تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

الباب السادس في عجائب نبغاء الحجاز (٧)

ولا سَراحٌ عن عِشْقِه أصْلاَ

إلاَّ امْتداحُ خير الورَى أصْلاَ

من قد أتَى من ربِّنا مُرْسَلْللعالَمينْ
المُقْتفِي والسيِّدُ الأكْمَلْطه الأمينْ

وله من آخر:

يا مَن لقتْلِي ظُلْماً أحَلاَّوالقلبَ حَلاَّ
مَن لدمِ المسلمِ اسْتحلاَّما قَطُّ حَلاَّ
جَفاك طَعْمَ المَنونِ حَلاَّوالصبرَ حَلاَّ
لم يحْكِكَ الظَّبْيُ لو تجلَّىفأنتَ أحْلَى

يا مُنْيةَ القلبِ كم تدورُ

على هَلاكِي وكن تجورُ

هذا من الدَّلِّ أم غرورُ

جرَّدْتَ من مُقْلتيْكَ نَصْلاَورُشْتَ نَبْلاَ
أثْخَنْتَ لمَّا أمِنْتَ عَقْلاَنَهْباً وقَتْلاَ
اللهَ في عاشقٍ غريبِمُضْنىً كئيبِ
أضْحَى من النَّوْحِ والنَّحيبِكعَنْدَلِيبِ
فارجِعْ إلى اللهِ من قريبِوكُنْ مُجيبي
وامْنَح المُسْتهامَ وَصْلاَفالقلبُ يَصْلَى
حُمِّلْتُ ما لا يُطاقُ أصْلاَعَقْلاً ونَقْلاَ

يا كاملَ الْحُسْنِ والجمالِ

يا بارعَ الغَنْجِ والدَّلالِ

يا فاضحَ الغُصْنِ والغزالِ

أنت من النَّيِّريْن أعْلَىسَناً وأغْلَى
وجْهُك للبدرِ لو تجلَّىبه تَمَلَّى
أضعْتَ عُمْرَ الشَّجِيِّ قَصْدَاهَجْراً وصَدَّا
لم تَرْعَ لي يا مَلُولُ وُدَّاوخُنْتَ عَهْدَا
وسِرْتَ تسْطُو عليَّ عَمْداًلم تَخْشَ حَدَّا
حَلَفتَ من قبل ذاك أنْ لاَتُسِيءَ فِعْلاَ
نَسِيتَ لي ذِمَّةً وإلاَّفاعْطِفْ وإلاَّ

أخوه محمد هو لروضه شقيق، ومثله بالمدح حقيق.

مشحوذ سنان البيان، مصقول أطراف البنان.

وأنا وإن لم أتمل برؤية جماله، فقد استمليت طرفاً من خبر فضله وكماله.

وقد أهدى إلي تحفاً من أشعاره الغضة، فأخذت من راحها بالمصة ومن تفاحها بالعضة.

فمما جردته منها قوله:

باللهِ يا ريحُ هُزِّي غُصْنَ قامتِهوحاذِرِي العارِضَ النَّمَّامَ في السَّحَرِ
وشَوِّشِي رَوْضَ خَدَّيْه على عَجَلٍثم انْتَحِي نحو ذاك المَبْسَمِ العَطِرِ
وضَمِّخِي الكونَ من رَيَّاه وانْتهِزِيلي فُرْصةً بين ذاك الوِرْدِ والصَّدَرِ
وعانقِي قَدَّه الزَّاهِي فمما لِشَجٍإلاَّكِ شافيةٌ قد جاء في الخَبَرِ
وحدِّثيه بأنِّي في هَواه لَقىًقد حالفتْنِي يدُ الأسْقامِ والغِيَرِ
مُبَلْبَلُ البالِ أرْعَى النجمَ مُكْتئِباًنَحِيلَ جسمٍ صَرِيعَ الدَّالِّ والحَوَرِ
كأنَّ عَيْنِيَ لا تَهْدِي بها رَمَدٌوأن أهْدَابَها قُدَّتْ من الإِبَرِ
لعل مَسْراكِ يُطفِي ما تضَمَّنَهقلبٌ تَقَّسم بين الوَجْدِ والفِكَرِ
للهِ أنْتِ فكم طَوَّقْتِنِي مِنَناًسَحْبانُ في وَصْفِها يُعْزَى إلى الحَصَرِ
لأشْكُرنَّكِ ما غَنَّتْ مُطوَّقةٌعلى الغصونِ بذاتِ الضَّالِ والسَّمُرِ
وما سرَى البَرْقُ وَهْناً من ديارِهمُوما هَمَى العارِضُ الرَّجَّافُ بالمطرِ

وقد عارض بها أبيات الطغرائي، التي أولها:

بالله يا ريحُ إن مُكِّنْتِ ثانيةٍمن صُدْغِه فأقِيمِي فيه واسْتَتِرِي
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «بالله يا ريح إن مكنت ثانية»

وقوله:

ولقد ذكرتُك والنجومُ سَواهِمٌوالجَوُّ من نَقْعِ السَّلاهِبِ مُظلِمُ
والْحَرْبُ تُسْعر بالحرُوب كُماتهاوالبِيضُ تُنْثَر والعَوالِي تُنْظَمُ
وكأنما خُضْرُ الدُّروعِ مَجَرَّةٌوسَنَأ المَغافرِ في سَنَاها أنْجُمُ
فغدَوْتُ أقْتحِمُ المَعامِعَ إذْ حَكَتْمَعْنىً لحسنِك أبْلَجاً يتبسَّمُ

هذا الأسلوب استعمله الشعراء كثيراً.

قال مجنون ليلى:

ذكرتُك والحَجِيجُ له ضَجِيجٌبمكةَ والقلوبُ لها وَجِيبُ

مصعب بن زرارة:

ولقد ذكرتُكِ والمَنِيَّةُ بيْنناتحت الخَوافِقِ والقلوبُ خَوافِقُ

الوزير أبو الحسن بن القبطرنة:

ذكرتُ سُلَيْمَى وحَرُّ الوَغَىبقلبِيَ ساعةَ فارقْتُهَا
وأبصرتُ بين القَنا قَدَّهاوقد مِلْنَ نَحْوِي فقبَّلْتُهَا

أبو طالب الرقي:

ولقد ذكرتُكِ والظلامُ كأنهيومُ النَّوَى وفؤادُ مَن لم يَعْشَقِ

عطية السلمي:

ولقد ذكرتُكِ والرِّماحُ تنُوشُنِيعند الإمامِ وساعدِي مَغْلُولُ
ولقد ذكرتُك والذي أنا عبدُهوالسيفُ بين ذُؤابتي مَسْلُولُ

أبو حيان:

ولقد ذكرتُكِ والبحرُ الخِضَمُّ طَغَتْأمْواجُه والورى منه على حَذَرِ

مثله لابن رشيق:

ولقد ذكرتُكِ في السفينةِ والرَّدَىمثتوقَّعٌ بِتلاطُمِ الأمْواجِ
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
وعلَتْ لأصحابِ السفينةِ ضَجَّةٌوأنا وذِكْرُكِ في ألَذِّ تَناجِي
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

الصفي الحلي:

ولقد ذكرتُكِ والجَماجِمُ وُقَّعٌتحت السَّنابِكِ والأكُفُّ تطِيرُ
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «ولقد ذكرتك والجماجم وقع»
والْهَامُ في أُفُقِ العَجَاجةِ حُوَّمٌفكأنَّها فوق النُّسُورِ نُسورُ
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «ولقد ذكرتك والجماجم وقع»
فظَنَنْتُ أني في مجالسِ لَذَّتِيوالرَّاحُ تُجْلَى والكؤوسُ تدُورُ
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «ولقد ذكرتك والجماجم وقع»

وقال أيضاً:

ولقد ذكرتُكِ والعَجاجُ كأنهمَطْلُ الغَنِيِّ وسوءُ عَيْشِ المُعْسِرِ
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «ولقد ذكرتك والعجاج كأنه»
فظننْتُ أني في صَباحٍ مُسْفِرٍمن ضَوْءِ وجهِك أو سَناءٍ مُقْمِرِ

الطغرائي، وما أرق قوله:

إنِّي لأَذْكرُكم وقد بلَغ الظَّمَامنِّي فأشْرَقُ بالزُّلالِ الباردِ
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «إني لأذكركم وقد بلغ الظما»
وأقولُ ليت أحِبَّتِي عايَنْتُهمْقبل المَماتِ ولو بيومٍ واحدِ

أبو عطاء السندي الحماسي:

ذكرتُكِ والخَطِّيُّ يخطِر بَيْنَناوقد نهِلتْ مِنَّا المُثَقَّفَةُ السُّمْرُ

مثله:

وإني جُلْتُ في جيشِ الأعادِيبرُمْحِي وهْو في فكرِ يجُولُ
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة

مجير الدين بن تميم:

ولقد ذكرتك حين أنْكَرَتِ الظُّباأغْمَادَها وتعارفَتْ في الْهامِ
والنَّبْلُ من خَلَلِ الغُبارِ كأنهمُنْهَلُّ قَطْرٍ من فُروجِ غَمامِ
فاسْتَصْغرَتْ عيْنايَ أفْواجَ العِدَىوالموتُ خَلْفِي تارةً وأمَامِي

ابن مطروح:

ذكرتُكم والعَوالِي في الطُّلَى تَرِدُفي مَوْقفٍ فيه يَنْسَى الوالدَ الوَلَدُ
وما نسيْتُكِ والأرْواحُ سائِلةٌعلى السيوفِ ونارُ الحربِ تَتَّقِدُ
للشاعر جمال الدين بن مطروح، من قصيدة «أصدرتها والعوالي في الطلى ترد»

وقال أيضاً:

ولقد ذكرتكِ والصَّوارِمُ لُمَّعٌمن حَوْلِنا والسَّمْهَرِيَّةُ شُرَّعُ
للشاعر جمال الدين بن مطروح، من قصيدة «ولقد ذكرتك والصوارم لمع»
وعلى مُكافحةِ السيوفِ ففي الْحَشَاشَوْقٌ إليكِ تَضِيقُ عنه الأضْلُعُ
ومن الصِّبا وهَلُمَّ جَرّاً شِيمَتِيحْفْظُ العهودِ فكيف عنها أرْجِعُ

عبد الله بن حسين بن محمد بن أحمد بن مبارك بن طرفة السالمي ابن طرفة طرفة طرف، لم يهجر منه للبراعة طرف.

فهو الشاعر الظريف، الحائز من الكمال التالد والطريف.

تجمل بأهداب الآداب، تجمل الأجفان بالأهداب.

فأقلامه تصوغ الدراري، وقراطيسه يضوع منها الداري.

بعباراتٍ عنبريةٍ، وإشارات عبيرية.

فدونك منها أزهار رياضٍ بعرفِ النشق تتنسم، ولآلىء ثغورٍ عن ماء الحياة تتبسم.

فمنها ما كتبه إلى أحمد الخلي المذكور آنفاً:

مَن لقلبٍ دائمِ الحَزَنِليس يخْلُو الدهرَ من شَجَنِ
ضاق ذَرْعاً بالهمومِ فهلماجدٌ يُنْجِي من المِحَنِ
يشْتكي الدهرَ عَلَّ عسَىيلْتجِي منه إلى سَكَنِ
قد أضاعَ الوقتَ في نَفَرٍكالرِّياضِ الخُضْرِ في الدِّمَنِ
ظاهراً راقُوا وقد خَبُثُواباطناً فَعْماً مِن الإحَنِ
وغَنُوا بالمالِ عن أدَبٍوبهم فَقْرٌ إلى الرَّسَنِ
وغَدَوا عارِين من حَسَبٍواكْتَسَوا بالقُبْحِ والدَّرَنِ
فأنا ما بين أظْهُرِهمْكغريبِ الدَّارِ والوَطَنِ
صابرٌ عَلَّ الزمانَ يفِيبصديقٍ قَطُّ لم يَخُنِ
وهْو في ظَنِّي ابنُ قاسم لاخَيَّبَ المَوْلَى به ظِنَنِي
أحمدُ المحمودُ سيِّدُنامالكُ الأفْضالِ والمِنَنِ
من تسامَى أن يُحِيطَ بهوَصْفُ مِنْطِيقٍ من اللَّسَنِ
فاضلٌ لم يَأْلُ مجتهداًفي طِلابِ المجدِ ليس يَنِي
فاق في فضلٍ أُبُوَّتَهُوجَرى منهم على السَّنَنِ
وهمُ أبناءُ مَحْمَدةٍفِعْلُهم يَرْوِي عن الحسَنِ
شهدتْ في ذا فضائلهُوعرَفْنا العِرقَ بالغُصُنِ
يا شهابَ الدين صِخْ لفتىًوُدُّه باقٍ على الزَّمَنِ
ليس يرجُو منك غيرَ وَفاًفاشْتَرِ عَبْداً بلا ثَمنِ
بيننا في وُدِّنا نسَبٌليس يخْفَى ذا على فَطِنِ
واحْتكِمْ ما شئتَ فيه علىوَفْقِ ما ترضَى له تكُنِ
وابْقَ واسلَمْ ما تفَنَّن فيسَحَرٍ طيرٌ على غُصُنِ

وأتبعه بنثرٍ صورته: يا سيدي الأعلى، وكنزي وشهابي الأسنى، وروضتي الغنا.

دام علاك، وهدم بناء عداك.

ولا زلت مأمون الغوائل، معتمد الوسائل، يوسفي الصباحة، حاتمي السماحة.

فلكي التأثير، قمري التصوير.

إبراهيمي الوفا، محمدي الأخلاق والصفا.

أنت راءُ الرِّضا وعينُ العطايَاأنت تاءُ التقى وصادُ الصَّلاحِ
أنت واوُ الوفا ومِيمُ المَعالِيأنت كافُ الكمالِ سينُ السَّماحِ

الموجب لتسطير هذه الخدمة علمكم بأنه لابد للإنسان من خلٍ يسكن إليه، فيشكو إليه حزنه، وينتصر به على من ظلمه، ويتوصل به إلى ما يشق عليه بلوغه بمفرده.

والمملوك قد تقرب إليك، وعول عليك، ورضي بك مالكاً فهل ترضى به مملوكاً، وتأخذ منه بذلك وثائق وصكوكا.

يراك كالشيخ إجلالاً، وكالوالد إكراماً، والولد حنواً وإشفاقاً.

ويلتمس منك ثلاثة أمور، وأنت الآمر بذلك لا المأمور: أولها؛ حفظ الود في الغيبة والحضور.

ثانيها؛ عدم سماع كلام الواشي والغيور.

ثالثها: رفع سجف الحشمة وطي بساط الكلف في القبض والسرور.

هذا ما أحاط به علمك، فرب أخٍ لم تلده أمك.

فكتب إليه مجيبا:

ذكَّر الماضِي من الزمَنِخَفَقانُ البارقِ الْيَمَنِي
فَهمتْ من مُقْلتِي دِيَمٌنِيْلُها أشْفقتُ يُغْرِقنِي
يا نُزولَ الصَّفْحِ من إضَمٍبُعْدُكم أفْنَى قُوَى بَدَنِي
حَبَّذا أيَّامُنا وبكمكانت الأقْدارُ تُسعِدُنِي
حيث وجهُ الدهرِ مُنْبَلِجٌوخيولُ اللهوِ ليس تَنِي
وسَرابيلُ الصِّبا قُشُبٌلم تُمزِّقْها يَدُ المِحَنِ
ليت شِعْرِي والرَّجا طَمَعٌبكم الأيامُ تجمعُنِي
يا ديارَ الأُنْسِ جادَك مِنفَيْضِ دمعي هامِلُ المُزْنِ
إن أكُنْ قد بِنْتُ لا بِرِضاًففؤادي عنكِ لم يَبِنِ
آهِ كم من ليلةٍ سلفَتْفيك محفوظاً من الحَزَنِ
ليس يُنْسيني تذكُّرَهاغيرُ مَدْحِ المِصْقَعِ اللَّسِنِ
فاضلُ العصرِ الذي يدُهحلَّتِ الأجْيادَ بالمِنَنِ
مَن به الآدابُ قد فخرتْوبدَتْ في منظرٍ حسَنِ
يُدْرِك الأشْيا بفِطْنتِهوذَكاهُ وهْي لم تكنِ
فِكْرُه كم حَلَّ مُشكِلةًوقَفتْ عنها ذَوُو الفِطَنِ
عُمْدتِي في كلِّ نازلةٍجَرَّدتْ نَ؛ ْوِي ظُبَا الفِتَنِ
يا عَفيفِ الدِّين عبدُ هوىًبك لم يغدُرْ ولم يخُنِ
قُمْتَ تدْعوه بمُفْرَدةٍأصْبحتْ كالقُرْطِ في الأُذُنِ
فاخْتبرْنِي يا أبا حسَنٍتَرَنِي المْخبورَ بالحسَنِ
وتقبَّلْ مِدْحةً برزَتْمِن شَحٍ ناءٍ عن الشَّجَنِ
جمُدتْ أفكارُه زمَناًفَرُمِي بالعِيِّ واللَّكَنِ
رفَض الأشْعارَ عنه فلووَزَنُوا الأمْوالَ لم يَزِنِ
دُمْتَ سَمّاً للْعِدَى سنَداًلِيَ يا أطْرُوفةَ الزَّمنِ
لو دَعانِي من غيرِ أرْضك داعٍلغَرامٍ لكنتُ غيرَ مُلَبِّي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أي عيد من الهوى عاد قلبي»

وأما أنت أيها الأخ الشقيق. والصديق الشفيق.

سمعاً لأمرك الواجبة إطاعته المفروضة إجابته، الممتنعة مخالفته، المستحيلة مجانبته.

لو قيل تِيهاً قِفْ على جمرِ الغَضالوقفْتُ ممتثِلاً ولم أتوَقَّفِ

كيف وقد دعوتني إلى شيءٍ أتمنى حصوله، وأترقب وصوله.

وكنت أرى نيله كالمستحيل للسائل، وطالما قلت: أين الثريا من يد المتناول.

فظهر لي قيام الحظ بعد قعوده، وتبدل نحوسه الملازمة بسعوده.

وطفقت أسحب ذيل الإعجاب مرحا، وتزايد بي السرور حتى بكيت فرحا.

يا قلبُ قَرَّ فمن تُحِبُّأتى على وَفْقِ المُرادِ

فثق مني بخلوص ودٍ لا يشوبه غش الانفصام، حتى تفارق بعد العمر الطبيعي أرواحنا الأجسام.

ألْقِنِي في لَظىً فإن غيَّرتْنِيفتيقَّنْ أني لستُ بالياقُوتِ

والله المسئول أن يجعل عيون الحاسدين عنا نائمة، ويزرقنا والمسلمين حسن الخاتمة.

وكتب إليه، وقد وعده بمشترى تمرٍ له:

يا مالكَ الفضلِ ويا خِلَّ الأدبْويا كريمَ الأصلِ يا فخرَ العَرَبْ
طال اشْتياقِي فاستمعْ مَقالِيلخضْمِ تمْرٍ كالزُّلالِ حالِي
شبَّهتْهُ لم أعْدُ في تشْبيهِهطريقةَ القَصْدِ لَدَى مُرِيِدِهِ
مَخازنٌ من العَقِيقِ نبتَتْأقفْالُها من النُّضارِ جُعِلَتْ
أو أُنْمُلاتٌ للغَوانِي طُلِيَتْبالزَّعْفرانِ أعْجَبتْ وَفَتنتْ
وأكُؤُساً من النضارِ الصَّافِيتشْربُها وخِلُّك المُصافِي
كأنه خُلْقُك في حَلاوتِهْولفظُك الباهرُ في بَراعتِهْ
يا حُسْنَه حين يُرَى في أَدَمِهْيُوجِدُ شَخْصَ الجوعِ بعد عَدَمِهْ
أحبَبْتُه حُبَّ الصغيرِ أُمّهْولا عجِيب حُبُّ ابنِ العَمَّهْ
فانْعَمْ به دُمْتَ مدَى الدهورِتسحبُ ذيلَ الانْسِ والحُبورِ
إلى مَعاليك العُلى ينْتسِبُومِن أياديك النَّدَى يُنْتَخَبُ
نمِيلُ في مَطْلبِنَا علَيْكَاوتلتقِي آمالُنا لَدَيْكَا

فكتب إليه:

يا عُمْدتي في الصَّحْبِ والخِلاَّنِوعدَّتِي إذا عَدا زَمانِي
وطِبَّ دائي ودواءَ جُرْحِيوعينَ أعْيانِ ورُوْحَ رُوحِي
وصَارِمِي الصَّارِمَ للأعداءِوسَطْوتِي عند لِقَا الهَيْجاءِ
يا مَنْهَلَ الفضلِ ويُنْبوعَ الأدَبْوبَحْره المُلْقِي إليْنا بالعَجَبْ
إليك ما كنتُ به وَعَدْتُوإن أكُنْ أبْطأتُ ما أخْطَأْتُ
فالعُذْرُ يا مولايَ ما رأيْتَافكُن لعُذْرِي قابِلاً بقيتَا
وهاكَها كوَجْنَةِ الحِسانِفي اللَّوْنِ أو كحُمْرةِ الدِّنانِ
كأنه صِيغَ من العَقِيقِوطَعْمُه كرِيقَةِ المَعْشُوقِ
إذا شقَقْنا الظَّرْفَ عنه يبْدُوبَيْضٌ من النُّضارِ فيه نَدُّ
من ذاقه عافَ مَذَاقَ الشُّهْدِوالضِّدُّ يبْدُو فضلُه بالضِّدِّ
فكُلْ هَنيّاً يا شقيقَ رُوحِيوعِشْ مُعَمَّراً كعُمْرِ نُوحِ

السيد محمد بن حيدر بن علي فرعٌ من أشرف نبعة، نمت في أشرف بقعة.

فهو في بيت الشرف شمسٌ ذات إشراق، وفي روض الأدب غصنٌ تتفكه منه بثمار وتتفيأ بأوراق.

فوجه أدبه سافر، وحظه من البراعة وافر.

إذا جرى في مضمارٍ قصر مجاريه، وإذا برى أقلامه فلا أحد يباريه.

مع ما خصه الله من شمائل، أرق من الشمول وألطف من الشمال، وخلائق أشهى من طيب الوصال، وأوقع من موافقة الآمال.

وقد اجتمعت به فرعت عيني منه في مرعىً خصيب، واستطلعت نفسي منه مطلعاً له من الحسن أوفر نصيب.

فشاهدت من نباهته ولطف رويته وبداهته، ما تملك قلبي، واستأثر في أن يخلب خلبي ويسلب لبي.

وحباني من أشعاره بكل مقصدٍ نامي الغراس، وكل مخيلةٍ خامرت العقل لأنها جاءت من أكرم بيت راس.

فمن ذلك قوله:

نسيمٌ سرَى عن شِيحِ نَجْدٍ ورَنْدِهِوبَرْقٌ شَرِى من غَوْرِ نَجْدٍ ونَجْدِهِ
فذلك مُورٍ نارَ شَوْقِي بزَنْدِهِوهذا مُثيِرٌ حَرَّ وَجْدِي ببَرْدِهِ
وأذْكَرنِي صَوْبُ الغمامِ مَدامِعِيلتَجْرِي وذكرُ الشيء يجْري بنِدِّهِ
ولولا الهَوى إن كنتَ تعلمُ ما الهوىلما زلْزلتْ قلبي زَماجِرُ رَعْدِهِ
ووُدِّي لظَبْيٍ بالصَّرِيمةِ راتِعٍوفي بعض أفْعالِي وَفَيْتُ بوُدِّهِ
فيُنْبِتُ دمعي كلَّ بَقْلٍ برَوْضِهويحْرِق مَرْعاه زَفِيرِي بوَقْدِهِ
أُحِبُّ عَذُولِي حين ينْطِق باسْمِهوأُبْغِضُ مَرْآهُ وَفاءً بعَهْدِهِ
وأُظْهِر من خَوْفِ الوُشاةِ سُلُوَّهوإن كان لي قلبٌ يُنادِي بضِدِّهِ
وأقصِد بُعْدِي يَقْظةً عن مَزارِهِوإن لم أُحِبَّ النومَ إلاَّ لِقَصْدِهِ
ويلْهجُ نُطْقِي بالعُذَيْبِ وحاجِرٍويعْدِل عن ذِكْرِي حِماهُ بجُهْدِهِ
وفي كلِّ عُضْوٍ لي لسانٌ مُوَلَّعٌبذِكْراه في قلبِ المَزارِ وبُعْدِهِ
فهذا وَفائي في الهوى بحُقُوقِهفهل أرْتجِي منه الوفاءَ بوَعْدِهِ
وكم بالرُّبَى صَبٌّ صَبا بالذي سَبَافؤادي ولم يمْنُنْ عليَّ برَدِّهِ
من العُرْبِ طَفْلٌ دأْبُه اللهوُ عابِثٌبطفْلِ سوادِ العينِ في مَهْدِهِ سُهْدِهِ
وَهبْتُ له رُوحِي وأعلمُ أنهيصُدُّ لكي أحْظَى بلَفْتَةِ جِيدِهِ
ونَيْلُ رِضاه مُنْتهَى ما أَرومُهوما عاشقٌ من لم يقِفْ عند حَدِّهِ
أقول هو المَوْلَى المُطاعُ مُمَنِّياًلنفسِي بأني عند رُتْبةِ عَبْدِهِ
ووِرْدُ اللَّمَى المَعْسولِ عَزَّ وطالَماحَلاَ بفِمي طعماً تَخيُّلُ وِرْدِهِ
وإن كنتُ في روضٍ تحَاشيْتُ أن أرىجَنَى وَرْدِهِ للإحْترامِ لخَدِّهِ
وإن مال غُصْنٌ فيه أغْضَيْتُ هَيْبةًكفِعْلِي إذا ما ماس مائسُ قَدِّهِ
وأقْطَعُ أن الروضَ إذْ كان فيه مايُشهابِهُه يسْمو بطالِعِ سَعْدِهِ
وذُلُّ الهوى عِزُّ الكريمِ وإن غَدَامَلِيكاً جليلَ القدرِ ما بين جُنْدِهِ
هو الحبُّ إن رُمْتَ المَخاضَ ببَحْرِهوإلاَّ دَعِ التَّيَّارَ واقْنَعْ بثَمْدِهِ

وله معارضا:

قُلْ للْمَلِيحة في الخِمارِ الأسْودِ

قُلْ للمليحةِ في القِناعِ العُصْفُرِييا شمسُ ها شَفَقُ الشروقِ فأسْفِرِي
ولكِ الأمانُ من اللِّحاظِ إذا ارْتَمَتْإن الشُّعاعَ يصُدُّ طَرْفَ المُبْصِرِ
أوَما اكْتفيِت بوَرْدِ خدِّك رَوْضةًعن رَوْضِ وَرْدِيِّ اللِّباسِ المُزْهِرِ
هذا القِناعُ سَما بفَرْقِك مَفْخَراًعن مِغْفَرٍ قد ضَمَّ هَامَةَ قَيْصَرِ
وخَطرْتِ في مَوْشيَّةٍ ذهَبِيَّةٍقد جانسَتْكِ بلَوْنِها في المَنْظَرِ
وبديعُ حُسنِكِ قد تناسَب عندماراعَى نَظِيراً في المُحَيَّا الأنْضَرِ
أرأيتِ حين خطَرْتِ في رَمْلِ الحِمَىما بين بَانِ لِوَى الكَثِيبِ الأعْفَرِ
فتأوَّدتْ أغْصانُه وتستَّرتْبالأيْكِ من خَجَلٍ ولاتَ تسَتُّرِ
كم أصْيَدٍ ملكَتْ يميِنُك رِقَّهُفأتى إليك بذِلَّة المُسْتأْسِرِ
مافي الحِمَى إلاّ مَوالِي طاعةٍفتملَّكِي أو دَبِّرِي أو حَرِّرِي

وله:

جادتْ غَوادِي المُزْنِ رَبْوةَ لَعْلَعِبهَواطلٍ تهْمِي بذاك المَرْبَعِ
واخْضَرَّ رَوْضُ جَنابِها وتأرَّجتْحُلَلُ النَُّّسِيمِ بنَشْرِه المُتضوِّعِ
يا طِيبَ أوقاتٍ مضتْ بربُوعِهاوالشَّمْلُ مُلْتئِمٌ بها لم يُصْدَعِ
حيثُ الزمانُ مُسالِمٌ ما راعَنابِبعادِ خِلٍ أو فِراقِ مُوَدِّعِ
وصُروفُه في غَفْلةٍ وصَفاةُ طِيبِ وِصالِنا بخُطوبِه لم تُقرَعِ
يا سادةً بسِوَى عُقودِ عُلاهمُما نُظِّمتْ دُرَرُ الفَخارِ بمَجْمَعِ
وبغيرِ أُفْقِ مديحهِم ما أشْرقَتْشمسُ البلاغةِ بالسَّنَا المُتقشِّعِ
إني لأعْجَزُ أن أَبُثَّكمُ من الْأشواقِ ما ضُمَّتْ عليه أضْلُعِي
قلبي من الصبرِ الجميلِ لبُعْدِكمْأضْحَى خَلاءً كالديارِ البَلْقَعِ
حَلَّ السُّهادُ بجَفْنِ عَيْني قاطِناًمُذْ سار عنه ظُعْنُ نَوْمِي المُزْمِعِ
ولقد رَقمْتُ سطورَ طِرْسِ رسالتيوتكاد تمْحوها هَوامِي الأدْمُعِ
وبعثْتُها لتفوزَ في تقْبيلِهاأقْدامَكم بذَرَى المَحَلِّ الأرْفَعِ
في طيِّها نَشْرُ الثَّناءِ يحُفُّهإهْداءُ مِسْكِيِّ السَّلامِ الأضْوَعِ
وَافتْ تُهنِّيكم بُلوغَ مُناكمُبزيارةِ الدَّاعِي الشفيعِ إذا دَعَا
وبما حَوَيْتُم من جَزِيلِ الأجْرِ إذْشمِلْتكمُ بركاتُ ذاك المَضْجَعِ
دام الهناءُ لكم ودام لنا الهَنَابكمُ ودُمْتمْ في النَّعيِمِ المُمْرِعِ

وله من قصيدة، أولها:

رِقِّي لِصَبِّكِ يا سعادُ ودارِكِيوَلْهانَ يندُب رسمَ دَارِسِ دَارِكِ
جُودِي عليه في المَنامِ بزَوْرةٍإن لم تجُودِي يَقْظةً بوِصالِكِ
هيهات يغْشَى النومُ جَفْنَ مُتيَّمٍعُقِدتْ عُرَى آمالهِ بحِبالِكِ
ما زال ذِكْرُك دائراً في بَالِهِأتُراه يخْطِر ذِكْرُه في بَالِكِ
اللهُ حَسْبُكِ كم تصُول بمُهْجتِيجَفْناكِ بالعَضْبِ الجُرازِ الفاتِكِ
وتهُزُّ قامتُك القَويمةُ ذَابِلاًيسْطُو بطَعْنٍ في الْحَشَا مُتدارِكِ
أو ما قنِعْتِ وبعضُ ما بي مُقْنِعٌبِنَحِيلِ جسمِي والفؤادِ الهالِكِ
يا رَبَّةَ الخِدْرِ التي تَهْفُو لهفي الحبِّ أفئدةٌ تنالُ منالَكِ
هَلاَّ رحْمتِ وليس عندك رَحْمةٌصَرْعَى هواكِ بنَظْرةٍ لجمالِكِ
مالي ومالك كلَّما جذَب الهوىقلبي إليك صَدَدْتِ يا ابْنةَ مالِكِ
حتَّى مَ أمْلِكُ كَتْمَ حبِّك في الحشَاوهُمولُ دمعي ليس بالمُتمالِكِ
وإلى مَ ألهجُ بالعُذَيْبِ وبَارِقٍوأغُضُّ طَرْفِي عند ذِكْرِ دِيارِكِ
أنتِ المُرادُ برَغْمِ كلِّ مُعارِضٍقَولاً صحيحاً لستُ فيه بآفِكِ
قسَماً بمَنْظرِك الجميلِ وطَرْفِك الْغَنِجِ الكَحِيلِ وسَلسَبِيلِ رُضابِكِ
وبَوَرْدِ وَجْنتِك النَّضيرِ وبدرِ طَلْعتِك المُنِيرِ بلَيْلِ فَرْعٍ حَالِكِ
وبِدُرِّ مَبْسَمِكِ النَّظيمِ وكَشْحِكِ التَّرِفِ الهَضِيمِ ومُسْتقيمِ قَوامِكِ
وبذِمَّةِ العهدِ القديمِ وحُرْمةِ الْوَدِّ المُقيمِ بقلبِيَ المُغْرَى بِكِ
إني على عهدِ الغرامِ وشاهِديما تشْهديِنَ من السَّقامِ النَّاهِكِ
قلبي بِحفظِ الوُدِّ قد عَوَّدْتُهفلِمَا تقرَّر فيه ليس بتارِكِ

وله في الغزل:

آهِ يا عبدَ الهوى ما أحْمَلَكْهكذا يحكُم فاصْبِرْ مَن مَلَكْ
وَيْكَ يا قلبُ تكلَّفْ جَلَداًرُبَّ قلبٍ رَقَّ عِشْقاً فهَلَكْ
كيف لي فيك ومَن ينْفعُنِيآهِ لا بل فِيَّ قُلْ لي كيف لَكْ
يا فؤادي لك عقلٌ عَاذِرٌكنت صعباً والهوى قد ذَلَّلَكْ
هَبْكَ في الدهرِ أرِيباً حازِماًأنا أدْرِي بالدَّهَا مَن خَتَلَكْ
إنَّما غَرَّتْك أحْداقُ المَهَانصرَ اللهُ بها مَن خَذَلَكْ
يا عَذُولِي العشقُ داءٌ مُعْضِلٌبالذي عافاكَ خَفِّفْ عَذَلَكْ
الهوى رُشْدِي فدَعْ نُصْحَك ليفلقد أضْللْتَ فيه سُبُلَكْ
لم تزلْ منذ زمانٍ جاهداًهل رأيتَ السمعَ يوماً قَبِلَكْ
يا شقيقَ البدرِ يا تِرْبَ الْمَهَامَن كَساك النُّورَ أو مَن كَحَّلَكْ
إن يكُنْ يُشْبِهُك البدرُ سَناًفعلى مثلِك ما دار الفَلَكْ
مَن بأشْراكِك قَسْراً صادَنِيأنتَ فاعْذِرْ عارِفاً ما سألَكْ
إن تقُلْ إنِّي مَلِيكٌ في الهوىجارَ في الحُكْمِ أقُلْ أنَّي مَلَكْ
قلتُ دَبِّرْنِي فإنِّي هالِكٌقال من دَبَّر عَبْداً ما مَلَكْ
وَيْحَ مَن كُلُّ مُناه وَصْلُهأيُّ وَادٍ في الأماني قد سَلَكْ
أخذَ الرُّوحَ ووَلَّى بَرِماًأخْذُ رُوحِي لم يُهوِّنْ مَلَلَكْ
يا أخا الصَّهْباءِ في رِقَّتِهمَن على قَسْوةِ صَلْدٍ جَبَلَكْ
كان لي قلبٌ فأفْناه الجوَىأعْظَمَ اللهُ لِيَ الأجْرَ ولَكْ

وله:

لولا مُحَيَّاكَ الجميلُ المَصُونْما كنتُ أُجْرِي من عيوني عُيُونْ
ولا عَرفتُ السُّقمَ لولا الهوىولا تَبارِيحَ الجوَى والشُّجونْ
كم وقفَةٍ لي في طُلولِ الحِمَىرَوَّى ثَراهَا صَوْبُ دَمْعِي الهَتُونْ
يا ربْعُ خَبِّرْ لا جَفاك الْحَيَاوَلْهانَ لا يعرِفُ غَمْضَ الجُفونْ
هل كنتَ مَغْنىً للغزالِ الذيإليه أصْبُو والتَّصابي فُنُونْ
وأشْرقتْ فيك شُمُوسُ الضُّحَىمن فوقِ قاماتٍ تفُوق الغُصونْ
مِن كلِّ غَيْداءَ إذا أسْفَرتْيجْلُو مُحيَّاها ظلامَ الدُّجونْ
سُيوفُ لَحْظيْها إذا جُرِّدتْتُغْمَد من أحْشائِنا في جُفونْ
وعَامِلُ الْقامةِ تسْطُو بهفينا إذا ماسَتْ بأيْدِ المَنُونْ
والشَّامةُ السَّوداءُ في خَدِّهاتُعَلِّمُ الصَّبَّ فنونَ الجُنونْ
مَنِيعةُ الحُجْبِ فَنيْلُ اللِّقامنها بَعِيدٌ عن مَرامِي الظُّنونْ
حَسْبُكَ لَوْماً يا عَذُولِي اتَّئِدْإنِّي لِعَهْدِي في الهوى لا أخُونْ
لا تطْلُبِ السُّلْوانَ من وَامِقٍفذاك شيءٌ أبداً لا يكونْ
فدَعْ سُكارَى كأسِ خمرِ الهوىيا صاحِ في سَكْرَتهِمْ يعْمَهُونْ
ظَنُّوا اتِّباعِي للهوى ضَلَّةًوهم لرُشْدِي فيه لا يعلمونْ
أما ووَجْدِي يا أُهَيْلَ اللِّوَىوعهدِيَ الباقي وسِرِّي المَصُونْ
وما لهم من مَنْزِلٍ عامرٍبسَفْحِ قلبي هُمْ به نازِلُونْ
وطِيبِ أوْقاتٍ مَضَتْ بالحِمَىلَفَقْدِها تَذْرِي الدموعَ العُيونْ
لقد أطَعْتُ الحبَّ في حُكْمِهومِلْتُ عن طُرْقِ الأُلَى يَعْذِلُونْ
بذَلْتُ فيه مُهْجتِي طَائِعاًوبَذْلُها في الحبِّ عندي يَهُونْ

ومن نتفه ومقاطيعه، قوله مصدراً ومعجزاً:

لمَّا سرقْتُ بناظرِي مِن لَحْظِهِخُلَساً من اللَّحظاتِ بالآماقِ
وجَنَيْتُ حَدّاً إذْ جَنيْتُ برَوْضِهِوَرْداً حَمَتْه صَوارِمُ الأحْداقِ
قطَع الكرَى عن ناظِرِي مُتعمِّداًفوصَلْتُه بالمَدْمَعِ المُهْرَاقِ
كيْلا يقولَ الناسُ إنَّك سارِقٌوالقَطْعُ حَدُّ جِنايةِ السُّرَّاقِ

وقوله مصدراً أيضاً:

ولمَّا رَقمْتُ الطِّرْسَ أشْفَق ناظرِيومانَعَ من سَبْقِ الكتابِ إلى الوَصْلِ
وقال لِيَ احْكُمْ أنتَ بالحقِّ بيْنناوقال لِخَطِّي سوف أمْحُوكَ بالهَطْلِ
كِلانا سَوادٌ في بَياضٍ فما الذييَميِزُكَ والأهْدابُ في مَوْضِعِ الشَّكْلِ
وهل ما أُقاسِي من سُهادٍ ومَدْمَعٍخُصِصْتُ به حتى تُشاهِدَهم قَبْلِي

وقوله:

وحقِّك يا كُلَّ المَرامِ أنا الذيجعلتُ له حِصْنَ اليَقينِ مُقامَا
لأنك قد عَوَّدْتَه لُطْفَك الذيإذا زار لم يطْرُق كَراهُ لِمَامَا
ولم يَكُ مَنْسِيّاً لديْك بِحالةٍولا منك يخْشَى غَفْلةً وسَآمَا
فكم آيةٍ أظْهَرْتَها إثْرَ آيةٍأيَعْمَى لها ذُو اللُّبِّ أو يَتَعَامَى
ومَن كان ذا أرضٍ سقى بِذْرَها الْحَيَافقد حاز مَحْصولَ الزُّروعِ وسامَا
ومن يَكُ في مَهْدِ العِنايةِ وَادِعاًيَزْدْ عند تَحرِيك الخُطوبِ مَنامَا

وقوله:

وكأنما الثَّغْرُ الشَّهِيُّ رُضابُهضِمْنَ الشِّفاهِ مع الوِشامِ الأخضَرِ
دُرٌّ نَضِيدٌ ضِمْنَ حُقِّ زَبَرْجَدٍوله غِطاءٌ من عَقِيقٍ أحْمَرِ

وقوله:

وباكيةٍ إذ وَدَّعْتنِي وقد بَدتْبوَجْهٍ لهَتْكِي في المَحبَّةِ سافِرِ
جرى دمعُها لمَّا تألَّق نُورُهُكذا البَرْقُ إذ يَسْرِي دليلُ المَواطِرِ
هو الروضُ فيه نَرْجِسُ اللَّحْظِ ناثِرٌعلى وَرْدِ خَدٍ دُرَّ طَلٍ مُباكِرِ

وقوله:

فتاةٌ لاطفَتْنِي بابْتسامِونال كلامَها قلبي الكَسِيرُ
بَدا من ثَغْرِها دُرٌّ نَظِيمٌومن ألْفاظِها دُرٌّ نَثِيرُ
فراعيْتُ النَّظيرَ دَمْعِيولكن ذاك ليس له نَظِيرُ

وقوله:

بنُورِ مُحَيَّاك الجميلِ إذا انْجَلَىونَوْرِ لأَلآءِ ثَغْرِك البارِدِ الظَّلْمِ
أعُثْمانُ ذَا النُّورَيْنِ رِفْقاً بمَن غَدَاشهيدَ الْهوَى يشْكُو إليك من الظُّلْمِ

وقوله في التنباك:

أُحِبُّ الشُّرْبَ للتُّنْباكِ طَبْعاًوأُذْكِي نارَه أبَداً عليْهِ
فلي قلبٌ حَرِيقُ جَوىً ووَجْدٍوشِبْهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ

وكانت المقادير جمعت بيننا في الطائف، بين روضٍ وغدير، فتمتعت بمؤانسته، واغتنمت أوقات مجالسته، وكتبت إليه في أثناء ذلك:

يا رَوْنَق المُنْتسَبِ الشَّرِيفِأفْدِيكَ بالتَّالِدِ والطَّرِيفِ
شُكْراً لأيَّامي هذه التيفُزْتُ بها في ظِلِّكَ الوَرِيفِ
أسمعُ من لفظِك ما يبْهَر مَنينْطِق بالأسْماءِ والحروفِ
من كلِّ زَهْراءَ لآَلِي لَفْظِهاتُغْنِي عن العُقودِ والشُّنُوفِ
وأجْتلِي من خَطِّك الرَّوْضَ الذيأبْدَعْتَ فيه صَنْعةَ التَّفْوِيفِ
طابتْ مَجانِيهِ فأثْمارُ المُنَىفي سُوحِه دَانيِةُ القُطوفِ
دُمْتَ تُحلِّي الدهرَ فخراً وأناوَصَّافُ حُسْنِ طَبْعِك المَوصُوفِ

فراجعني بقوله:

يا شمْسَ أُفْقِ الأدبِ المَوْصوفِويا فَرِيدَ عِقْدِه المَرْصُوفِ
ويا جمالَ النَّسَبِ السامِي إلىعبدِ مَنافٍ بالسَّنا المُنِيفِ
يا مَن حَبانِي مِن صَفاءِ وِرْدِهِرَوْنَقَ ذاك الجَوْهرِ اللَّطِيفِ
ومَن سَقانِي من نميرِ فضلهِسُلافَ كَرْمِ رَوْضِه المَسْلُوفِ
ومَن أراني مِن خِصالِ ذاتهِمَحاسِناً زادَتْ على الألوفِ
يا مُهْدياً إليَّ من أشْعارِهتاجَ عُلاً تَمَّ به تَشْرِيفِي
إن زماناً بك قد جادَ لناجَدَّد جُودَ حاتمِ المعروفِ
أحْسَن إحْساناً نسينا عندهما مَرَّ من سُلُوكِه المأْلوفِ
قد كان ما مضَى من العمرِ سُدىًلا يُشْتَرى بالثمنِ الطَّفيفِ
حتَّى حَبانا بك سَعْدٌ طالِعٌيزْهُو بنَجْمِ مَجدِك الشَّرِيفِ
فعاد باقِي العُمْرِ عَيْشَ خالدٍفي جَنَّةٍ دانِيَةِ القُطوفِ
فاسْلَمْ ودُمْ دامتْ مَعالِيك تُرَىأوْصافُها للسَّمْعِ كالشُّنوفِ

وبلغني من بعض السادة، أنه أنشأ محاكمة بين الغنى والفقر، فكتبت إليه أطلبها منه: بلغني خبر المحاكمة، التي أنشأها السيد مقامة، وأفاد بها أن لا أحد يساوي مقامه.

فعرفت أنه أتى بالعجب العجاب، واستأثر بما هنالك من الإغراب والإعجاب.

جرياً على ما يعهد من طبعه المهذب، وفكره الذي ينشىء الوشي المذهب.

فكم لفظة منه بحر الفكر، أمثال هذا الجوهر البكر.

فأطلع الكلام دراً، وبيان البنان سحراً.

وصير بطون المهارق بوارق، وما بين مدب الأقلام خوارق.

من قوافٍ تنير حنادس الأفهام، وتتلاعب بالأفكار تلاعب السحر بالأوهام.

وفقرٍ أبهى من الغنى بعد الفقر، وأشهى من الوطن غب مقاساة وحشة القفر.

فلله تلك البديهة النبيهة، والفكرة النزيهة.

حيث أتت بمستبينة الإعجاز، مميزة للحق على الحقيقة والمجاز.

فأنستْ بمحاسنها آثار المتقدم، وصيرت المجترى على مثلها كالمتندم.

فلعل السيد يمتع بها طرفي وسمعي، ويجمع بسببها شمل فكري وطبعي.

فأغنى بها عن نديمٍ ومدامة، وأغدو من منادمتها في السلامة بلا ندامة.

هذا وشوقي إلى ذلك المنظر البهج، واجتلاء بدائع منطقة اللهج، شوق القارظي إلى سكون وسكنى، والقيسي إلى لبونٍ ولبنى.

واعتلاقي بوصفه الجميل، اعتلاق قفا نبك بالملك الضليل.

وكيف لي بخلسةٍ أشد عليها يد الضنين، وتنسيني هذا التأوه والأنين.

فإني من حين الاجتماع، والتلذذ بذلك الخطاب والاستماع، هجرت غيره من القول والإصغا، وجعلتهما في جانبٍ من الإزراء والإلغا.

فحالي فيه كما قلت، وعن نهج وده ما حلت:

يا سيِّداً من حين فارقتُهما راقَنِي مَرْأىً ولا مَسْمَعُ
لا تحْرِمَنِّي نَظْرةً أمْكنَتْفليس لي في غيرِها مَطْمَعُ

فكتب إلي مجيباً:

مولايَ قد قلَّدْتني مِنَّةًيسْتغرِقُ الشكرَ حَياها العَمِيمْ
أهْديْتَ لي نثْراً من الدُّرِّ بلمن الدَّرارِي الزُّهْر طَيَّ الرَّمِيمْ
بل نَفْحةً قُدْسِيَّةً عَطَّرتْبِطيبِ أخلاقِك نَشْرَ النَّسِيمْ
تمنْع أن يُعْكَس تَشْبِيه مَنيُشبِّه العِطْر بخُلْقٍ كريمْ
لا بل قد اهْدَيْتَ لي في العُلاَهِدايةً للمَنْهَجِ المُسْتقيِمْ
تفْتح عَيْنَ القلبِ حتى يَرَىتبلُّجَ الدهرِ بلَيْلٍ بَهِيمْ
واللهِ لا أمْلِكُ شُكْراً لهاإلاَّ عُبودِيَّةَ قلبٍ سَلِيمْ

يا مولانا الذي شرف مولاه بما أتحفه، وشفاه بطب الفضل من داء الجهل وقد أنحفه.

ومدحه حتى فضله وقدمه، فشجعه حتى ثبت في معارك الأدب قدمه، وفهمه آداب السلوك وعلمه، حتى حق له أن يشهر لدى ملوك الكلام قلمه، وينشر في مواكبهم علمه.

أقدم أولاً عذري في مقابلة الدر بالمدر، وحمل التمر بل الحشف إلى هجر، وجلب الدر بل الصدف إلى البحرين، وإهداء تبركات المساجد إلى أهل الحرمين.

ثم ما ذكره مولانا عظم الله مقامه، من طلب ما أنشأته على لسان الغنى والفقر شبه مقامة.

فإن المخلص بنى في ذلك وهدم، حتى كاد يحلم الأدم، ويعيد ما أخرجه للوجود إلى العدم، خوفاً من الإتيان بما يوجب عند أهل المعرفة إلى الخجل والندم.

وإلى وقت وصول الرقيم، والفكر في تيه الحيرة مقيم.

أيبرزه في قالب التمام، أم يستر الأدب ستر الشمس المنكسفة بالغمام؟ وما قرأته منه على بعض المخاديم الكرام، فقد نزلته منزلة أضغاث أحلام، عند الانتباه من المنام.

لكن بعد أن أسعفه الطالع الميمون بإقبالكم، وأنار هلاله المشبه بالعرجون من شمس كمالكم.

فقد جزم المخلص برفعه بعد خفضه، وإبرامه غب نقضه، وضم بعضه إلى بعضه.

حتى يقوم شخصاً كاملاً، ويليق بأن يكون لديكم على قدم الخدمة ماثلاً.

وبسَعْدِكم تلك المَخائِلُ تَرْتقِيبتكامُلٍ حتى تعود شمائِلاَ

بشرط أن أصل أولاً إلى خدمتكم الواجبة وجوب الفرض، وأنهيه إلى نظركم الكريم بطريق العرض.

ونبلغ مع التحلي بتهذيبكم، أمل التملي بكم.

فوحق ورد ودكم الصافي من الأكدار، إن شوقي مع قرب الدار:

كشَوْقِ ظامٍ بالحِبْالِ مُوثَقِلماءِ مُزْنٍ باردٍ مُصَفِّقِ

وأقول:

بل هو شَوْقٌ باللِّقاء يَرْتَقِييزْدادُ أن لا نَلْتقِي أو نلْتَقِي

ونسأل الله أن ينيلنا تواتر التردد لديكم، كما أنالنا تظافر التودد إليكم.

وأن يمتع جيد الدهر بعقد مجدكم الثمين، ويحرس حمى وجودكم الذي تهوى إليه الأفئدة كما تهوى إلى الحرم الأمين.

وبعث إلي بالمحاكمة، وهاهي مثبتة منقولة من خطه: الحمد لله الحكيم القادر على الإطلاق، الباسط المقدر للأرزاق.

الذي جعل الفقر والغنى آيتين من أبدع آياته، وغايتين في الحكمة من أبدع غاياته.

يتفكر فيهما ذو الفطنة والاعتبار فيتلو: " ربنا ما خلقت هذا باطلاً "، ويجري إليهما العبد على جياد الأقدار حالياً بزينة العقل أو عاطلاً.

فيسعد من يرشد للتسليم إيماناً وتصديقاً، ويبعد من ينشد وهو المليم:

هذا الذي تركَ الأوْهَام حائرةًوصَيَّر العالِمَ النِّحْريرَ زِنْدِيقَا
للشاعر علي الدرويش، اقرأ القصيدة

والصلاة والسلام على نبيه المبعوث بالإسلام، محمد الهادي للخلائق إلى أقوم الطرائق، وأكرم الخلائق، ﷺ، وعلى آله وصحبه الأغنياء بالله الفقراء إليه.

وبعد: فقد وقفت على مقامة أنشأها بعض المتأخرين الأفاضل الأعاظم، ووشاها بدرر الفوائءءد هديةً لكل ناثرٍ وناظم.

ابتدعها على لسان الفقر والغنى كالمفاخر بينهما والمفاضل، وأودعها من الحجج التي يفلح بمثلها المناظر والمناضل.

فمد بها في العلوم باعه الأطول، وأمد الفهوم بمصداق كم ترك الأول.

قاصداً بذلك رياضة العقول، في رياض المقول.

وتبريض اللسان، بوقائع شآبيب البيان.

وتعريض الإحسان، للقانع بالأثر عن العيان.

فأيد فيها الفقر على الغنى، وشيد له في الفخر على البنا.

وجعله سابق الحلبة مجليا، وأتلاه بالغنى بعد لأيٍ مصليا.

حتى أقر له بالتقدم تسليما، وأخلص لوداده بعد التندم على عناده قلباً سليما.

هذا وإن كان الفقر عند أبناء الدنا، ملياً باكتساب العنا، خلياً عن أسباب الغنى، حفياً في اقتضاب المنى، كفياً في سد أبواب الهنا.

وبينه وبين النفوس، ما بين تغلب وبكرٍ غب غداة البسوس.

وقد أوقع فيها من المكروه والمساءة، ما لم يوقعه قيسٌ بابني بدرٍ يوم الهباءة.

وحطمها ولا تحطيم الإبل المجفلة، جيوش لقيطٍ يوم جبلة.

ووسمها بالعار الباقي على الزمان، كما وسم به لبيدٌ الربيع بن زياد في مجلس النعمان.

ونفورها عنه ولا نفور الغادة الفتية عن مقاربة الشيب، والشنشنة الأخزمية من مقارنة العيب.

وبعدها عنه بعد العزائم اليقينية عن شبهات الريب، والكثائف الجسمانية عن إدراك محجبات الغيب.

هذا وعقال العقول في تقييد صعاب النفوس محلول، وحسام الفكر المصقول عن قطع أعصاب الأهواء مغلول.

والناسُ أكْيَسُ من أن يمدحُوا رجلاًما لم يَرَوْا عنده آثارَ إحْسانِ

فلا جرم كاد ينعقد الإجماع، كما لا يخفى على ذي نظر وسماع، على بغض الفقر وذمه، وقصده بالصد وأمه، وتواتر الدعاء بالهبل والثكل على أمه.

ومَن يجعْلِ المعروفَ من دون عِرْضِهِيَفِرْهُ ومَن لم يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

فكان ما اختاره ﵀ من هذا الصنيع، معدوداً في فن المغايرة من البديع.

وفيه تسلية لنفس البائس الفقير، وتقوية لقلب الآيس الحقي.

وإعانةٌ للمبتلى بهذا الداء العضال، وإبانةٌ للغرض إن نشط للنضال.

لكن حقيقة الحال أن هذا الفاضل لما كان من كبار الأتقياء الزاهدين، وخيار الصلحاء العابدين.

ومعلومٌ أن غالبهم قد اختار التقشف الموصوف، وشيد بناء التزهد المرصوف.

وهجر أنواع زخرف الدنيا وصنوفه، حتى قطع مسافتها وما بل بحرٌ صوفة.

كانوا جمال زمانِهم فتصدَّعُوافكأنما لبس الزمانُ الصُّوفَا

فبنى رحمه الله تعالى على مقتضى طريقتهم، وفضل الفقر إذ كان مرتضى حقيقتهم.

وهو الحق الذي لا ريب فيه، والإنصاف الذي يرتضيه الأريب ويصطفيه.

ولا يعارضه في مراده، مفاد: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ".

فإن من راد نفسه على حلول هذه الساحة، وخشي أن يغرق عند تلاطم الأمواج وإن كان متقناً للسباحة، لا يلزمه أن قال بالتحريم وعدم الإباحة.

وأحْزَمُ الناسِ مَن لو مات من ظَمَأٍلم يقربِ الوِرْدَ حتى يعرِفَ الصَّدرَا
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «لا يمتطي المجد من لم يركب الخطرا»

وأما أرباب العصمة، فهم البريئون من كل وصمة.

فإنهم شاهدوا حظهم الأشرف الأسمى، فلم يثبتوا لما دونه رسماً ولا إسما.

وقصروا نظرهم على الخالد الباقي، وأنفوا أن تطأ أقدامهم الأرض وهم في أعلى المراقي، ومن ورد البحر استقل السواقي.

ولما تأملت تلك المقامة، بوأ الله منشيها دار المقامة.

رأيت مبنى الأفضلية فيها على أن جعل الفقر أمهر في تحصيل العلوم والمعارف، وأكثر مقيلاً في ظلها الوارف.

وأقدر على إبراز الصواب، عند السؤال والجواب.

لا على إقامة الدليل والبرهان بالأفضلية، وجعل السابق في هذا الرهان صاحب الأولية.

على أن هذا الميدان مجرى العوالي ومجرى السوابق، وفيه تزدحم كتائب فرسان الحقائق، وتلتحم مناكب النظارة من الخلائق.

إذ الناس لعدم خلوهم من أحد الوصفين، ينقسمون إلى صنفين، وينتظمون في صفين.

وكلٌ يحتج لصاحبه بالصفات الواقعية المرضية، لا المجازية الفرضية.

فأحببت أن أجول في هذا المجال، ولو بالمحال، وأنسج على هذا المنوال، على وهن القدرة وضعف المجال، وقصور عامل الفضل على التسلط على هذه المحال.

اعترافاً مني بالتقصير، وإسعافاً بطلب المسامحة لباعي القصير.

ومَن يَعْصِ أطْراف الزِّجاج فإنَّهيُطِيع العَوالِي رُكِّبتْ كُلَّ لَهْذَمِ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

فبنيت هذا المقصد على وضعٍ غريب، وترتيب يهش له الأديب والأريب، وأسلوبٍ يأخذه الطبع السليم عن قريب.

وجعلت المفاخرة بينهما على حقائق الأوصاف، وذكرت ما يقال من الطرفين بنهاية الإنصاف.

ثم أنهيت المخاصمة إلى التراضي بالمحاكمة، فحكمت بينهما مناط التكليف، ورباط الفضل الذي اختص به النوع الشريف.

فحكم حكماً يقضي منه الفريقان مآربهم، ويعلم كل الناس مشربهم " كلٌّ في فلكٍ يسبحون "، و " كل حزبٍ بما لديهم فرحون ".

والحق واضح الغرر والأحجال لقومٍ يعرفون، و " ماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ".

حدث الغزل الرقيق، عن المديح الأنيق، عن السؤال الجميل، عن النوال الجزيل، عن الخاطر المطاع، عن كريم الطباع، قال: حضرت مجلساً من المجالس السرية، التي لم تزل تعقد بحضرة النفوس البشرية.

وقد حضر وزيرها العقل، وحاجبها الحلم، وقائدها الفهم، وقاضيها العلم، وخازنها الحفظ، ومنشيها الفكر، وشاعرها الخيال، ونديمها الوهم.

ومثلت للخدمة أعوانها المتظاهرة، وهي المدارك الخمسة الظاهرة.

وانتظمت في مراتبها سائر القوى، وغاب بحمد الله عدوها الهوى.

واتفق أن حضر المجلس الغنى والفقر، وهما الضدان المتناقضان، بل العدوان المتباغضان، والجوادان المتعارضان، بل القرنان المتناهضان.

إلا أن النادي جمع بينهما، وقرب على سبيل الاتفاق بينهما.

وخاض القوم في مجانح الحديث، من سوانح القديم والحديث.

فأراد بعض من حضر، طراد جياد البحث والنظر.

فتلطف بظرفه، ولحظ الغنى بطرف طرفه.

وقال: إني أحفظ بيتين، ورد الأول منهما على روايتين.

يبتني عليهما حكمٌ وأحكام، إذا تقرر مفادهما بإحكام.

وأنشد:

ولو أنِّي وَلِيتُ أميرَ جيشٍلما قاتلتُ إلاَّ بالسؤالِ
لأن الناسَ ينْهزِمون منهوقد ثَبَتُوا لأطْرافِ العَوالِي

ثم قال: والرواية الأخرى، يعرفها من هو بإحراز شرفها أحرى.

قال كريم الطباع، الراوي لهذه الأسجاع: فابتدر الغنى لجوابه، وقد استخرج دقيق التعريض من جرابه، فقال: إن بعض من أسعده الجد بخدمتي، وأيده الجد بعزمتي، وسدده المجد بهمتي.

أنشده هذين البيتين بعض ندمائه، وجلاهما كالنيرين في سمائه.

فتفطن ذلك الرئيس، لمعنىً فيهما نفيس.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.