من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
علي بن علي العمري
أخي الصغير ذو الأدب الغزير علي بن علي
شاب بلدنا وأديبها، ورجل قطرنا وأريبها. حاوي السؤدد والكمال، الذي لم يكن له في سنه مثال.
وذا غلام بعيد صيته ولهفصاحة وفعال زين الحسبا
وظل ينشدها دهراً ويطربهاحتى رأته بذيل الدهر منتصبا
استقل بالأدب فغدا أمامه، واوضح طرق الذكاء فكان همامه.
يزعم بنفسه أنه الجرم الأصغر، وفيه قد انطوى العالم الأكبر، وهو رئيس الأدب وغيره الذي لم يذكر. وهو من الذين قال فيه قائلهم، وهو حسانهم ووائلهم.
ونحن أناس نرتدي الحلم شيمةونغضب أحياناً فنروي العواليا
فلولا الهوى لم يغض عينا على قذىفتى كان مجنيا عليه وجانيا
قد طلع في الأدب طلوع الهلال، وجهز للقريض قوافل
القوافي على أحسن منوال. شعشع الحديث وروقه، وبكل قلادة من الكمال طوقه. وهو من الفحول، الذي لم يعتره نحول. ملك أزمة المحامد والأدب، فغدا حجة ألسنة اللسن من العرب.
وكيف لا وهو من هذا البيت، الذي لم يتحمل عسى وليت.
ونحن أناس لم تطأنا رذالةولا انسحبت للذل فينا ذيول
له نظم تتهاداه الأيام، تهادي العلاج للأسقام. وهو قد انبت منه كل غريب، وأثبت منه بالرائع المهيب. وهو الواحد فيه، الذي يستحص منه كل نبيه.
أودعه الوالد وهو إذ ذاك ابن أشهر، فربيته بالأحضان. وأرضعته في تلك الطفولية من ثدي الذكاء والأذهان. حتى انتشى وهو في الأدب إمام، كما تراه ليس عليه كلام.
فمن شعره المنسجم، الرائق الكلم، والفائق النظم، قوله:
طرة النهر سرحتها النسائموعلت منبر الغصون الحمائم
ساجلتها بلابل الدوح حتىشق ورد الربى جيوب الكمائم
ما ترى الشرق سل مرهف فجرقد تغرى براحة الأفق قائم
وسطا في الظلام حتى تبدىفلقاً فالدماء فيه علائم
فاختلس فرصة الزمان بروضضحك الزهر من بكاء الغمائم
وتنبه لساعة الأنس وانهبصفوة العيش واطرح كل لائم
واجتل كأس مبسم من غزالبابلي اللحاظ حلو ملائم
مايس الطرف كلما راح يخلووده الصب فوق جفنيه دائم
ذي دلال تمهد الحسن حتىقلدته زهر النجوم التمائم
نفثت مقلتاه سحرا فأمسىكل صب محلول عقد العزائم
وعلى غصن قده كم تمنىطائر القلب لو يكن فيه حائم
جال ماء الجمال في روض خدمنه إنسان مقلتي فيه عائم
لا تلمني إن سمته بيع روحيفعلى كل حالة أنا سائم
فسقى الله ملعباً قد تقضىحادث الدهر كان لي عنه نائم
بعتاب أرق من ورد خدنبهت جفنه أيادي النعائم
قوله: وده الصب فوق جفنيه دائم، فيه من أنواع البديع الاكتفاء. وهو نوع لطيف ينقسم إلى قسمين: قسم يكون بجميع الكلمة، وقسم يكون ببعضها. وقالوا: الاكتفاء بالبعض اصعب مسلكا، ولكنه أحلى موقعا.
فشاهد الاكتفاء بجميع الكلمة قول ابن مطروح:
لا أنتهي لا أنثني لا أرعويما دمت في قيد الحياة ولا إذا
إذ المعلوم أن باقي الكلمة ولا إذا مت، لما تقدم من قول الحياة، ومتى ذكر تمامه في البيت الثاني كان عيباً من عيوب الشعر، مع ما يفوته من حلاوة الاكتفاء ولطفه وحسن موقعه في الأذهان.
ومنه قول شيخ شيوخ حماة
أهلا بطيفكم وسهلالو كنت للإغفاء أهلا
لكنه وافى وقدحلف السهاد علي أن لا
ومنها قوله مما نحن فيه أيضا:
راموا فطامي عن هوىغذيته طفلا وكهلا
فوضعت طوقي في يديوقلت خلوني وإلا
وما اطرف ما قال البهاء زهير من قصيدة مطلعها:
يا حسن بعض الناس مهلاصيرت كل الناس قتلى
لم تبق غير حشاشةفي مهجتي وأخاف أن لا
ومنه قول ابن نباتة وقد جمع بين الاكتفاء والمثل السائر:
اسقني صرفا من الراح تحت الهم حتا
ودع العذال فيهايضربون الماء حتى
ومن لطائف شيخ شيوخ حماة في هذا النوع قوله:
صلي ودعي نفارك عن محببذكرك آنس في الليل ساكن
ولا تستقبحي شيباً برأسيفما أن شبت من كبر ولكن
ومنه قول ابن سناء الملك من قصيدة:
رأيت طرفك يوم البين حين همىوالدمع ثغر وتكحيل الجفون لمى
فاكفف ملامك عنه حين ألثمهفما شككت بأني قد لثمت فما
لو كان يعلم مع علمي بقسوتهتألم القلب من وخز الملام لما
وتلطف القيراطي في هذا النوع من بديع الاكتفاء والاقتباس
حسنات الخد منهقد أطالت حسراتي
كلما ساء فعالاقلت إن الحسنات
ومنه قول ابن حجة:
تطلبت منه قبلة وهو نافرفقال وقتلى حبنا لن يقبلا
فقلت له بالوصل عدني إلى غدفبعدك مات الصبر قال نعم إلى
وقوله أيضا مع زيادة التضمين:
صهباء ريقته رشفت سلافهافتغلبت وعجزت أن أتكلما
فلئن سئلت أقل لمن هو سائلأني لأفهم ما تقول وإنما
وأما القسم الثاني وهو الاكتفاء بالبعض وقد تقدم انه صعب المسلك، وهو عزيز الوقوع جدا. فمن ذلك قول ابن سناء الملك من قصيدة:
أهوى الغزالة والغزال وربمانهنهت نفسي عفة وتدينا
ولقد كففت عنان عيني جاهداحتى إذا أعييت أطلقت العنا
ومنه قول القاضي فخر الدين بن مكانس:
لله ظبي زارني في الدجىمستوفزاً ممتطياً للخطر
فلم يقف إلا بمقدار أنقلت له أهلا وسهلا ومر
ومثله قول ابن الدماميني:
الدمع قاض بافتضاحي في هوىظبي يغار الغصن منه إذا مشى
وغدا بوجدي شاهداً ووشى بماأخفي في الله من قاض وشا
ومثله أيضا قوله:
يقول مصاحبي والروض زاهوقد بسط الربيع بساط زهر
تعال نباكر الروض المفدىوقم نسعى إلى ورد ونسر
ومن شعر صاحب الترجمة في المديح:
لا وثغر فضح الدر ابتساماومحيا أخجل البدر التماما
ولحاظ فتكت في سحرهاومرت في مهجتي منها سهاما
لم يكن ينفعني صبري إذاجردت عيناك للقلب حساما
قاتل الله الهوى كم عاشقألف الصبوة واستحلى الغراما
كيف لي يا عز صبر في الهوىوولوعي فيك قد عاد هياما
يا سقى الله زماناً بالحمىمن ملث السحب سحاً وانسجاما
ورعى بالشعب لي من جيرةضيعوا عهدي ولم يرعوا الذماما
يا نسيماً هب من أطلالهمحاملا من عرقهم ريحاً ثماما
«قل لجيران الغضا آها علىطيب عيش بالغضا لو كان داما»
حيث سامرت بها الغيد وقدنام طفل النبت في حجر النعامى
فتعاطى أكؤس الحب جوىلاهتزاز الطل في مهد الخزامى
ذكرتني معهداً ربح الصباعن ربا سلع ومن فيه أقاما
فعلى العيش الذي قد مر ليبالحمى وجداً أيا برق السلاما
يا ندامى كيف لي قلب وقدخلفوني مستهاماً يا ندامى
مغرماً يستعطف الأرواح إننسمت من سفح نجد والمقاما
خل عن ذكر سليمى والتيسلبت لبك جيداً وقواما
واطرح حب سعاد إنماحبها ذل ولم تقض مراما
ولد عد ورباب قبلهاولمن مر على دار أماما
واكتسب عزاً وفخراً بالذيقد غدا للفضل كهفاً وإماما
وامتدح من علمته نفسهطلب العز رضيعا وغلاما
ما جد يفضح منهل الحياجوده والبدر نوراً واحتشاما
وحبيب قد غدت آلاؤهتخجل الغيث انتشاراً وانتظاما
ومنها:
قسماً ما الروض حيته الصباصافحت منه عراراً وبشاما
ومنها في آخرها:
حفه الله بلطف زائدأبداً باق على الدهر دواما
وقوله: قل لجيران الغضا آها على. هذا البيت من قصيدة لمهيار الديلمي مطلعها:
بكر العارض يحدوه النعامىفسقاك الري يا دار اماما
وتمشت فيك أرواح الصبايتأرجن بانفاس الخزامى
قد قضى حفظ الهوى أن تصبحيللمحبين مناخا ومقاما
وبجرعاء الحمى قلبي فعجبالحمى واقرأ على قلبي السلاما
وترحل فتحدث عجباإن جسما سار عن قلب أقاما
قل لجيران الغضا آها علىطيب عيش بالغضا لو كان داما
حملوا ريح الصبا نشركمقبل أن تحمل شيحاً وثماما
وابعثوا لي في الدجى طيفكمإن أذنتم لعيوني أن تناما
وقوله: قسما ما الروض حيته الصبا، فيه من أنواع البديع التفريع، واستشهدوا فيه بقول الأعشى:
ما روضة من رياض الحزن معشبةغناء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشمس فيها كوكب شرقمؤزر بعميم النبت مكتهل
يوماً بأطيب منها طيب رائحةولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
ومنه قول أبي تمام:
ما ربع مية معموراً يطيف بهغيلان أبهى ربى من ربعه الخرب
ولا الخدود وإن أدمين من خجلأشهى الى ناظري من خدها الترب
ومن العجائب في هذا الباب قول إبراهيم بن سهل الاشبيلي:
وما وجد أعرابية بان دارهاوحنت إلى بان الحجاز ورنده
إذا آنست ركباً تكفل شوقهابنار قراه والدموع بورده
وإن أوقدوا المصباح ظنته بارقايحيى فهشت للسلام ورده
بأعظم من وجدي بموسى وإنماترى أنني أذنبت ذنباً بوده
ومن قول ابن نباته من قصيدة في المديح:
ما السحب خافقة ذوائب برقهابأبر من جدواه في الانواء
لا والذي أعلى وأعلن مجدهحتى تجاوز هامة الجوزاء
وله من قصيدة:
ما روضة قلدت أجياد سوسنهامن الرياب عقود لؤلؤيات
فللجدوال تصفيق براحتهاورقص القضب للأطيار رنات
يوماً بأبهج من أخلاقها نظراًأيام تنكر أخلاق سريات
ولا الغيوث بأسخى من عوائدهأيام تعبى السجيات السخيات
ولا الشموس بأجلى من فضائلهأيام تدجو الظنون اللوذعيات
ولا النجوم بأنأى من مراتبهأيام تزدحم الأيدي العليات
ومن إنشاء القاضي شهاب الدين في هذا الباب قوله:
وما أم طفل قذفها الزمن العنيد، ببعض البيد، في ارض موحشة المسالك، قليلة المهالك، قد لمع سرابها، وتوقدت هضابها، وصرخ بومها، ونفر ظليمها، وحضر سمومها، وغاب نسيمها.
فلما خافت على ولدها من الظمأ الهلاك، أجلسته إلى جانب كثيب هناك. ثم ذهبت في طلبة الماء للغلام، لئلا يقضي عليه الأوام، فانتهى بها المسير، إلى روضة وغدير، وآثار مطي بوارك، تدل على أن الطريق هنالك، فعادت إلى ولدها مسرعة، وكل أعضائها إليه متطلعة. فلما شارفت جانب الكثيب، رأت ولدها في فم الذيب. فجرت دمعتها وسالت، وتحرقت فقالت:
بأكثر مني حسرة وتلهفاوأعظم مني حرقة وتوجعا
وأغزر دمعا عند ما قيل لي الذيكلفت به أضحى على البعد مزمعا
ولابن نباته من رسالة:
وينهى بعد ولاء غير مختلق، ودعاء كان طائره المحلق إلى السماء مخلق الشفق. وثناء ماء الروض وان زها وجهه الأنضر، وجادت خيوط الودق حتى نسج فيه برده الأخضر. وتبسمت عجبا في أرجائه ثغور الأزهار وتنفست فرحا بظلال مروحه معاصم الأنهار بأبهج منه رونقاً، ولا أعطر منه عبقا، ولا أسجع على أفنان الفصون مطوقا.
طوقتني نعماً فها أنا ساجعمدحاً ولا عجب بسجع مطوق
ولصاحب الترجمة من التضمين:
لك الله روض للمحاسن جامعبه انتظمت در السرور بلا شك
تضاحك فيه مبسم الزهر مذ غدايقول له جفن الغمام قفا نبك
ومثله قول القائل في الغزل:
توقد جمر القلب عند تغزليفمن أجل هذا قد أتى جيد السبك
وما حفظت عيناي من شوم بختهاعلى كثرة الأشعار إلا قفا نبك
ولابن مطروح فيه من قصيدة:
وغناهم شاد أغن فزادهمسروراً بشعر رائق حسن السبك
تلعب فيهم بالكلام تلعباكما تلعب الأمواج في البحر بالفلك
فقم وانهب اللذات قبل فواتهاودعني من قول ابن حجر قفا نبك
ومثله قول سيف الدين بن المشد:
شعار بليغ بل بلاغة شاعرمعانيه بل ألفاظه حلوة السبك
لقد ترك الضحاك في الناس ضحكةوأبكى الذي قد قال قدماً قفا نبك
ولبعض شعراء النفحة في هذا:
من الروم ريم إن رنا قال لحظهحذار سيوف الهند من أعين الترك
وحين رأت عيناي عارضه بداعلى خده الوردي قال قفا نبك
ومثله لابن السمان:
أما وقوام لا يمل من الفتكوصارم لحظ لا يضل من السفك
وصفحة خد من لجين تخالهامسطرة باللازورد وبالمسك
لئن تليت للسمع حلية حسنهيناشدني قلبي الجريح قفا نبك
وقلت أنا فيه:
تعشقته طفلا وقلت إذا انتشىسأجني إذا ورداً وآساً بلا شك
ولما بدا آس العذار منمنمارفعت يدي عنه وقلت قفا نبك
ولصاحب الترجمة في التضمين:
أفديه ظبياً فوقت لي لحظهسهما به استدت علي منافذي
أني استجرت بخال خدك انههذا مقام المستجير العائذ
وقال أيضا:
يا رب من دائي أتيتك راجياًمتشبثاً في ذيل لطف لائذ
إني استجرت بما اقترفت وعائذهذا مقام المستجير العائذ
وقال وأحسن:
لما امتطيت مطامعي متحميالحمى المهيمن إذ قطعت لذائذي
قالت لي الآمال فاسكن لا تخفهذا مقام المستجير العائذ
والأصل في هذا أن جارية من جواري المأمون غنت له بأبيات وهي:
ولقد أخذتم من فؤادي أنسهلاشل ربي كف ذاك الآخذ
وزعمت أني ظالم فهجرتنيورميت في قلبي بسهم نافذ
ونعم هجرتك فاغفري وتجاوزيهذا مقام المستجير العائذ
هذا مقام فتى أضر به الهوىفرح الجفون بحسن وجهك لائذ
وقد ضمنه جماعه من المتأخرين. فمنهم السيد محمد بن كمال الدين نقيب الأشراف في الشام فإنه قد قال:
نقل العذول بأنني أفشيت ماأخفى الحفاظ من الغرام الواقذ
هبني اقترفت لما افترى فاغفره ليهذا مقام المستجير العائذ
ومنهم ولده السيد عبد الكريم:
هب قادني فيك الغرام فما الذيألجأك تعذيبي بهجر واقذي
أضراعتي أم ما افترته عواذليعني إليك من الكلام النافذ
رحماك بي لا ترع غير مودتيوحفاظ ودي لا تكن بالنابذ
فلديك منك بك استعذت وانههذا مقام المستجير العائذ
وقال أيضا:
ريم رنا نحوي بطرف أدعجفاستل روحي من جميع مآخذي
فطفقت استعف اللواحظ قائلاهذا مقام المستجير العائذ
وقال السيد إبراهيم:
قد أوسعت عيناه قلبي اسهماإن غض عني هذه أصمى بذي
ما فوقت إلا وقلت لسهمهاهذا مقام المستجير العائذ
وقال الشيخ عبد الغني:
لاحظت خالا تحت صفحة خدهمتواريا خلف اللهيب النافذ
فسألته ماذا المقام فقال ليهذا مقام المستجير العائذ
وقال الشيخ عبد القادر الحموي:
وافى الحبيب بغير وعد زائرايرنو بطرف للمجامع آخذ
وأتى بسكر هوى وسكر مدامةحتى إذا استدت على منافذي
ناديته حسبي فديتك زائراهذا مقام المستجير العائذ
وقال الشيخ عبد الحي:
أنزلت آمالي بواد مخصبوحمى منيع نعم كهف اللائذ
فلذاك ناداني يقيني معلناهذا مقام المستجير العائذ
وقال الشيخ زين الدين:
واغن فتاك اللواحظ أدعجيرمى بنبل في القلوب نوافذ
نادته افلاذي وقد فتكت بهاهذا مقام المستجير العائذ
وقال السفرجلاني
يا آل بيت المصطفى شعري حلافيكم وطابت بالمديح لذائذي
وافيتكم أبغي حماكم منشداهذا مقام المستجير العائذ
وقال الشيخ محمد الذهبي:
يا من إذا جاريته في مسلكألفيته قد سد طرق مآخذي
ارفق بمضناك الذي حيرتههذا مقام المستجير العائذ
وقال المنجكي:
بسوى حماكم لا تراني مقلةيا من لهم ودي المؤكد لائذي
ارفق بمضناك الذي حيرتههذا مقام المستجير العائذ
وقال عبد الرحمن الموصلي:
عاهدته أن لا يميل وقد رأىنبذ العهود فديته من نابذ
رد الصباح لناظري بهجرهليلا وسدد بالصدود منافذي
ناديته واليأس أمسى ضاحكاوأنامل الآمال تحت نواجذي
رفقاً بقلب لا يميل لغيركمهذا مقام المستجير العائذ
وقلت أنا أيضا:
لما ألم بي الاذاء وعلنيوأملني حتى قطعت لذائذي
أسبلت دمعي في تطلب من يكنكهفاً وملجأ في الصعاب للائذ
فتعلقت كفي بآل المصطفىفصفت لي الدنيا بكل مآخذي
فطفقت أشدو منشداً متوجداًهذا مقام المستجير العائذ
ولصاحب الترجمة:
لا وخد أورث القلب حرقوقوام منه قلبي في قلق
وجبين كهلال لاح فيبرج سعد ضوؤه يجلو الغسق
ولحاظ نشأ السحر بهاوغدا كل شجي في أرق
ما انتشار الطل من دمع الحياكنظام الثغر منها في النسق
لا ولا كف الصبا ان سرحتطرة النهر كجسم منها رق
والأصل في هذا ما قاله ابن المعتز:
لا ورمان النهودفوق أغصان القدود
وعناقيد من الصدغ وورد من خدود
ورسول جاء بالميعاد من غير وعيد
ونعيم من وصالفي قفا طول الصدود
ما رأت عيني كقدزارني في يوم عيد
وللقطب المكي مثل الأول:
لا وغصن راق للطرف ورقوعليه حلل الظرف ورق
وشموس لم تغب عن ناظريوالشعور الليل والخد الشفق
وعيون حرمت نومي وماحللت غير دموعي والأرق
ما احمرار الراح إلا خجلامن رضاب سكرت منه الحدق
والذي قد حسبوه حبباًفوق خد الكاس قطرات العرق
ومثله لبعض الأدباء وقد أغرب:
لا وفرع كدجى الليل غسقوجبين ضوؤه ضوء الفلق
ومحيا كلف البدر بهوخدود من حواليها شفق
ما أرى الغزلان إلا سرقتمنك جيداً والتفاتاً وحدق
ثم خافتك فولت شرداًكيف لا يشرد خوفاً من سرق
ومثله في المعنى مطلع قصيدة للصفدي:
لا واعتدال قوامك المهزوزوصقال هذا خدك الابريزي
وكمال سر أودعته يد البهافي خط هذا صدغك المرموز
وفتور طرفك انه يسبي الورىأجفانه بحلاوة التلويز
ورضاب فيك فإنما هو قهوةتحلو لقلبي ساعة التمزيز
ما كنت إذ نفثت جفونك في الحشالتشف عن عيني حروف حروزي
ومثله أيضا في القسم قول ابن المعتز:
لا والذي سل من جفنيه سيف ردىغدت له من عذاريه حمائله
ما صارمت مقلتي دمعاً ولا وصلتغمضاً ولا سألت قلبي بلابله
وتعجبني هذه الأبيات من قصيدة لصاحب الترجمة:
وروى حديث الحسن ورد خدودهاعن جوهري الثغر بالإسناد
أرويت وجدي عن تسلسل أدمعيعن حرقتي عن لوعتي ورقادي
أشبيهة الظبي المليح ترفقيودعي كناسك في صميم فؤادي
ومثله في إجراء اصطلاحات الحديث ما نظمه الشيخ محمد بن أحمد الفارقي حيث قال:
أحاديث عشقي بين أهل الهوى تروىمعنعنها عند التأوه والشكوى
مسلسلها وجدي ومسندها الأسىومرسلها دمعي ومشكلها البلوى
وصحتها سقمي وصبري غريبهاوأحسنها ذلي لعز الذي أهوى
وأما أحاديث الوشاة بأسرهافموضوعة لا حكم فيها ولا فتوى
وألطف منه وأرق ما قاله بعضهم وقد أبدع:
روت لي أحاديث الغرام صبابتيبإسنادها عن بانة العلم الفرد
وحدثنا عنها النسيم عن الصباعن الدوح عن وادي الغضا عن ربا نجد
عن الدمع عن جفني القريح عن الأسىعن الشوق عن قلبي الجريح عن الوجد
بان غرامي والأسى قد تحالفافلن يبرحا حتى أوسد في اللحد
ولطيف هنا قول بعضهم فيه أيضا:
روت لي الصبا عنهم حديثاً معنعناًعن البث عن وجدي عن الحزن عن كربي
عن الشكو عن قلبي عن الشوق عن جوىعن الدمع عن جفني عن النار عن قلبي
ومثله في المديح قول ابن تميم:
أصح وأقوى ما رويناه في الندىعن الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحياعن البحر عن جود الأمير تميم
ولطيف هنا قول بعضهم:
حدثنا عرف نسيم الصباعن بان نجد عن ربا حاجر
عن عذبات البان عن لعلععن طيب ذاك المبسم العاطر
قالوا سمعنا في الدجى طائراًينشد بيتا لبني عامر
ما أقبح السلوان من عاشقوما ألذ الوصل من هاجر
وفيه قول بعضهم:
نقل الأراك بأن ريقة ثغرهامن خمرة مزجت بماء الكوثر
قد صح ما نقل الأراك لأنهيرويه نقلا عن صحاح الجوهري
ولصاحب الترجمة قصيدة في المدح وهي:
أما وابتسام الثغر من أوضح الدروشهدي ريق راق من العس الثغر
وسحر جفون ذكرتني عيونهاعيون المها بين الرصافة والجسر
لقد هيجت شوقي القديم لواحظجلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
تعذر فيها الصبر والشوق بالغولا بد للمغلوب من بارد العذر
إذا شارفت نفسي العذيب وثهمدسقيت الثرى من ادمعي عوض القطر
معاهد آرام ومسرى جآذرومسرح عين ضاق عن بعدها صدري
ولم أنس لا والله سجع ابن أيكةعلى البان يطوي في أغاريده صبري
وقد نثرت كف النسيم لآلئاعلى الروض منها فتحت مقل الزهر
وهبت نسيمات الخزامى فنبهتعيون الندامى تحت ريحانة الفجر
ومستورة مذ لاحظتني بظرفهاهتكت حجاب الوجد عن ربة الخدر
وارقني من حليها سجعة ضحىعلى معطف منها تلا صحف الهجر
تجر بنون الحاجبين إلى الأسىفؤادي وليس النون من أحرف الجر
مليحة خدر أبدع الله صنعهابوجنتها ماء الحيا أبداً يجري
إذا ما انقضت عن أسود الجفن أبيضاوما ست فما بيض الظبا والقنا السمر
تقول أرى طرق الخلاعة مذهباًوتزعم أن تحوى المفاخر بالشعر
فقلت أسأت الظن بي لست شاعراًولكن أحياناً يجيش به صدري
فولت ولم تعبأ بما قد تلوتهوقد جمعت كل الملاحة والبشر
كما جمع الإحسان والبذل والندىسليمان ذو الافضال والنهي والامر
فتى جامع الأوصاف مفرد وقتهمفاخره ضاهت سنا الشمس والبدر
ودوحة فضل أخبرتنا أصولهزكت وعلت عزاً على الأنجم الزهر
أمير المعالي وابن من خضعت لهأسود الشرى من شدة البأس والذعر
طوى ذكره ذكر الذين تقدموافما حاتم في الجود أو معن في الفخر
فديتك يا روض الكمال ومن بهتفاخرت الأقران من سائر العصر
ويا من به حزت الفضائل رتبةونلت فخاراً في نظامي وفي نثري
لئن فاح عرف المدح من روض فكرتيفمن طيب أوصاف حويت ومن سر
فخذ غادة هيفاء بلقيس عصرهاتزف إلى علياك طيبة النشر
وخذ كلماً كالدر يزهو نفاسةبمدحك واقبل في نقائصه عذري
ودم في رياض المجد والعز دائماًتشيد ربع الفضل في البر والبحر
ولا زلت كهفاً للانام ومسنداًتظل لمن وافاك بالعز والنصر
وقد ضمن هذا الشاب بعض أبيات من قصيدة علي بن الجهم التي هي في مدح المتوكل على الله العباسي التي سارت بها الركبان، وافتخرت بها أبناء كل عصر وزمان، منها قوله:
عيون المها بين الرصافة والجسرجلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
سلمن وأسلمن القلوب كأنهاتشك بأطراف المثقفة السمر
ومنها في حسن التخلص:
فقالت كأني بالقوافي سوائراًيردن بها مصراً ويصدرن عن مصر
فقلت أسأت الظن لست بشاعروان كان أحياناً يجيش به صدري
وما ألطف قوله هذا:
ولا الشعر مما استظل بظلهولا زادني قدراً ولا حط من قدري
وللشعر أتباع كثير ولم أكنله تابعاً في حال يسر ولا عسر
ولكن إحسان الخليفة جعفردعاني إلى ما قلت فيه من الشعر
وقد ضمن جماعة مطلع هذه القصيدة الجهمية. منهم ابن
حجة الحموي قوله من قصيدة يتشوق بها إلى حماة ومطلعها:
هواي بسفح القاسمية والجسرإذا هب تدري إن ذاك الهوى عذري
ومنها يقول:
وقد أصبحت تلك الجزيرة جنةألم تنظر الأنهار من تحتها تجري
يفوق عيون الزهر بين شطوطها«عيون المها بين الرصافة والجسر»
وإن جزت في الرمضاء بين شطوطها«جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري»
وضمنه ابن نباتة من جملة قصيدة فقال:
مليح بوسنان اللواحظ سارقكرى مقلتي من حيث أدري ولا أدري
ومالي لا أبكي على در مبسمكما بكت الخنساء يوماً على صخر
وأجرى دموع العين فائضة على«عيون المها بين الرصافة والجسر»
ظباء بشطي نيل مصر لأجلهايقول حنين الشوق آها على مصر
وقد زاحمه ابن حجة في قصيدة وعارضه في هذا المعني فقال:
فآها على وادي حماة تأسفاًخلافاً لمن قد قال آهاً على مصر
فكم مر لي فيها حلاوة ليلةفكانت شبيه الخال في وجنة الدهر
وفي غيرها قد صرت أقضي ليالياتمر بلا نفع وتحسب من عمري
وقول صاحب الترجمة في قصيدته هذه الرائية:
ولم انس لا والله سجع ابن أيكة. قال أبو الفرج بن الجوزي:
روي عن الإمام عمر بن الخطاب ﵁ قال: قد علمتم فلم تتعلموا، أهلا قلت: لا وعافاك الله. قال الصاحب بن عباد: هذه الواو هنا أحسن من واوات الأصداغ في وجنات الملاح
ومن اللطيف: أن رجلا من الحذاق كان يكتب كتابا وإلى جانبه آخر، فانتهى في كتابه إلى اسم عمرو فكتبه بغير واو.
فقال: يا مولانا زدها واواً للفرق بينها وبين عمر. فقال له: والله قد تفضل مولانا بزيادة واو يعني تفوضل.
وهذا الواو اعني واو عمرو قد نظم الشعراء فيها كثيرا: منهم أبو نواس قال يهجو أشجع السلمي:
قل لمن يدعى سليماً سفاهاًلست منها ولا قلامة ظفر
إنما أنت من سليم كواوألحقت بالهجاء ظلماً بعمرو
وقال أبو سعيد الرستمي وأجاد. وهي من قصيدة مدح بها الصاحب:
أفي الحق أن يعطى ثلاثون شاعراًويحرم ما بين الورى شاعر مثلي
كما سامحوا عمرواً بواو مزيدةوضويق بسم الله في ألف الوصل
وقال صاحب الترجمة في قصيدة أيضا:
لئن فاح عرف المدح من روض فكرتيفمن طيب أوصاف حويت ومن سر
هذا المعنى مأخوذ من قول ابن عمران الحلبي من قصيدة وهي:
لا تعجبوا إن فاح عنبر نعتهقابلته من فكرتي بالمجمر
لما أراني جعفراً من جودهفاريته شعر الوليد البحتري
وهذا المعنى اختلسه ابن عمران من ابن عمار من قصيدة مدح بها المعتضد بالله مطلعها:
أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرىوالنجم قد صرف العنان إلى السرى
والصبح قد أهدى لنا كافورهلما استرد الليل منا العنبرا
ومنها في حسن التخلص:
روض كأن النهر فيه معصمصاف أطل على رداء أخضرا
وتطيفه ريح الصبا فتظنهسيف ابن عباد يبدد عسكرا
ملك إذا ازدحم الملوك بموردونحاه لا يردون حتى يصدرا
أندى على الأكباد من قطر الندىوألذ في الأجفان من سنة الكرى
يختال إذ يهب الخريدة كاعباوالطرف أجرد والحسام مجوهرا
ومنها يقول:
أثمرت رمحك من رءوس كماتهملما رأيت الغصن يعشق مثمرا
وصبغت درعك من دماء ملوكهملما علمت الحسن يلبس أحمرا
والبيت المقصود منها:
من ذا ينافحني وذكرك مندلأوردته من نار فكري مجمرا
ولصاحب الترجمة قصيدة هي:
أحبتنا والله أفنيتم الصبرافرقوا لحالي تغنموا المدح والاجرا
منعتم خيالا منكم أن يزورناوأحرمتم جفني القريح بأن يكرى
وغادرتم بين الجوانح جمرةومنثور دمعي فيكم أخجل القطرا
فان كان لي ذنب سوى أن أحبكمبلب الحشا لما جرى أدمعي أجرى
فلم لا يكن بعد الصدود لمغرمصدور خيال جهرة أو يكن سرا
أحبتنا رفقاً بمن هام فيكموصباً صبا والبين قد حسم الظهرا
فو الله إن القلب فيكم متيمومطوي شوقي في هواكم غدا نشرا
شغفت بكم حباً فزدتم تجنباًكأن لم يكن هذا الحديث الذي مرا
ومنها:
فتاه فؤادي في ليالي جفاكموما كان لي من صبح غرتكم فجرا
فلله ساعات مضت بربوعكموأيام وصل فيها مستنشقاً عطرا
ولما سرى الشوق المؤجج بالحشاتذكر قلبي منكم ليلة الإسرا
فقلت لأجفاني وقد هاجني الهوىوامنحني وجدا قفانبك من ذكرى
رعى الله هاتيك القدود إذا انثنتفلست أرى إلا مثقفة سمرا
ومنها:
شغلت بكم عن كل فتان إن رنالا نفث من أجفانه للورى سحرا
وعن كل هيفاء رداح إذا بدتبنور جبين تخجل الشمس والبدرا
وفي أثناء التحرير أرسل قصيدة شاملة لمدحي وقد أعجبني حسن سياقها ولطف اتساقها فلا باس من ذكرها وهي:
غصن بان وله الحلي ثماراخذ الصد مع الهجر شعار
ورد خديه المغشى بالحياقد سقته ادمع الصب الغزار
يا بقلبي قامة منه إذاحركتها نسمات الاعتذار
سكن القلب ولا بدع إذانار خديه من القلب استعار
يا رعاك الله ربي رشأسفح قلبي لك مرعى ومزار
وغزال بابلي اللحظ قدنفثت أجفانه السحر جهار
يا خليلي اعذراني في الهوىدأبه أن يمنع الصب القرار
لست أنسى أهل ودي معهديلم يشب مع حلوه العيش مرار
في رياض رقصت أزهارهاوعليها لؤلؤ الطل نثار
والندى قد راق لما رق مننسمة الصبح بكأس الجلنار
غزلي فيه ومدحي لم يزلبحسيب ذي علاء وافتخار
ذا أبو نعمان عثمان الذيقد غدا للفضل كهفاً ومنار
من محا ليل خطوب عزمهوكذاك الليل يمحوه النهار
بحر جود غرقت في سيبهوندى كفيه امواه البحار
وإمام للمعالي والعلاوحليف للندى والسعد جار
قد رقى هام الثريا مجدهفعليه منتهى الفخر يدار
كعبة للعلم والفضل ومنفي سماء المجد بدراً قد أنار
رتع العافون في نائلهوبه الفضل غدا عالي المنار
واضح البشر إذا سيم العطايملأ العين بهاء ووقار
فلجيد الفضل طوقاً قد غداولزند المجد أمسى كالسوار
فهو أولى الخلق مني بالثناوامتداحي فيه أولى وادكار
طوقت نعماه جيدي فلذافي رياض المدح قد مر هزار
ما الجزا إلا دعاء خالصفي غدو ورواح وابتكار
ولصاحب الترجمة في التضمين:
لله إذ نادمت من أحببتهفي روض أنس بالأزاهر معلم
دميت خدود شقيقه ولأجلهضحكت ثغور أقاحه المتبسم
فهمى عليه لئال طل ممسكا«من عادة الكافور إمساك الدم»
وقال فيه:
رشأ بسحر لواحظ متلففعقل الورى في سيف جفن مخذم
نمت صفاء خدوده بسلافة«من عادة الكافور إمساك الدم»
وقال فيه أيضا:
لما تناءت داره وبكيتهبمدامع من مقلتي كالعندم
حتى تراءى وجهه فتجففتمن عادة الكافور إمساك الدم
وقد ضمنه جماعة من الأدباء منهم الشيخ عبد الغني فإنه قال:
شفق بحمرته تبدل في السماهو مؤذن بمجيء ليل مظلم
ثم اختفى بضياء بدر طالع«من عادة الكافور إمساك الدم»
وقوله أيضا:
وشقائق النعمان حول الماء فيروض أريض بالربيع منمنم
هطل الندى فيه النضارة ممسكا«من عادة الكافور امساك الدم»
وقوله أيضا:
يوم الفراق بكيت من أحببتهبمدامع تحكى عصارة عندم
حتى التقيت ولاح ضوء جبينه«من عادة الكافور إمساك الدم»
وله أيضا:
قتلت بجلق عصبة لعبت بهمأهواؤهم بفعال طاغ مجرم
وبشيبة الشاويش كان ختامهم«من عادة الكافور إمساك الدم»
وقوله فيه أيضا:
ومهفهف وقف الجمال بخدهفأهاج شوق أخي الصبابة مغرم
وصفا بياض الخد زين بحمرة«من عادة الكافور إمساك الدم»
وضمنه عبد الرحمن الحلبي:
ورد الرياض تفتحت أكمامهوالجلنار أدار كأس العندم
والياسمين الغض وافى بعدهمن عادة الكافور إمساك الدم
وفيه لابراهيم اللائحي:
رشأ أدار الكأس ليلا بيننامن خمرة تحكي عصارة عندم
حتى بدا وجه الصباح فقال ليمن عادة الكافور إمساك الدم
وضمنه بعض الأدباء فقال:
ولقد وقفت على الطلول وأدمعيتجري على خدي كلون العندم
وطفقت اسأل ربعهم وديارهمشوقاً إليهم باليدين وبالفم
فأجابني رسم الديار وقال ليحييت من باك بغير تكلم
لو عاينت عيناك أجياداً لمنبانوا لما سالت دماً بمخيم
ولجف هذا الدمع منك لأنهمن عادة الكافور إمساك الدم
ولصاحب الترجمة هذه النبوية والمدحة المصطفوية:
جرى عقيق الدمع لما شجاهسجع حمام نشر صبري طواه
ذكرني عيشاً رقيقاً لنابالسفح قد مر لذيذاً جناه
ورسم دار لم يبن لي بهاإلا سطوراً حررتها نواه
جر عليها الدهر أذيالهورسمها في سيف بين محاه
فشب جمر الشوق في مهجتيوغاض من نيل اصطباري رفاه
شوقاً إلى فاتنة ما بدتإلا وللقلب أطالت عناه
وإن تثنت مال غصن النقاحيث من العطفين غنى حلاه
ألم تر من فوقه قد غداحمامه في نوحه قد نعاه
حوراء في روض جمال بدتاطلقت سرح اللحظ حتى رعاه
قد راق ماء الحسن في خدها الفضي حتى راقني في رواه
وكادت الأعين من رقة الخدين لما أن بدت تشرباه
جسم حكى الماء ولطف الصبايكاد أن تنظر منه المياه
غصن بروض الحسن تختال إنمر به أنفاس عتبى ثناه
قد مال عني يا ترى هل لهفرط دلال عن ودادي لواه
واضطربت حيات شعر لهالما بدت في الصدر رمانتاه
تحجبت عني بسمر القناوسيف طرف لحظها قد نضاه
مخافة من رقة الوجه أنتؤثر الالحاظ في صفحتاه
فانتثرت در دموعي وقدرأيتها في وجنة كالمراه
فخلتها ذوب جمان لماألقى احمرار الخد فيها صفاه
قالوا حكتها الشمس في نورهاقلت ولا بدر الدجى قد حكاه
دعني أخوض الليل في شعرهامن ثغرها أطلب ماء الحياه
ويا نديمي قم بنا عاجلانسعى بروض زهره الغض زاه
وأقحوان راق منه الذكاراشفته خمر الندى من لماه
واحمر ورد الخد منه حياوالنرجس الوسنان في انتباه
إذ قام في منبر دوح بهمطوق شحروره قد رقاه
يخطب في مدحة خير الورىمن صحف الأوراق ذكر تلاه
من أجل ذا تركع أغصانهشوقاً إلى ما قد تلا ثم فاه
ففاح عرف المدح حتى لقدرق نسيم الروض يحكى شذاه
أرسله الله لكل الورىمتوجاً بالعز لما حباه
لا عجب ان غرق السبعة الأفلاك يبغي الفوز عند الإله
فذاته شمس الضحى قد غدتنقطعها إذ كان فيها سراه
وعاد موفور السنا زاهراوالصبح لم ينشق عنه رداه
ومذ رقي فالبرق قد أثمرتحوافراً في الأفق لما طواه
لذاك تبدو للورى دائماًأهلة ممتدة من ضياه
بحر جرى في فارس ماؤهمذ شب جمر النار منه طفاه
هذا دليل يا عصاة الورىمعجزة قد طبقتها الرواه
بأنها تسري غداً في لظىنزاعة عن كل من في حماه
وكان ليل الشرك داج وقدمد جناحاً اسوداً جانباه
حتى بدت أنوار آياتهمشرقة كالبدر باد سناه
فانزاح ذاك الليل من نورهونار بالإسلام منه دجاه
وضاء فجر العدل لما بدامن مطلع الإيمان يوماً بهاه
سيف صقيل قامع للردىقد سله الجبار لما جلاه
في موقف طارت به للعدىجماجم للكفر أروى صداه
فزال منهم كلب الكفر إذدماء سادات لهم قد سقاه
يا ليت في تربة أعتابهتعفر الآمال فيه الجباه
وليت نوء الطرف في روضهيسحب شوقي من جفوني بكاه
وليت في ميل اللقا كحلتللصب في رؤياه عيني رجاه
يا سيد الرسل ويا من بهطاولت الأرض السما في علاه
عبدك يرجوك لما أمهوأنت تدري ما غدا مبتغاه
وقد جنى زهرة لهو جرتيانعة تزهو بأيدي صباه
ولم يزل يحمل في كاهلوزراً ثقيلا ظهره قد حناه
ثم صلاة عطرت نفحهاعلى ضريح منك جسما حواه
ولم تزل تنهل سحب الرضاعلى رياض أزهرت في ثراه
حتى تروي زهره في حيا التسليمفي صبح تلاه مساه
والآل والأصحاب أزكى الورىما صبغة الليل الضيا قد نفاه
وله من أخرى:
لحظات قد فرقت جيش صبريلي من سهم سحرها تفريقا
نسخة الوجد صححتها دموعيعند ما رحت بالبكاء شريقا
لفتاة أعارت الغصن ليثاًوبدور السما سناً وبريقا
أتعاطى من خدها البارد العذب ومن لفظها الشهي رحيقا
ما رأينا من قبلها غصن بانصار بالحلي والحرير وريقا
عجبي خدها المضرج لمابحياه الجمال يشكو الحريقا
ولقد رق إذ صفا ماء حسنصار فيه إنسان لحظي غريقا
ورأى الورد خدها فتغشىعند ما انبت اللجين شقيقا
فبكاه جفن الغمام ورش القطر في وجنتيه كي يستفيقا
ما تناءت إلا بأيدي افتكارينحو صدري أضم قداً رشيقا
شمس خدر لها نصبت الأمانيسلما إذ جعلته لي طريقا
وله أيضا:
يا لك الله عقد شمل تنضدبيد الأنس برهة فتبدد
سلبتك الأيام بالرغم منيويح دهر يمن بخلا بما قد
كنت يا دهر منك قدما لجيناًسبكتني نيران صدفك عسجد
وأحال النوى لدمعي لمابلظى البين والنوائب صعد
وقديما قد كنت أشدو ببيتقلته حيث ذا الزمان تمرد
نمت في مقلة الخطوب أميناولظاها أقام غيري وأقعد
وأنا الآن غره الدهر منيكوكب الأنس في اللقا إذ توقد
حيثما في رياض قربي لماطير شوقي بصحف وجدي غرد
مضه جرحه الزمان فألقىخطبه إذ للمحه الفكر أفسد
سل لي في البعاد مرهف بينشحذت متنه النوى فتجرد
فتلقى الزمان في الخطب منيصدر حر على الخطوب تعود
تركت صفحتيه راحة صبريكلما كر في المضاء كمبرد
جرعتني الأيام كأس فراقوأقامت علي في شرعها الحد
لست أصحو من خمرة البين لماسكر العقل ثم تاه وعربد
فجعتني بظبي أنسي فأمسىظاعنا إذ غدا له الكرخ مورد
جامع وجهه لأنواع حسنطالما الطرف في ذراه تعبد
وقضيباً سقته سحب دموعيإذ مضى مثل بانة يتأود
قلدت جيده دموعي عقيقافهو في در مدمعي قد تقلد
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع