت في ذا الدهر بدر التمام
خذها إلى علياك يا سيديوإن تكن مقصورة في النظام
لا عتب ان قصر مدحي لكممالي وللقول وأنت الامام
لا زلت ترقى في العلا مسعداًفي رتبة تختالها باحتشام
ودولة ما فاح نشر الصباوما شذا العطر ونشر الخزام
وكلل الطل خدود الربىوابتسم الزهر عن الاكتتام
هذا دعائي وثنائي لكمما دمت في الدنيا لفض الختام
وللقاضي محي الدين بن عبد الظاهر قصيدة مثلها، منسجمة الألفاظ والمعاني لا بأس بذكرها:
يا جفن عيني قد جفاك المنامفاقرأ على الطيف الطروق السلام
وأنت يا قلبي لا تعتقدأنك تنجو فالغريم الغرام
تروم سلوانا وتصبو إذاما قيل قد أومض برق الشآم
هيهات هيهات ترى ناجياوأنت مرشوق بتلك السهام
وقد تبدى لك غصن النقامع لينه يحمل بدر التمام
بدر اذا عاين بدر الدجىيقول يا بشراي هذا غلام
مجوهر الثغر له ريقةأظنها شيئاً تسمى المدام
تزاحم النمل على وردها«والمنهل العذب كثير الزحام»
ظبي من الترك ولكنهمن عارضيه قد أدار اللثام
ذو منطق بعت به مهجتيفكيف من يبتاعها بالكلام
في خده الحسن غدا مودعاأما ترى الخال عليه ختام
وأحسن منها قصيدة الأديب البارع تقي الدين أبي بكر ابن حجة التي أولها:
خاطبنا العاذل عند الملامبكثرة الجهل فقلنا سلام
فإنه أجاد بحسن الابتداء، وهو حسن المطلع، فإنه عبارة عن أن يكون مطلع القصيدة واضح المعنى، صحيح السبك، خليا من الحشو والتعقيد، سهل الألفاظ غير متعلق بما بعده، متناسب القسمين، ومن أخل بشيء من ذلك لم يكن يأتي به. والمستوفي منه قول المتنبي:
أتراها لكثرة العشاقتحسب الدمع خلقة في المآقي
واكتفت الأدباء بحسن الابتداء عن براعة الاستهلال، وهو أن يأتي الناظم أو الناثر بابتداء كلامه بما يستدل به على المقصود من غير توقف على ما بعده، كقول مهيار الديلمي في
قصيدة له حين وشي به إلى ممدوحه، فتنصل من ذلك بألطف عذر، وأبرزه في معرض الغزل والتشبيب، وهو:
أما وهواها حلفة وتنصلالقد نقل الواشي إليها فامحلا
وللمتني في مرثية يرثي بها أم سيف الدولة:
نعد المشرفية والعواليوتقتلنا المنون بلا قتال
وينبغي للبليغ الاجتهاد بجميعها، لان سبب تسميتها براعة الاستهلال فهم المقصود من ابتداء كلامه، كما ترى مما ذكرنا.
والقصيدة برمتها هي هذه:
خاطبنا العاذل عند الملامبكثرة الجهل فقلنا سلام
ما لامنا من قبل لكنهلما رأى العارض في الخد لام
وليس لي من عشقه مخلصلكنني أسأل حسن الختام
والجفن في لجة دمعي غدامن بعده يسح شهراً وعام
ونار خديه التي أضرمتعذابها كان لقلبي غرام
اخترته مولى ويا ليتهلو قال يا بشراي هذا غلام
سلامه يبخل فيه وماقصدي إلا رده والسلام
عني حمى الثغر بألحاظهوكان حالي معه بانتظام
وفيه قد زاحمني شارب«والمنهل العذب كثير الزحام»
لبرق هذا الثغر كم عاشققد هام جداً بين مصر وشام
دمعي ونظمي في هواه غدايألف كل منهما الانسجام
مالي سهم قط من وصلهلكن من اللحظ لقلبي سهام
مذحل ذاك الشعر قلبي غدايرقص لكن رقصه في الظلام
ماس وقد غطى بأكمامهخديه خوفاً من عيون الأنام
فقلت ما ألطف غصن النقاوأحسن الورد الجني في الكمام
جرت دموعي حين قبلتهفهل رأيت البدر تحت الغمام
وقال لي نظمك بين الورىمعظم ذو شرف واحتشام
فقلت نظمي علوي ولىغدا علي في البرايا امام
ومن شعر صاحب الترجمة:
تبدت فكاد البدر أن يختفي قهراوأما نجوم الليل ما ظهرت طرا
مليحة خدر لا يرى الدهر مثلهاوإن شط في حزن وسهّل واستقرا
تريك فعال البيض والسمر في الوغىإذا نظرت تيهاً وان خطرت سحرا
فلا وأبيك الغر ما هام عاشقبها واعتلى في ملك قيصر أو كسرى
رأتني مشوقاً مغرماً فتمايلتبقامة هيفا تخجل الصعدة السمرا
فلاح بخديها بياض وحمرةفقلت اجتماع قد تولد يا بشرى
فشاكت فؤادي ثم داوت بجفنهافخيل لي من طرفها أخذوا السحرا
فقلت لأصحابي بها آمنوا فقدرأيت بعيني أنها الآية الكبرى
ومذ علمت أني فتنت بحبهافغضت حياء فهي ترمقني شزرا
بزند كبلور ليستر وجههاوما شعرت أن سوف يقضي لنا أجرا
أرادت لتخفي فتنة من جمالهابمعصمها فاستأنفت فتنة أخرى
ألمت بي الأحزان مما تسترتفهمت فلم أدر يمينا ولا يسرى
وساومت منها الضرب والجسم لم يكديبين وان بانت فقوته قسرا
في هذا البيت إشارة إلى قول أبي الطيب المتنبي:
أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدنيوفرق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردد في مثل الخيال إذاأطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحولا أنني رجللولا مخاطبتي إياك لم ترني
ذكر علماء البديع إن هذا «لا يمتنع عقلا أن ينحل الشخص حتى يصير مثل الهلال ولا يستدل عليه إلا بالكلام، إذ الشيء
الدقيق إذا كان بعيدا لا يرى، بخلاف الصوت. ولكن صيرورة الشخص في النحول إلى مثل هذا الحال ممتنع عادة».
لكن الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض أخذ هذا المعنى الدقيق ووشحه بنفائس العقود حيث قال من قصيدة:
كأني هلال الشك لولا تأوهيخفيت فلم تهد العيون برؤيتي
وقوله من أخرى:
كهلال الشك لولا أنهأن عيني عينه لم تتأي
فأين هذا من ذاك؟ فان المتنبي نفى الوجود، والشيخ ﵁ أثبته لكن بالنحول كهلال الشك. والصدق والارتكاب بينهما واضح، وعلامات السعادة على أحد الكلامين لائح.
ومنه قول ابن حجة من قصيدة نبوية، عارض فيها كعب بن زهير:
وفوق طرس مشيبي أرخوا تلفىوذلك الطرس فوق الرأس محمول
وقد تجاوز جسمي حد كل ضنىفها أنا اليوم في الأوهام تخييل
ومنها:
فلو مر بي واش لغادر ميتاصريع الغواني بات ينتظر الحشرا
كتمت ولي نفس تذلل في الهوىفأنفاسها حرى وأدمعها عبرى
ومن قبل هذا كان عشقي مضمراًخفياً ولام العهد مستغرقاً سرا
ولكن دمعي مظهر وشواهديتخبر أن الهجر قد قصم الظهرا
وما كان لي عطفا ولا خبرا أرىمن الوصل كلا لا ولا جملة صغرى
ولما دعاني الصد حرفا مضارعاًملياً من الحالين ساومني ضرا
رفعت لها رأسي وعهدي بنصبهولكن حالي فيه قاعدة أخرى
فما نظرت نحوي ولا رق طرفهالما بي وماست والقلوب لها جسرا
فلا هي من دمي تحل ولا ازدهتسبيل الأماني ما اقتضت سرمداً هجرا
تحيرت في أمر اللقاء فسلطتعلي النوى فاستمطرت أدمعي تترى
ألا أيها الركب العراقي بلغواأحباي قتلي واعظموا لهم الأجرا
وقولوا لهم إن غالني غائل النوىفلا يجزعوا بل يحسنوا بعدي الصبرا
فما مت حتى شيد الصد والجفانحولي واستوفت منابتي الفخرا
وحى شفيت النفس من كل عاذلوأبقيت في أعقاب من عشق الذكرا
فان سألوا ما بالهم فأخبروهمباني قتيل الغانيات ولا فخرا
فان أخذوا ثأري فذلك بغيتيوالافلي من دونهم سيدا ذخرا
أمير القوافي والعلوم ومن غدتبه القوم تستملي ركاياهم درا
خليل جليل عالم متبحركريم السجايا قد غدا كفه بحرا
له في تحاقيق العلوم بدائعتعالت فما الزهرا فما النجم والشعرى
إذا ثار نقع البحث كان أمامهيبدد فرسان العلوم إلى اليسرى
نبي سخاء وحيه الجود والندىله السعد دين والسماحة والبرا
أمولاي إني قد أتيت مقصرابمدحي فعذري سيدي لك مضطرا
ومن يهب النيل الذي سمحت بهيداك بلا من فلن يمنع العذرا
فأنت تصيب المجد حيث تلألأتكواكبه إن أنت لم تصب الأجرا
وجدت فداك اليوم ألطف موقعاوقد كان لي خلا فأصبح لي صهرا
فإن أنا لم أشكر لنعماك حامدافما نلت نعمي بعدها توجب الشكرا
فلا زلت في العلياء دراً منضداسعيداً رشيداً سيداً سنداً صدرا
بحق النبي المصطفى وبآلهوأصحابه أهل السماحة والبرا
عليهم صلاة الله ثم سلامهمدى الدهر والأيام دوماً لهم تترى
وله في مدح الوزير الأعظم مصطفى باشا الكوبرلي ﵀:
بشرى لأهل الدين والدنيا معاًبمن اعتلى صدر الوزارة مبدعا
حامي حمى الإسلام من أضحى بهربع الطغاة إلى العساكر مربعا
من فل جيش الكافرين وقد غدتقتلاهم للوحش خصباً ممرعا
لعبت ثعالب رمحه بأسودهمفغدت غذاء للأرانب مشبعا
ختمت قلوبهم سنابك خيلهوسهامه أبصارهم والمسمعا
خطبت سيوف النصر فوق رءوسهمفتيمموا جدثا وأموا مصرعا
صلى القنا صبحا بمحراب الطلاودعا فعفرت الخدود تضرعا
فكأنما هاماتهم قد أصبحتأكراً تلاعبها الكماة تولعا
وكأن هاتيك الجيوش سحابةطلعت ففرق غيمها وتقشعا
وكأن هاتيك السيوف بوارقتغشى بوارقها البروق اللمعا
وكأن هاتيك المدافع والوغىرعد تقصف بالسحاب ولعلعا
وكأن وقع النبل فوق جسومهموبل يسح سحابه متتبعا
كادت كماتهم بموت إذا رأتشيخاً تطاول أو صبياً مرضعا
طلبوا الفرار ولات حين تخلصولو أنهم طلبوا المكان البلقعا
أمسى ببيلغراد معقل حزبهموتحصنوا وحصونهم لن تنفعا
ظنوا حصونهم تصون دماءهمتباً لهم رجعت عليهم منجعا
يا ملة الكفران ويحكم خذوامنه الأمان فلا برحتم مطمعا
هذا الوزير المصطفى والمرتضىبالعلم والرأي المنير ترفعا
نجل الوير الكبرلي محمدمن عصبة جعلوا الفضائل شرعا
شهم الجوارح والقلوب إذا لقوالبسوا القلوب على الدروع لتمنعا
لا يختشون كانتصاب جسومهمكلا ولا يخشون موتاً مفزعا
كتبوا بسمر رماحهم يوم الوغىفي صفحة الأجسام خطاً مجزعا
خلقوا عيوناً بالصدور وإنماجعلوا الحواجب والظهور تشنعا
من كل قرم بالجواد وإن كبافيه الجواد فما يقول له لعا
ألفوا الطعان فلو تغيب منهمطعنوا القلوب عن العفاة تبرعا
ورموا بأسهم جودهم إقلال منقتل الثراء وشتتوا ما جمعا
وتدرعوا للوافدين فقطعواهامات فقر للمقل تدرعا
خافتهم الآساد في آجامهاوالطفل روع قبل ان يترعرعا
سقي الوشيج دماء من قتلوا وقدأنمى وأثر بالرءوس وأينعا
ما قيل أولد فيهم إلا لوتأعناقها الكرماء قبلا خضعا
خضعت لهم أعناقهم حتى إذاذكر اسمهم خروا سجوداً ركعا
حمدوا فلولا مخافة من ربهمعبدوهم كل الأنام تطوعا
يا أيها الصدر الخطير ومن لهذكر شذا بين الورى وتضوعا
أشرقت شمس الدين بعد أفولهافكأنما أصبحت فينا يوشعا
ما احسن استعارة هذا البيت، وتوشيحه وحسن تركيبه وتلميحه إلى قصة يوشع بن نون ﵇ واستيقافه الشمس، كما روي أنه قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس، خاف أن تغيب قبل فراغه منهم، ويدخل السبت فلا يحل قتالهم،
فدعا الله ﷾ فرد له الشمس حتى فرغ من قتالهم.
وكان أول من لمح لهذه القصة أبو تمام بقوله:
لحقنا بأخراهم وقد هون الهوىقلوباً عهدنا طيرها وهي وقع
فردت علينا الشمس والليل راغمبشمس بدت من جانب الخدر تطلع
نضا ضوؤها صبغ الدجنة وانطوىلبهجتها ثوب السماء الموشع
فو الله ما أدري أأحلام نائمألمت بنا أم كان في الركب يوشع
وتبعه البلنسي وخاطب بعض من اسمه موسى.
ما مثل موضعك ابن رزق موضعزهر يروق وجدول يتدفع
وعشية لبست رداء شجونهاوالجو بالغيم الرقيق مقنع
بلغت بنا أمد السرور تألفاوالليل نحو فراقنا يتطلع
قابل بها زمن الغبوق فقد أتىمن دون قرص الشمس ما يتوقع
سقطت ولم يملك نديمك ردهافوددت يا موسى لو أنك يوشع
وتبعهم ابن فرج الكحال ولمح إلى القضيتين فقال:
دخل المساء وللنسيم تضوعوالأنس تنظم شملنا وتجمع
فالزهر يضحك عن بكاء غمامةريعت لشم سيوف برق تلمع
فانعم أبا عمران واله بروضةحسن المصيف بها وطاب المربع
يا شادن الجرعاء من بان اللقاحيث اللقا وادي النقا والأجرع
الشمس تغرب نورها ولربماكسفت ونورك كل حين يسطع
أفلت فناب سناك عن إشراقهاوجلا من الظلماء ما يتوقع
فأمنت يا موسى الغروب ولم أقلفوددت يا موسى لو أنك يوشع
وتبعهم ابن مطروح فقال:
وما أنسى لا أنسى المليحة إذ بدتدجى فأضاء الأفق من كل موضع
فحدثت نفسي أنها الشمس أشرقتوأني قد أوتيت آية يوشع
ومن القصيدة المذكورة:
جددت هذا الدين أنت وقد أتىنص الحديث مخبراً ومشيعا
وفي هذا البيت إشارة إلى ما ورد في الأحاديث المصرحة بذلك
مضمونها: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمور دينها. وهذا ليس مخصوصاً بالعلماء فقط، بل يشمل الملوك أيضا كما صرح به البسطامي في الفوائح المسكية والفواتح المكية، وعد الملك الظاهر بيبرس ملك مصر إنه مجدد دين هذه الأمة في المائة السابعة فليطلب هناك. انتهى.
والممدوح المذكور جامع كلا الجهتين العلم والرياسة، والفضل والكياسة. ومنها:
فقت الأنام وأنت منهم واحدوجمعت أشتات الفخار توسعا
هذا مأخوذ من قول المتنبي:
فإن تفق الأنام وأنت منهمفإن المسك بعض دم الغزال
ومنها:
العلم والرأي اللذان كلاهماركنان في الدارين فيك تجمعا
لو لم يكن خير البرية خاتماكنت الرسول إلى الأنام مشفعا
ضلت عقول الروم فيك فجمعواوتجمعوا وأتوا إليك تضلعا
قاسوا قسيك كالقسي فحاربوافسقيتهم كأس المنية مترعا
وأذقتهم مر النقيع فحاولواأكل الرجيع إذاً وعضوا الإصبعا
هيهات لا تجدي الندامة مغنماويل لهم لما أزلن البرقعا
لك صارم عزم الخلافة سنهفي حده ليث الفناء تربعا
وقناً يرى بسنانه وسنائهكيف القضاء وكيف يأتي مزمعا
جندلتهم في الأرض حتى أصبحوافي العالمين حديث عجب مردعا
لبس النجيع عليهم لما غدتسلباً ثيابهم وأضحوا نزعا
ألبست بيض جسومهم خلعاً غدتحمراً بسود وجوههم لن تخلعا
عد البديعيون هذا النوع من المستحسنات، وسموه التدبيج،
وهو من مستخرجات ابن أبي الإصبع واستشهد عليه بقول ابن حيوس.
إن ترد علم حالهم عن يقينفالقهم يوم نائل أو قتال
تلق بيض الوجوه سود مثار النقع خضر الاكناف حمر النصال
وظريف هذا قول عز الدين الموصلي:
خضرة الصدغ والسواد من العين بيض المشيب قد أورثاني
واحمرار الدموع صفر خديكل ذا من تلونات الزمان
ومنه قول الحريري في المقامة الزورائية: فمنذ اغبر عيشي
الأخضر، وازور المحبوب الأصفر، اسود يومي الأبيض، وأبيض فودى الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر.
ومنها:
هنيت يا ركن الأنام بفتح مادقت بشائره وشاع وشعشعا
بل قد أهني الدين فيك لأنهلولاك كاد عماده أن يصدعا
فاسلم ودم في سيرة عمريةبصدارة حسنت وجلت مطلعا
لا زلت تولي الوافدين فضائلاوفواضلا ومكارما ولك الدعا
وله في المديح ويتذكر الوطن:
رعيا لصبرك في الثناء المؤثروالى متى وحشاي ذات تسعر
ما تذكرون بني أبيك تشوقاًوتودداً ووداع ذاك المعشر
وحشاشة ذابت وطرفا باكيايوم النوى جزعا بفرط تحيري
وحنين والدة إليك وطالماسهرت عليك بلوعة وتحسر
اين العراق وأين قسطنطينةشطت عن الحدباء عدة أشهر
يا ما أحيلى ماء دجلة في فميوالطير يصدح فوق غصن مثمر
ورياض جوسقه وظل قصورهوخرير جدوله بتلك الأزهر
وشميم نشر خزامها وعرارهازمن الربيع كنشر مسك أذفر
وكأنما نسج الغمام مطارفاقد وشعت بالزهر وشي العبقر
وأصابع المنثور ترمي نحوناحسداً وتغمزنا عيون العبهر
أنسيت تل كناسها وظبائهمن كل غانية شبيه الجؤذر
عرج ركابك يا خليلي أو فعجوانه اشتياقك للرءوف المبصر
العالم العلم الهزبر السيد السند الأغر أبو الحديث المشهر
صدر الصدور الفاضل ابن محمدالحافظ الحسن الحميد العنصر
ذاك الذي فتح الحصون برأيهوالكفر بين تشدد وتكثر
ذاك الذي جعل البلاد أمينةوالرعب يلعب في فؤاد القسور
ذلك الوزير المصطفى بن المرتضىبن المقتفى ابن العارض المستمطر
ذاك الذي طعن الطروس بمدحهقلم الأفاضل بالمداد العنبري
حتى تحدثت السطور بأنهعز الدهور وفذ عقد الجوهر
مغني الألوف بسيبه وبسيفهمردي الصفوف ببارقات السمر
من مبلغ الروم اللئام بأنهبالعزم جاوز همة الاسكندر
أنسوا مقارعة الفوارس بالقنايوم الكريهة وانعقاد العثير
والروس تنثر بالسيوف كأنهاورق الخريف لوتها أيدي الأعصر
والقوم بين موشح بدمائهومقيد ومجندل ومعفر
ما شاهدوا نار الوغى بل ما رأواقبل القيامة كيف هول المحشر
هل ينكرون كماتهم بقيودهوتجاذب الفرسان مقود خيزر
أني أظن بأنهم إن راجعواوتجمعوا وأتوا بجيش مكثر
سروا وإن أسروا برؤية وجههوتعشقوه بحسن ذاك المنظر
باعوا نفوسهم له فابتاعهمفلبئس ما باعوا ونعم المشتري
يا من لكعبة جوده وسعودهجبت البلاد وكل أقتم مغبر
وجنيت من ثمر الحقوق مكارماوصحبت في بردي صرير الصرصر
وزرعت شقة سبسب لا تنطويإلا بأيدي الناجيات الضمر
وعلوت صهوة كل طود شاهقزحمت مناكبه سنام النير
وهبطت في قفر القفار كأنماثور الثرى مهري وحوت الأبحر
وسلكت كل مفازة لا تهتديفيها بنات الوكر طرق الأيسر
والشمس قد حجبت وعين المزن قددمعت وقد شابت نواصي العرعر
حتى رأيت الليث في سطواتهوالبحر بل فلق الصباح المسفر
ورفعت حالي والمقرر نصبهفعلاه خفض وهو غير مقرر
إن كان حظي عن نوالك عاقنيفالحظ يسعد بالكريم المجبر
خلفت خلفي أربعين وكيف ليمع ضيق ذات يدي القيام بعسكر
وتركت أصحاب الديون مواعداًلهم بحسن الفضل منك بمصدر
فارحم شبابي من عدوي أن يرىأني رجعت بصفر رحل أخسر
أملت مركز والدي فسعيت فيطلب العلاء لرغم أنف المنكر
لا أبتغي الخيلاء فيه وإنماطعمت بنا أيدي الظلوم المذعر
فرأيت قد رسموا قوانيناً بهاحق القضاء بذي الطريق المعبر
فدخول خارجهم بصحن دراسةيبدي ملازمة بغير تدبر
إن كان من سنن الصواب فإننيأرجو ملازمة فلست بمشعر
وليلطفن كرما بما هو أهلهحتى لأغفر ذنب عيشي الأكدر
فأنا الأحق بقول من قد قال فيشكوى الضرورة والزمان المعسر
لم يبق لي شيء يباع بدرهمتغنيك رؤية منظري عن مخبري
إلا بقية ماء وجه صنتهاعن أن تباع وبعتهالك فاشتر
لا زلت يا صدر الصدور مظفراومؤيداً بسعادة وتصدر
والله يبقي النيرين بعيشةممدودة وبدولة لم تشغر
بمحمد وبآله وبصحبهوالبيت والحجر الشريف الأنور
وله فيه أيضا مودعاً له:
سعدتم بما رمتم وحفكم النصروحيث اتجهتم فاح من عرفكم نشر
وحيا الحيا أرضا طوتها جيادكموباكرها الوسمي ووشعها الزهر
عجبت لها إذ شرفتها نعالكموما اعشوشبت مجداً وقد حلها القطر
وأعجب منها إنها بخميسكمتمور ولم تغرق ومن فوقها البحر
وأعجب من هذين نار الوغى بهاوقود ولم تحرق ومن بينها الجمر
وأعجب شيء ذا الجياد تسابقتوقد حملت من ضاق عن حمله الدهر
ليهن الصفاح المشرفية ما انتضتلقد قبلت كفاً به شرف الثغر
وحسب الرماح السمهرية عزةلقد وازرت صدراً به شرح الصدر
نصير أراد الله نصرة دينهفصدره فاشتد في أمره الأمر
بصير له في كل أمر بصائروزير له في كل وازرة إزر
حليم ولكن في المهابة ضيغمعظيم ولكن لا يداخله كبر
أمين على الدنيا حفيظ عن الدناسريع إلى دفع الأذى دأبه الجبر
هو الألمعي اللوذعي أخو الحجاهو الحافظ الحاوي هو العالم الحبر
ألم يأن للكفار أن يهتدوا بهوفي كل قفر موحش لهم قبر
فما بالهم لا أنعش الله حالهملقد عميت أبصارهم أم وهي الفكر
يحبون أثقال الحديد وقتلهموقد نابهم ضعف وحاولهم ضر
أضاقت عليهم دورهم وديارهمفراموا فضاء الأرض فاغتالهم أسر
أم افتخروا أن النسور إذا غزالها كل يوم في لحومهم وكر
أم أعجبهم أن العوالي كأنهاتمد لهم كفاً ومن أخذها العمر
ألم يبكهم ضحك السيوف عليهموقد قهقهت حمر المدافع والسمر
وفي كل يوم للسلاسل أنةبأعناقهم هل كان بينهما شر
وفي كل يوم للسهام تعانقبأحشائهم هل إنها للحشا صهر
وفي كل يوم للدماء تدفقعلى الأرض هل هذي الدما حلل حمر
وفي كل يوم للعتاق تصاهلوللأرض ترجاف وللفارس الكر
ألا قاتل الله العدو فانهتعرض حتى أن يكون له فخر
وليس عجيباً فخره فلقد سعىإليه الذي قد خاف من قهره القهر
فيا أيها الصدر الذي قد تسارعتبأقدامه العافون واستأسد النمر
رويدك كفكف غرب عزمك واتئدفقد بان من حد السلاح لك العذر
فما كل يوم يوم ثج وفديةوما كل يوم عيد أضحى به نحر
حنانيك إن البحر مازجه دمفمهلا ومن ذا السفك قد نجس البر
فكيف وضوء القوم أو أن تيممواصعيداً وقد آضا وما فيهما طهر
فحسبك يا ابن الاكرمين فضيلةبألسنة الأعداء أضحى لها شكر
وبشراك في هذا الجهاد فانهبه الفتح مقرون يلوح به البشر
ستقطف روسا حان منها قطافهابأبيض هندي به البعث والنشر
وتبصرهم والحرب قد قام سوقهاوقد نفروا كلمى كأنهم حمر
كأن الثرى طرس كأن جسومهمدواة كأن الدهر في جوفها حبر
كأن القنا الأقلام والجيش كاتببليغ وقتلاهم له النظم والنثر
كأن مرامي النبل نقط جرايةإذا طعنت جزم جراح الظبا كسر
كأن مثار النقع ترب خطهلهذا وجوه العلج صرعى بها عفر
كأن الكماة الصيد قناص اغتدىله الروم صيد والسلاح له صقر
كأن الطلا ورد كأن سيوفهمعطاش تروم الورد وهي لها نهر
كأن الوغى ساق كأن كئوسهجماجمهم أضحت كأن القنا خمر
كأن جيوش الدين فيهم اذا سطتليوث لها في كل جارحة ظفر
وتنظرهم وقر الحديد تقودهمرجال لسبل الموت أنفسهم نذر
فلا تعجبن من حالهم وفعالهمفللكلب نبح حين يلحقه ذعر
وإن نصبوا للحرب أو رفعوا لهاعجاجاً فمن جهل فعامله الكسر
وتفتض قهرا كل عذراء قد سمتنفوس ذويها في النكاح لها مهر
بعيدة ما بين السماكين رفعةلها البدر تاج والدراري لها در
لقد حاولت قرط الثريا فعاقهاحمى الليث عنه واستقر به النسر
ومدت لقرص الشمس كفا فكفهاحجاب ولولا الحجب ما صدها حر
فعادت وقلب الشمس يخفق خشيةوألوانها من خوفها أبداً صفر
وترجع منصوراً وصدرك واسعوتكسب ما صانوا وفيه لك الأجر
أودعكم لا زال ترعاكم المنىوتوليكم البشرى ويلقاكم البشر
وتأبى التي ما بين جنبي أنهاتفارقكم لكنما خانها العسر
تحدثني نفسي المسير بإثركموراحلتي رجلاي والمأكل النزر
ونثري أحاديث الجهاد وفتحكمبصحف اذا ما طولعت يحمد الذكر
ولكن تخاف العذل نفسي فتنثنيويزعجها شوق فيقعدها الفكر
فإن تقبلوا عبداً مطيعاً أطعتهاوسرت وتأويبي الثنا والسرى الشعر
وإلا فدمتم في فتوح ونصرةدعائي لكم سر ومدحي لكم جهر
ولي على هذا الروي والقافية قصيدة في مدح الدستور الأكرم، والمشير الأفخم، وزبدة وزراء آل عثمان، عظيم القدر والشان حضرة الحاج حسين باشا الجليلي لا زالت ظلال رأفته عالية، وألسنة الأنام لعلو مكارمه تالية. ولا بأس بإيرادها في هذا المحل وهي:
أبرق بدا يا صاح أم طلع الفجرأم ابتسمت ليلى فبان لها ثغر
أم الصبح أم هذا الجبين الذي بداأم الشمس أم فرق الحبيبة أم بدر
رعى الله خوداً قد أرتنا محاسنامن الصبح وجهاً والظلام هو الشعر
وثغراً كشهد والرضاب حلاوةوأشفاف ياقوت لقد حفها در
ونهداً كرمان وصدراً كمرمروما شاقني منها سوى الردف والخصر
فلله كم قد بت منها على هناتقضت به أوقاتنا حيث لا عذر
وقد خان دهري وانقضى العمر بالجفاومن اكبر الآفات في مثله العمر
سقى الله أطلالا ضممن رواتعاكأنهم من حسنهم أنجم زهر
بهم ذبت شوقاً في البعاد وحرقةفهيهات أن يسمح بقربهم الدهر
فما كنت أدري حين ينعش خاطريبألفاظ سحر ذلك اللفظ أم سحر
أم الريق ما يستقينني أم سلافةمن الثغر أم شهد رضاب أم الخمر
تسامرني ريم الفلاة وليس ليسوى الوصل في أسمارها أبداً سمر
كأن الحسين المجتبى في لقائهإذا أمه راج وقد حفه بشر
همام إمام بالمعالي ومسندله الفضل والإحسان والسعد والنصر
له الراحة الرحباء في كل منهلتسح لنا جوداً وفي ذاته يسر
غمام له الفضل العظيم من العطاوقطر ولكن وكفه حيث لا قطر
تظلله يوم الحروب سحائبمن الطير اذ ما انفك عن جيشه النسر
له في قراهم كل يوم ولائمسباسب تدري فتكه في العلا قفر
هزبر يقد الهام عند اصطدامهوليث ولكن في توقده جمر
جسور ولكن عند مشتجر القناحليم ولكن ليس في حمله نزر
وزير ولكن للوزارة مسندكبير ولكن ليس في طبعه كبر
هو البدر إلا أنه شمس وقتههو البحر بل في كل كف له بحر
فكل مكان حله حله هناًوفي كل فاه للأنام له ذكر
له في العلا والجود والمجد رتبةوفي كل حزب في الأنام له نشر
وزير أمير سيد وابن سيدعلى كل ذي شأن له في العلا فخر
له من أياد يقصر المدح عندهاولا يتأتى في لسان لها شكر
وللجود مسك والمكارم عنبروللفضل لذ وهو في ذاته عطر
ففي مجده والجود والبذل والعطابحور وكل الناس في بحره غدر
لكم يا بني عبد الجليل بشاشةلمن أمكم إذ أنتم الأوجه الغر
أبا سالم فيكم لقد سدت في الورىوحزت معال دونها وقع الفخر
فإني بكم يا سيدي وحياتكمولو كان في هام السماكين لي قدر
بجدي وجدي نلت مجداً ورفعةولكن بكم يا سيدي ينتهي الأمر
ومن أمكم قد نال مجداً وسؤدداًوفي بابكم لم يسط للمنتمي عسر
فإنك يا مولاي ذو الفضل والعلاوإنك ذو الافضال علامة حبر
فجد لست ممن غير البعد شأنهففي مقلتي سهد وفي كبدي جمر
فإني وإن أذنبت فاعف فقلمايرى محسن مثلي وحلمك لي عذر
وإن أبعدتني سيدي شقوتي فقدجبرت انكساري إذ بكم وقع الجبر
وإن أزعجتني عن علاك ركائبيفجودك لي حضر وبذلك لي سفر
تقبل وخذ مني المديح فبغيتيرضاك وإلا ليس لي أبداً جبر
قبولك عذري في الورى لقصيدتيصداق ودم واسمح فهذا لها مهر
وجد واعل يا مولاي وارق إلى العلىوعامل بلطف في الملا ولك الأجر
ولصاحب الترجمة:
من طعنة القد أم من صارم النظرضناء جسمك أم من رونق الصور
أم صادفتك نبال الطرف من رشأجاءت لقلبك يا هذا على قدر
أم نشر عنبر ذاك الخال فاح ضحىفحرك الشوق من تضويعه العطر
أم سالمتك الليالي فاغتررت بهابالوصل ثم انقضت عنه بلا وطر
تخال حالك مخفياً على أحدوالدمع ما بين مرسوم ومنحدر
هذا اصفرارك نمام لكل فتىفكيف تنكر حباً غير مستتر
صرح بحب الذي قد همت فيه إذاًسيان ما بين مطوي ومنتشر
سقى لويلة إذ زار الحبيب بهاخوف الوشاة بسر صيب المطر
يكاد يخطر لولا الردف يثقلهمخافة فوق جفن الساهر الحذر
في روضة قد سقاها الغيث أدمعهوكللتها يد الأنداء بالدرر
قلبي كسته يد الأيام ثوب صباوصيرته الليالي فتنة البشر
طفقت أكتب آيات الغرام لهبأدمع تالياً ما جاء بالسور
والطير فوق الغصون الملد صادحةبلحن معبد تتلو أطيب الخبر
هذا معبد هو ابن وهب، أحد المغنين المشهورين، ضرب به المثل في حسن لحنه وصوته، وفاز في حلبة الغناء بالسبق. قال العلامة الصفدي في شرح لامية العجم: ان الذين رزقوا
السعادة في أشياء لم يأت بعدهم من نالها، فمن كان فردا في زمانه أبو بكر الصديق ﵁ في النسب. (علي بن أبي طالب ﵁ في القضاء). أبو عبيدة في الأمانة. أبو ذر في صدق اللهجة. أبي بن كعب في القرآن. زيد بن ثابت في الفرائض ابن عباس في تفسير القرآن. الحسن البصري في التذكير. وهب بن منبه في القصص. ابن سيرين في التعبير. نافع في القراءة. أبو حنيفة في الفقه قياساً. ابن إسحاق في المغازي. مقاتل في التأويل.
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع