من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
عمر العمري
ومنهم ابن عمنا عمر:
أديب شاعر، وصايغ ناثر، وأسد في ميدان البلاغة كاسر، هاصر أفنان المجد والسعادة، وقاهر همم الرشد على معاقد الإفادة وبدر الأدب اللائح الأنوار، وشمس المعارف المشرق على جميع الأمصار. واحد الشعر ومؤلفه، ومقرط النظم ومشنفه. ملك المعالي بإبداعه، وزين العوالي بيراعه.
نسب طاهر ومجد أثيلوفخار عال وفضل جزيل
فهو غمام النظم الهاطل، الذي حلى بألفاظه كل جيد عاطل.
استظل بظلال الفضل الوارف، والتقط فرائد الكمالات من معادن اللطائف. فغدت رباع الفصاحة به آهلة، ومعالم الرجاحة بمكارمه متكاملة. وكان ﵀ ذا طبع نقاد، وذكاء وقاد. ونظم شعر واحد، يصلح أن يكون للأعناق قلائد. وقد أتيت منه بالغريب العجاب، الذي يكون غيره بالنسبة إليه هباب. إذ كان بيننا مع
هذا الأديب نسابة متعاقدة، وكلنا بيت العمرية من جرثومة واحدة.
وكنت اجتمع به في بعض الاحيان، فأراه لعيون البلاغة كالانسان فنقصر إذا على معاطاة القريض، والأخذ من بحره الطويل العريض. واجعل أبياته المشتى ومقاطيعه المقيظ. وكنت أتلقى نظمه من لسانه، وآخذ الأدب عن بيانه.
حسيب إلى الفاروق يعزى وينتميلقد طاب أصلا ثم فرعاً ومحتدا
أديب لبيب كامل متكملترى لفظه عقداً ودراً منضدا
فتخال النادي رياضا، والأشعار حياضا. كأنها عقود جمان، أو حدائق جنان. وهو في الحقيقة الدر المنير، والسحاب المطير، والأديب الذي لم يقبل النظير.
فكان يحبني الحب الشديد ويوافقني في الأدب على كل ما أريد.
مولي ومولي نعمة وكرامةوأخا إخاء مخلصاً وخليلا
فمن شعره الرقيق، الذي هو أحلى من الرحيق قوله في قصيدة قد التزم فيها الجناس، وأتى به في أحسن لباس وهي:
غزال سرب إذا ما سره غزلينبال مقلته الكحلا بها غزلي
كان الحاظ عينيه إذا غمزتسيف بكف أمير المؤمنين علي
يرق لي من سقامي وهو أمرضنيويدري ماذا شفائي لو تعطف لي
ألقى على كبدي كفيه قلت لهمهلا فاصل سقامي الأعين النجل
فقل لمن لامني في حبه سفهااقصر فليس ملي البال مثل خلي
هويته فهواني في الهوان فهاهلال مهجته بالهم يشهد لي
نوى النوى فلوى نومي فأسهرنيوقال لي صح منك الجسم قلت بلي
سألته مذ سلاني أن يبلغنيمن سلسل الريق سؤلي قال لا تسل
مذ ملني لامني اللوام من ملليروم إملال قلبي وهو منه ملي
قد حل لما حلا والحلي يحلو لهفحل حبل احتمالي وانطوت حيلي
ومنها:
قد شفني فشفاني رشف شفتهوشاقني بشقيق زين بالكحل
ومنها في حسن التخلص:
جفا فقلت لماذا أنت هاجرنيبغير ذنب ومن أفتاك في القتل
ألم تخف حاكم الشرع الشريف ومنقد سار بالفضل سير السادة الأول
محمد عمري الأصل أن لهمن الكمال أياد في العلا طول
بحر العلوم رأينا من فضائلهمالا رأته ذوو الالباب في رجل
كنز الحقائق كشاف الدقائق بلهداية، حكمة، تبري من الجهل
رام السباق إلى العليا فجد إلىإن نالها فمشى في أحسن السبل
ومنها:
شاعت مواهبه في الأرض واشتهرتحتى روى عنها سهل الأرض عن جبل
فكيف تخفى وقد شاعت مكارمهافأصبحت في فم الأيام كالمثل
ما أمه قاصد إلا وامنحهفينثني مايسا في الحلي والحلل
لا زال يسمو ويرقى كل مرتبةتعلو على هامة الجوزاء مع زحل
وعاش في طيب عيش دائما أبدايختال ما عاشه في أفخر الدول
وقد نسج هذا الشاعر أبياته على منوال قصيدة الصفي الحلي وطريقه الذي اخترعه وهي:
سل سلسل الريق لم لم يرو حر ظمابل بلبل القلب لما زاده ألما
قد قدّ قدّ حبيبي قدّ مصطبريإن آن إن اجتنى جرما فلا جرما
مذ مل ململ قلبي في تقلبهمذ كف كفكف دمعا صار منه دما
بل رب ربرب سرب ثغره شنبلو لؤلؤا رام تشبيها به ظلما
لو قابل الشمس لا لألاؤه انكسفتوأن يقل للدجى زح زحزح الظلما
كم هد هدهد واشينا بقافيةغداة عنعن عن أعدائنا الكلما
مذ نم نمنم أقوالا شفيت بهاإذ زل زلزل طود الصبر فانهدما
لم لملم الوجد عندي بعد مصرفهعني وجمجم جم الصب فالتأما
مذلج لجلج نطقي عن إجابتهلورق رقرق دمعاً ظل منسجما
إن كان دعدع دع كأس العذاب وقلمه مهمه العشق لا يطويه منه سما
إن قيل ضع ضعضع الخدين معتمداًأو قيل قلقل قل أرضى بما حكما
أو قيل طحطح طح بالحب ملتجياأو قيل دمدم دم بالحب ملتزما
سب سبسب الحب فاسكن من أحبتنالكل من منّ من أهل الوفا كرما
هم همهم حفظهم للحق حق وقامن حيث حضحض حض الحب منتقما
إن قيل أج أجاج العذر فارض بهمأو لا فنفسك لُم، لم لا تفيض دما
وقول صاحب الترجمة في قصيدته:
شاعت مواهبه في الأرض واشتهرتحتى روى عنها سهل الأرض عن جبل
مأخوذ من قول القيراطي:
أوصافكم تسري أحاديثهامسرى النجوم الزهر في الأفق
كما أحاديث الندى عنكمتسندها الركبان من طرق
ولابن نباتة في هذا المعنى:
روت عنك أخبار المعاني محاسناكفت بلسان الحال عن ألسن الحمد
فوجهك عن بشر وكفك عن عطاوخلقك عن سهل ورأيك عن سعد
وفيه لبعضهم:
من زار بابك لم تبرح جوارحهتنشي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلةوالقلب عن جابر والسمع عن حسن
ولصاحب الترجمة في مدح الوزير علي باشا ابن الحكيم:
جبت البلاد معاشراً لكرامهاوإذا أنا في حيهم بتنقل
نادى مناد للكرام وقال ليمن حاتم الاجواد قلت لهم علي
لو لم يكن أهلا لكل فضيلةما كان حقاً للوزارة قد ولي
با ملجأ الملهوف يا بحر الندىيا سيدي يا صاحب القدر العلي
أيذلني ضنك المعاش بغربتيوأضيق ذرعاً في المعاش وأنت لي
أنت الذي ما أم ربعك قاصدإلا انثنى ذا حشمة وتجمل
ومن نظمه:
إن ماس تيها باعتدال القواميكاد ان يسلب عقل الأنام
ظبي إذا لاحت على خدهنار ترى في القلب منها ضرام
مذ أرسل الشعر على وجههعاينت بدر التم تحت الظلام
أفديه لما أن رنا معجباارشق قلبي نحوه بالسهام
لقد بدا العارض في خدهلام فما لي في هواه ألام
لما كوى القلب بنيرانهناديت هذي النار أين السلام
ظبي فأما خصره ناحللكنه أورث جسمي السقام
حلو دلال طرفه ناعسلكنه أسهر طرفي ونام
مقطب إن ذبت من هجرهأوبحت بالشكوى علاه ابتسام
لله ما أحلاه من فاتنأنشأه ربي فتنة للانام
إن سل سيف اللحظ من عجبهفليس للعشاق منه ذمام
مبرقع الوجه ولكنهيسبى البرايا أن أزال اللثام
فلم أر من حبه مخلصاإلا بمدح الشيخ راعي الذمام
ذاك أبو بكر الذي قد غدتعطايا كفيه شبيه الغمام
من دوحة الفخر فطوبى لمنقد حل في اكنافه لا يضام
مطوق الأعناق من جودهونيل كفيه كطوق الحمام
من عنصر الفضل فقصادهتسابقت من كل مصر وشام
ماذا أقل في مدح اطباع منيعجم عنهن فصيح الكلام
لا زال كهفا لجميع الورىوعاش في العيش المهنى ودام
وله ﵀:
وأهيف ملتفت كالغزالصير قلبي حبه كالخيال
أصبحت مفتوناً به مغرماًبمقلة نجلاء فيها اكتمال
لم أنسه لما بدا مقبلابطلعة مشرقة كالهلال
مذ رفع البرقع عن وجههعوذت بالله لذاك الجمال
وجاء يرنو نحونا معجبافسل سيف اللحظ فينا وصال
شكوته ماذا أقاسي بهفماس تيها وتثنى ومال
وجائر قلت له سيديإذا احتشام في الهوى أم دلال
ألوى على صدغيه فرعاً لهأعقبني من بعد رشدي ضلال
قد كتب الحسن على خدهبخطه واواً وراء ودال
حققت من شهد غدا ريقهلما سعت في وجنتيه نمال
وخصره المعدوم من رقةالبسه الخاتم فيه فجال
كأنما العارض في خدهتبدد المسك عليه فسال
وإنما الحاجب قوس وقدارشق قلبي والحشا باختبال
ذو مبسم يخجل غصن النقامنه إذا ما ماس قاف ودال
وتفضح الغزلان لفتاتهويخجل الأقمار وقت الكمال
أفديه إن واصلني أو جفافما لقلبي عن هواه انتقال
أعرض عن قربي بلا موجبأعدمني الصبر وهجري أطال
وقائل دع حبه واسترحأحببته دعني فهذا محال
أنا غريق في بحور الهوىفكيف أخشى يا خليلي بلال
فجد لنا بالوصل يا سيديواطرح الهجر ودع ذا المطال
وله أيضا عفي عنه:
أهل من عطفة للصب يحيىلعل قتيلكم بالوصل يحيى
نظرت لحسنكم فسكرت وجدافما لي لم أجد للسكر صحيا
ظمئت للثم ثغرك والثنايافهل لي من لمى المعسول ريا
في الله قد عقربت صدغاومن فرعيك قد ألويت حيا
فمذ لاحت على خديك ناركويت بها الحشا والقلب كيا
وقد أسدلت ليلا فوق بدرفصيرت الهوى رشدا وغيا
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع