من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
السيد حسين
كعبة أدب يملأ الصدور، وقبلة أرب يخجل البدور. لو تبسم بالليل لصير صبحاً، ولو استعار من بشره الزمان لغدا لكل أحد نجحا. فهو مسرة الخاطر، ومنشطة الناظر. وظل الكمال الظليل، وماء الجمال الذي هو أعذب من السلسبيل. افتخرت به النساء والرجال، وتجملت بفضائله الأيام والليال.
ألمعي حلف القريض يجازيك بما تشتهيه ذو تبيان
فآدابه جبال الأدب والبيان، وأقلامه غمائم الفضل والعرفان.
وهو أندى من الغمام، وأزهر من الزهر في الآكام، وأبهى وأبهر من البدر في الظلام. وديعة البتول، ومنحة الرسول، وسيف أدب ما اعتراه في الأدب فلول.
له شعر أضوع من الطيب، وأرق من مفاكهة الحبيب. وقد أثبتت منه ما هو كالشمس في السناء، والبدر في الضياء.
فمن ذلك قوله مقرضاً على مرثية حسن بن عبد الباقي المذكورة أيضاً:
حبذا واخدات تلك النياقحيث وافت بكتبكم للعراق
حاملات من الخليل طروساًهيجت نار لوعتي واشتاقي
فتلقيتها بفرط احترامحال وضعي لها على الأحداق
ثم قبلتها لشدة شوقكان مني لها وعظم احتراقي
وفضضت الختام عن طيب مسكوانتشقت الأريج أي انتشاق
شمت منها فرائداً ليس يحصيمادح حصر وصفها في نطاق
أسكرتني لما حسوت طلاهاوحلا عذب طعمها في مذاقي
ثم لا زلت مولعا في احتساهافاصطباحي بكأسها واغتباقي
يا لها من خريدة ذات حسنطاب لثمي لها وطال اعتناقي
غادة لو رأت محاسنها الشمسلما سارعت إلى الإشراق
أو رأى البدر وجهها لتوارىمن حياء به بسجف المحاق
أو رأى الغصن قدها يتثنىلذوى عاريا عن الأوراق
حيث رفت إلى إمام همامسبط خير الورى على الإطلاق
سيد نجل سيد وإمامحل أوج الفخار باستحقاق
وأخي السيد الكريم المزكىحسن الخلق طيب الأعراق
وسليل البتول بضعة طهصاحب الحوض واللوا والبراق
زفها الماجد الأديب المجليفي عراص العلى بيوم السباق
حسن الفضل واسع البذل مولىلم يزل ناحر الجياد العتاق
أتحف السيد الشهيد بنظملاق للحور حلية الأعناق
رق لفظا وراق معنى فاعجببكلام بسحره هو راقي
ورثاء لو أن خنساء صخرحاولت شأوه كبت في اللحاق
من لها أن يجىء في مثل هذاوصهيل الجياد غير النهاق
إن مثل الحسين يبكى عليهلا على صخرها تسح الأماقي
كيف لا وهو سيد قد بكتهكل عين بمدمع مهراق
ونعته الوحوش والإنس والجنجميعاً في سائر الآفاق
فجزاك الإله عن آل طهخير أجر تلقاه يوم التلاقي
بجنان تسقيك خمراً طهوراًمنه ولدانها بكأس دهاق
سيدي خذ إليك بكرا عروسامدحتها الأيام بالاتفاق
كاعب عيطل نتيجة مولىحسن الاسم ذروة المجد راقي
جود كفيه عم جمع البرايافهو بحر الندى بلا إغراق
برزت في البهاء تسحب ذيلاتتهاوى بحليها البراق
ليس تبغي سوى قبولك مهراإن حسن القبول خير صداق
وله في والي بغداد المرحوم أحمد باشا:
يا أيها الشعراء هبوا للندىمن راحتي ندب سمت ألطافه
بغداد مكتنا وأحمد أحمدوالكل حول حماه طاب طوافه
هذا الوزير أبو الفتوح المجتبىنظام عقد ذوي النهى وصافه
والي ولاة الملك خاتم كفهفرقان باس من اغتدى كشافه
ليث الكتيبة في الوغى ضرغامهادامي المثقف بالسطا مرعافه
مولى تلفع بالوزارة يانعابرداً غدت تزهو بها أعطافه
شهم شأى الأملاك في آرائهعزا وسار بما سرت أسلافه
ترب الشهامة ما له وعدوهيخشى لديه كلاهما إتلافه
أهدى مليك الفرس إعظاماً لهفيلا يروق لمثله إتحافه
فيل أعارته المها أحداقهافتلبست بسوادها أطرافه
ليل قد اغتصب الصباح فصاغه نابين تبسم عنهما أسدافه
أولا فزورق عنبر خرطومهمنه الشراع ونابه مجدافه
أو كالنجاشي مفرداً عن جيشهوافاه يرجو عنده إسعافه
جذلان يخطر في المسير كأنماطافت عليه من السرور سلافه
ويكر في جمع العداة بملتوكالصل يغتال النفوس زعافه
وكأنه متعبد طول الدجىيجفو لذيذ هجوعه ويعافه
وله خضوع بالسلام كمملقللضر قد أودى به إجحافه
أسروا به متصدياً في موكبما أن يحيط بنعته وصافه
فلئن نحا وحش الفلا وصقورهفلطالما سبت العدى أسيافه
يا من إذا قصد العدى بمفازةفنسورها وسباعها أضيافه
جردت في الأكراد عضب جلادةبيد التجارب راعهم إرهافه
وأسلت بحراً من دماء نحورهمفي البر هام سراتهم أصدافه
وكأن مهجة كل يوم منهمورد أطاعك بالرماح قطافه
في كل معتزم يحث إلى العدىطرفاً يخب بضيغم اكنافه
وتهازمت فرق تكدر بعدهمشجر المربع رحلهم مصطافه
فأعدت ثغر الثغر أزهر باسماوالمجد سر جناته وشغافه
ورجعت والنصر العزيز محالفرايات عزك ظاهر ابلافه
لا زلت مسروراً بضد ضارعفرقا وعافى قصده الحافه
ما فاح نشر أقاح روض ناضرجاد رباه من السحاب وطافه
وصف صاحب الترجمة بقصيدته الفيل، وقد تقدمه في ذلك شعراء الصاحب ابن عباد. وكان من خبره أن الصاحب لما حصل في وقعة جرجان على الفيل الذي في عسكر خراسان، أمر من بحضرته من الشعراء أن يصفوه في شبيب قصيدة على وزن قافية قول عمرو بن معدى كرب الزبيدي التي مطلعها:
أعددت للحدثان سابغة وعداء علندى
فمن قصيدة أبي القاسم عبد الصمد بن بابك قوله:
قسما لقد نشر الحيابمناكب العلمين بردا
وتنفست يمنيةتستضحك الزهر المندى
وجريحة اللبات تنثرمن سقيط الدمع عقدا
نازعتها حلب الشؤن وقلما استعبرت وجدا
ومساجل لي قد شققت لدائه في فيّ لحدا
لا ترم بي فأنا الذيصيرت حر الشعر عبدا
بشوارد شمس القياد يزدن عند القرب بعدا
وممسك البردين فيشبه النقا شية وقدا
فكأنما نسجت عليهيد الغمام الجون جلدا
وإذا لوتك صفاتهأعطاك مس الروح فقدا
فكأن معصم غادةفي ماضغيه إذا تصدى
وكأن عودا عاطلافي صفحتيه اذا تبدى
يحدو قوائم أربعايتركن بالتلعات وهدا
جاب المطرف قد تفرد بالفراهة واستبدا
وإذا تخلل هضبةفكأن ظل الليل مدا
وإذا هدى فكأن ركنامن عماية قد تردى
وإذا استقل رأيت فيأعطافه هزلا وجدا
متقرط أذنا تعيزجر العسوف إذا تعدى
خرقاء لا يجد السرار إذا تولجها مردا
أوطأته مرعى نسيبيواجتنبت وصال سعدى
ملك رأى الاحسان منعدد العواقب فاستسعدا
كافي الكفاة إذا انثنتمقل القنا الخطي رمدا
تكسوه نشر العرفكف من جفون الطل أندى
لا زلت يا أمل العفاة لفارط الآمال وردا
وألق الليالي لابساًعيشاً برود الظل رغدا
ومن قصيدة أبي الحسن الجوهري:
قل للوزير وقد تبدىيستعرض الكرم المعدا
أفنيت أسباب العلاحتى أبت ان تستجدا
لو مس راحتك السحاب لأمطرت كرماً ومجدا
لم ترض بالخيل التيشدت إلى العلياء شدا
وصوائم الرأي التيكانت على الأعداء جندا
حتى دعوت إلى العدىمن لا يلام إذا تعدى
متقصيا فيه العلوج وفطنة أعيت معدا
فيلا كرضوى حين يلبس من رقاق الغيم بردا
مثل الغمامة ملئتاكنافها برقاً ورعدا
رأس كقلة شاهقكسيت من الخيلاء جلدا
فتراه من فرط الدلالمصعراً للناس خدا
يزهى بخرطوم كمثلالصولجان يرد ردا
متمرد كالافعوانتمده الرمضاء مدا
أو كم راقصة تشيربه إلى الندمان وجدا
وكأنه بوق تحركه لتنفخ فيه جدا
يسطو بساريتي لجين يحطمان الصخر هدا
أذناه مروحتان أسندتا إلى الفودين عقدا
عيناه غائرتان ضيقتا لجمع الضوء عمدا
قاسوه باسطرلاب يجمع ثقبه ما لن يحدا
تلقاه من بعد فتحبسه غماما قد تبدى
متناً كبنيان الخورنق ما يلاقي الدهر كدا
ردفاً كدكة عنبرمتمايل الأوراك نهدا
ذنبا كمثل السوط يضربحوله ساقاً وزندا
يخطو على أمثال أعمدةالخباء إذا تصدى
أو مثل أميال نضدن من الصخور الصم نضدا
متورد حوض المنية حيث لا يشتاق وردا
متلفعاً بالكبرياء كأنه ملك مفدى
أدنى إلى الشيء البعيديراد من وهم وأهدى
أذكى من الإنسان حتى لو رأى خللا لسدا
قل للوزير: عبدت حتىقد أتاك الفيل عبدا
لو مس أعطاف النجوم جرين في التربيع سعدا
أو سار في أفق السماء لأنبتت زهراً ووردا
ومن قصيدة أبي محمد الخازن، وأبدع:
حازوا سعود ديار سعدىورعوا جناب العيش رغدا
وقضوا مآرب للصبامذ أبدلوا بالغور نجدا
سكنوا محلا بالربىأضحى محلا مستجدا
عطفت عليه ظباؤهما شئت سالفة وقدا
وشفيت حر الوجد منبرد سقى الأكباد بردا
عجبا أشيم لثغرهابرقا، ولست أحس رعدا
وغدوت أجني من غصون البان تفاحاً ووردا
وبنفسي القمر الذيلمعاً تصدى ثم صدا
يا هذه أهدى الوصال تكرما إن كان يهدى
وتذكري عهد الصبافي بيت عاتكة المفدى
وتعلمي أن الشباب وان وفي قرض يؤدى
وإذا أعير فإنهلا بد لا بد من أن يستردا
كم ليلة ساورتهاوقضيتها حسناً وجدا
وأرى النجوم لآلئاًفي الجو تجلو اللازوردا
حتى تحول أدهم الظلماء في الأفقين وردا
وبدا الصباح يحل منجيب الدجى ما كان شدا
وقريت همي أعنساًتذر الربى بالوخد وهدا
فوردن أفنية العلىمعمورة فحمدن وردا
حيث الفضائل والفواضل فتن إحصاء وعدا
حيث الوغى مشبوبةنيرانها وهجا ووقدا
ومهابة كادت لهاصم الجبال تخر هدا
أفياله يقدحن فيظلم الوغى زنداً فزندا
تسري كسحم سحائببجنائب تزجى وتحدى
ولبسن دكن ملابسغبراً معاطفهن ربدا
ورمقن عن أجفان مضمرة على الأعداء حقدا
وفغرن أفواها كأفواه المزاد تزوغ دردا
وكشرن عن أنيابهامثل الحراب شبا وحدا
من كل جهم خلتهيوم الوغى غولا تصدى
كبنية من عنبردعمت سواري الساج نضدا
وعليه طارونيةيزهى بها حراً وبردا
لولا انقلاب لسانهلرأيته خصما ألدا
متولياً أمراً ونهياً مالكاً حلا وعقدا
وكأنما خرطومهراووق خمر مد مدا
أو مثل كم مسبلأرخته للتوديع سعدى
وإذا القوى فكأنه الثعبان من جبل تردى
وكأنما انقلبت عصاموسى غداة بها تحدى
متعطفاً كالصولجانبساحة الميدان يحدى
يكسى الحداء وتارةيكسى نسيج الدرع سردا
وكأنما هو خاضببالاثمد الحاري جلدا
لون حكى إظلامهلون المشبه ليس يهدى
مستيقظ أبداً ويكسبر أن يعير العين رقدا
كفل تموج كالكثيب تهيله صوبا وصعدا
قد ساد كل بهمةكيساً ومعرفة وجدا
فكأنه يوم الوغىيكسى من الخيلاء بردا
وإذا انثنى من حربهيسعى فيرقص دستبندا
أودى بمن عادى الوزير وعمهم حصراً وحصدا
من عزمه كالعضب قد وعلمه كالبحر مدا
مستوحش بالسلم لمتألف ظباه قط غمدا
كالغيث يهطل سائلاوالليث يبرز مستبدا
وزر الملوك ونابها الأعلى وساعدها الأشدا
أي اسم فخر لم يحزهوأي مجد لم يعدا
أم أي ثغر لم يفدهـ ولم يشده ولم يسدا
كافي الكفاة المرتجىوالسيد الهادي المفدى
ما الحر إلا من غداللصاحب المأمول عبدا
ولئن أجدت مديحهفلطا لما أغنى وأجدى
ولصاحب الترجمة مشطراً لأبيات أبي نواس المار ذكرها
دع عنك لومي فإن اللوم إغراءواترك فآخره بغض وشحناء
وذر دواء التي كان الشفاء بهاوداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتهاولا يلم بها بأس وضراء
ان سر منها خمود الطبع لاعجبلو مسها حجر مسته سراء
من كف ذات حر في زي ذي ذكرتغنيك عن أمرد ذي بكر حسناء
يميل في حبها صنفان واعجبالها محبان لوطي وزناء
قامت بإبريقها والليل معتكربحيث لو كان بيض قيل سوداء
كأنها كوكب أنواره سطعتفظل من وجهها في البيت لألاء
وأرسلت من فم الإبريق صافيةترى صفا وجهها من كف خضباء
تسبى الهموم بجهر والحجا بخفاكأنما أخذها للعقل إخفاء
رقت عن الماء حتى ما يلائمهاماء العذيب صفاء بل خليصاء
إن قلت روح فما أخطى تماثلهلطافة وجفا عن شكلها الماء
فلو مزجت بها نوراً لمازجهاوصار منها بتلك الحال أجزاء
واها على الفور تغدو منه حاملةحتى تولد أنوار وأضواء
دار على فتية دان الزمان لهموالدهر طاع لهم في الشأن كسراء
ولا يخافون من بأس ولا خطرفلا تصيبهم إلا بما شاءوا
لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلةثويت فيها بعز والأخلاء
أجري دموعي عليهم لا على بقعكانت تحل بها هند وأسماء
فقل لمن يدعي في الحب توسعةكلا فدعواك تزوير وإغراء
لو كنت صبا لما أصبحت مدعياًحفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
وأما شعراء بغداد فهم جم غفير، ما لهم في معاطاة الأدب والكمال نظير. ولم أقف على أشعارهم، وقد ذكرت جل أخبارهم، وقد اكتفيت بما ذكرته. إن القليل على الكثير دليل.
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع