تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

الباب السابع في غرائب نبهاء مصر (٥)

والثَّغْرُ مُبْتَسِمٌ والكفُّ مُنْسكِبُ

إنْ أزْمةٌ أوْهَنتْ قلبي كذا جسدِيأو كُرْبةٌ فَرَّقتْ جُنْدِي كذا جَلَدِي
فليس لي نَاصِرٌ إلاَّك يا سَنَدِييا سيِّدي يا رسولَ اللهِ خُذْ بيَدِي

فأنتَ حَسْبِي ومنكم يُعْرَفُ الحَسَبُ

سري الدين محمد الدروري المعروف بابن الصائغ ماجدٌ سرى، وفاضلٌ بكل مدحٍ حري.

قد ضربت البراعة رواقها بناديه، ولم يزل داعي البلاغة من كثبٍ يناديه.

مضى حيث يرتد العضب الصقيل وهو كهام، وبلغت هممه حيث تقصر عن مداركها خطا الأوهام.

فقعد حيث كيوان بإزائه، وعقد له الفلك ذوائب جوزائه.

إنَّ السَّرِيَّ إذا سَرَى فبنفسِهوابنُ السَّرِيِّ إذا سَرَى أسْرَاهُمَا

فهو ظرف علم، ووعاء حلم، ومن عرف حاله من الإيثار عرف الحلي كيف يصاغ، والسلاف الرائق في الأفواه كيف يساغ.

هو امْرؤٌ لا يصُوغُ الحَلْيَ تعملُهكَفَّاهُ لكنَّ فَاهُ صائغُ الكَلِمِ

وقد أوتي من حلاوة الأخلاق والبيان، ما يزرع حب الحب في الصميم من الجنان.

فنظمه جارٍ في بداعة الأسلوب على غير مثال، ونثره حقه أن يجعل كل فقرةٍ منه مثلاً من الأمثال.

جميع الأمثال منه تطرب، ولكونها لا تلحقه تضرب.

فمن نظمه قوله من قصيدةٍ، أولها:

رَعَى الله عَهْداً بالغَرامِ تقدَّمَاأراه بثَوْبِ الدهرِ وَشْياً مُنَمْنَمَا
وحَيَّى الْحَيَا منِّي ديارَ أحِبَّتِيوإن كان رَبْعُ الوُدِّ منهم تَهَدَّمَا
وإن كان وُدَّا في الْحَقيقةِ غيرَ أنْعَشِقْتُ وأوْهَمْتُ الحِجَى فتوَهَّمَا
إلى كم أُضِيعُ العمرَ في أيْنَ هم غَدَوْاوحتَّى مَ يُسْليِنِي لعلَّ وأيْنَمَا
أُطالِبُ دهرِي أن يجودَ بقُرْبهمفما زادَ بالبُطْلانِ إلاَّ تَبَرُّمَا
وناشَدْتُه إلاَّ مُقاسمةَ الأذَىوصَفْوَ الليالي فاسْتقالَ وأقْسَمَا
وما ضَرَّهم لو أن بَرْقَ الْتقائِهمْأضاءَ إذا لَيْلُ القَطِيعةِ أظْلَمَا

تبدَّتْ لِيَ الأيَّامُ في زِيِّ بَأْسِهِمْوسَلَّتْ بِكَفِّ الغَدْرِ للقَتْلِ مِخْذَمَا

وضحك مَشِيبي أنَّ عصرَ شَبِيبتِييُودِّع جسماً ما أراه مُسَلِّمَا
هبَطْتُ إلى أرضِ المَذَلَّةِ بالذيتَخِذْتُ لِصَرْحِ العِزِّ مَرْقىً وسُلَّمَا

مما يتناسب معه قول الفاضل:

وقيل اهْبِطُوا مِصْرَ وأيُّ فَضِيلةٍلِمِصْرَ وبَاغِي الرِّزْقِ في مصرَ يَهْبِطُ
وممَّا دَهانِي أنْ بَلِيتُ بأغْيَدٍإذا إسْكارَ العقولِ تَبَسَّمَا
وإمَّا رَنَا واهْتزَّ غُصْنُ قَوَامِهِفوَيْلُ الْمَهَا منه وتَعْساً على الدُّمَى
تَمَايَلَ وَسْنانَ الجُفونِ وما احْتسَىمُداماً وأصْمَانَا وما راشَ أسْهُمَا
ووَلاَّه سُلطانُ الجمالِ نُفوسَناألستَ ترَى دِيباجَ خَدَّيْهِ مُعْلَمَا
وما هو إلاَّ لاَنَ عِطْفَيْه جَانِباًفيَسْمَحُ لي في زَوْرَةٍ ثم يَنْدَمَا
زَرعتُ بلَحْظِي الوردَ في رَوْضِ خَدِّهِأما آنَ أن يُجْنَى بِفِيَّ أمَا أمَا
وهَبْهُ حَمَى وَرْدِيَّهُ بِعذَارِهِفمَنْعُ فَمِ العُشَّاقِ ذاك اللِّمَى لِمَا

اللمى، مثلثة اللام: سمرةٌ في الشفة، لمى، كرضى: اسودت شفته، وهو ألمى، وهي لمياء. هذه عبارة القاموس.

وأكثر ما يستعمله الشعراء، خصوصاً المولدون، في معنى الريق، ومما ينبغي أن ينبه عليه، أنه إذا وقع مع لم يستوجب أن يختار منه المكسور اللام، لقصد الموازنة، كما وقع هنا، وكما وقع في البيت الفارضي:

صَدٌّ حَمَى ظَمَئِي لِمَاكَ لِمَاذَا

فإن الموازنة بين الكلمات أمرٌ مستحسن عند النقاد البصيرين بموارد الكلام، فقد ذكر ابن جنى، عند الكلام على قول المتنبي:

بَلِيتُ بِلَى الأطْلالِ إن لم أقِفْ بهاوُقوفَ شَحِيحٍ ضاع في التُّرْبِ خَاتِمُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

أنه قرأ البيت على المتنبي، ونطق بالتاء مفتوحة، فقال له المتنبي: اكسر التاء.

فقال له أبو الفتح: أليس الفتح أفصح؟ فقال: ألا تنظر إلى حركات ما قبل الميم يعني في القصيدة كيف تجد الجميع مكسوراً.

فعلم مراد المتنبي، وأثنى عليه.

وأدل دليلٍ على التزام الموازنة قضية الازدواج المذكور، مع أن فيه عدولاً عن الأصل لأجل الموازنة، كقول النبي ﷺ للنساء المتبرجات في العيد: " ارجعن مأزوراتٍ غير مأجوراتٍ "، وقوله في عوذته للحسن والحسين: " أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطانٍ وهامةٍ، ومن شر كل عينٍ لامةٍ "، والاصل في مازورات موزورات لا شتقاقه من الوزر كما ان الاصل في لامة ملمة، لأنها فاعل من ألمت.

وقالت العرب: الغدايا والعشايا. والأصل في الغدايا: الغدوات، وقالوا: هناني الشيء ومراني. والأهل في مراني: أمراني. وليس تغيير مبانيها إلا للقصد المذكور، ولهذا إذا استعملت شيئاً من هذه الألفاظ مفردة رددتها إلى أصولها.

ومن منشآته قوله من كتاب: سيدي الذي سكن فؤادي، وسلب رقادي، واستأثر بودادي، وقصر على محبته والنزوع إلى رؤيته سويداي وسوادي.

فيا من ملك زمام العلوم، من كل منطوقٍ ومفهوم، وساعده التوفيق، على أن جمع بين التحقيق والتدقيق.

وإذا هُما اجْتمعَأ لنفسٍ مَرَّةًبلَغتْ مِن العَلْياءِ كلَّ مَكانِ

أعيذ طبعك ذلك الغواص المواج، وصدرك ذلك البحر الثجاج، وفهمك ذلك السراج الوهاج، من أن ترضى بأن أصبر على الظما، وأن أبقى في ظلمة الهجر والنوى.

ولم تغث مسرح بصيرتي بنوء، ومطمح نظري ببعض ضوء.

وهو حفظه الله تعالى يعلم أن من مداده أمدادي، ومن سنا طبعه الوقاد هدايتي ورشادي.

وعلمه محيطٌ بما في احتباس القطر من ضجر النفوس، وبما في خفاء الشمس من الوحشة والعبوس.

وأنا أشكو تعطشي إليه، وأعرض حال وحشتي من بعده عليه.

فهو حفظه الله تعالى إذا شاء أثلج بخطابه الأحشا، وأنا بكتابه ناظرٌ أصبح لغيثه أعشى.

ومما ينسب إليه، في توجيه بيتٍ لأبي تمام، وهو:

زَارَ الْخَيالُ له لا بَلْ أزَارَكَهُفِكْرٌ إذا قامَ فِكْرُ الخَلْقِ لم يَنَمِ

قال: عاب الآمدي هذا، فقال: وإذا زاره بالفكر وقد زار فلا معنى للاستدراك، وحاصل ما اعتذر به أن الاستدراك صحيح؛ لأنه إذا قال: زار الخيال له لا بل أزار، احتمل زيادة الاختيار من غير بعث باعثٍ، واحتمل وقوع الزيارة عن حمل حامل، فأزال هذا الإبهام بقوله: لا بل أزاركه فكر.

وقوله: لم ينم لم يرد حقيقة النوم، بل كما يقال: فلان لم ينم عن هذا الأمر.

وقال: إذا نام فكر الخلق، يعني آخر الليل، ولم يقل: أوله؛ لأنه إنما أنه يسهره، وإنما يقوم في آخره تهويماً بتطرقه.

وقيل: وجه احترازه أن الخيال لا يطرق في العادة إلا مع وجود النوم، وهذا إنما يكون في آخر الليل، مع استمرار النوم وطول زمانه.

وقال أبو الطيب:

لا الحُلْمُ جاد به ولا بمِثالِهلولا ادِّكارُ وَداعِه وزِيالِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا الحلم جاد به ولا بمثاله»
إنَّ المُعِيدَ لنا الْمَنامُ خَيالَهكانتْ إعادتهُ خَيالَ خَيالِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا الحلم جاد به ولا بمثاله»

يقول: المتمثل والمتخيل له في اليقظة إعادة خياله في المنام، كأن الخيال الذي في النوم خيال الخيال الذي تصور في اليقظة.

وأظهر من هذا قول أبي تمام المتقدم، وإنما أخذه من قول جران العود:

حَيَّيْتُ طَيْفَك مِن زَوْرٍ ألَمَّ بِهِحَدِيثُ نَفْسِك عنه وهْو مَشْغُولُ

فقوله: وهو مشغول، أي لم يزرك على الحقيقة، فبنى من قوله: ما زارك طيف الخيال وقوله: حديث نفسك قوله: ولكنك الفكر أزاركه.

وقال الكميت:

ولمَّا انْتهيْتُ وَجَدْتُ الْخَيالَأمَانِيَّ نَفْسي وأفْكارَهَا

عبد البر الفيومي جواب أقاليم، ومبدي صور تعاليم.

زاحم العلماء بالركب، وانتضى إليهم كل مركب.

ينتجع الأفكار، ويعتمد التذكار.

ويباحث ويثابر، ويتأبطه اليراع والمحابر.

ويحتفل بتحصيل الذخائر ويعتني، وسعيه البر لا يفتر عن مطلبٍ ولا يني.

فبذل الطريف والتلاد، وتقلب في أعطاف البلاد.

حتى استقر بالروم فاخضرت أكنافه، وتجملت أنواع بره وأصنافه.

فبللغ من الفضل موارده، وجمع أوابده وشوارده.

والتقط نفائس دره، وارتضع حلائب دره.

وبها كانت رحلته إلى دار البقا، وصحيفة عمره بادية الجلاء والنقا.

وهو روضةٌ بالفضل أنيقة، كتب الدهر له بتمليك الأدب وثيقة.

وله من حسن البداهة والبيان، ما يسحب على سحبان ذيل النسيان.

وقد أوردت من شعره ما تستغني به عن مجاجة الريق، وتستكفي به عن صرف الرحيق، الذي شغل الزجاجة والإبريق.

فمنه قوله:

حبيبٌ له جسمي وقلبيَ رَاغِبٌولي منه هَجْرٌ وهْو للوَصْلِ رَاهِبُ
له مِن غرامي في فؤادِيَ أعْيُنٌولي مِن جَفاه والتَّباعُدِ حاجِبُ
نَزِيلُ الْحَشَا لم يَرْعَ مَثْوىً به نَشَاوكيف انْتِشَا والوَجْدُ للصَّبِّ ناصِبُ
وِلمْ طَبْعُه لم يكسب الْخَفضَ بُرْهَةًمِن الْجَفْنِ والوَلْهانُ للكسرِ كاسِبُ
له في عُيوني مِن رَقيبيَ حارسٌومن خاطِري خِلٌّ وَفِيٌّ وصاحبُ

قوله: له من غرامي أحسن منه قول الخفاجي:

تنازَع فيه الشوقَ قلبي وناظرِيفأثَّر فيه الطَّرْفُ والقلبُ ناصِبُ
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة
وتنْظُره من قلبيَ الصَّبِّ أعْيُنٌعليها لِمَحْنِيِّ الضُّلوعِ حَواجِبُ
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة

ومن تشبيهاته قوله:

رأيتُ يوماً عَجَباًفيا لَهُ مِن عَجَبِ
النُّورَ مُبْيَضّاً علىمُحْمرِّ لَوْنِ القُضُبِ
كخَيْمةٍ مِن فِضَّةٍعلى عَمُودٍ ذَهَبِ

ومنه قوله أيضاً:

انْظُرْ إلى الزَّهرِ النَّضِيرِ العَسْجَدِيدعُو إلى لَهْوٍ كوَجْهِ الأغْيَدِ
فالوردُ في الرَّوضاتِ مُحْمَرٌّ علىأغْصانِه الخُضْرِ الحِسانِ المُيَّدِ
مُلاءَةٌ مِن ذَهَبٍ مَنْشورَةٌمن تحتِها قَوائِمُ الزَّبَرْجَدِ

ومن غزلياته قوله:

قام يَرْنُو بطَرْفِهِ حَوَرُمنه كلُّ الأنامِ قد سُحِرُوا
قام مِن نَوْمِه على كسلٍجَفْنُه بالنُّعاسِ مُنْكَسِرُ
كسَّر الجسمَ والفؤادَ فهللِلْقتيلِ المُهانِ مُنْتصِرُ
أطْلَع مِن جَيْبِه لِعاشقِههَالَة البَدْرِ ثَوْبُه العَطِرُ
سلَب العقْلَ مِن فَتىً دَنِفٍمالَه مُذْ رآهُ مُصْطَبَرُ
حائرٌ مُغرَمٌ به قَلِقٌلم يطِبْ بعدَه له سَمَرُ
خَصْرُه طَبْعُه فإن بَلَى الثَّوْب عليه فضِمْنُه قَمَرُ

أصل هذا قول الأمير أبي المطاع بن ناصر الدولة:

تَرَى الثِّيابَ مِن الْكَتَّانِ يَلْمَحُهانُورٌ من البَدْرِ أحْياناً فيُبْلِيَها
للشاعر وجيه الدولة الحمداني، اقرأ القصيدة
فكيف تُنْكِر أن تَبْلَى مَعاجِرُهُوالبدرُ في كلِّ وقتٍ طالعٌ فيهَا

وقد أخذه من قول ابن طباطبا:

لا تَعْجَبُوا من بِلَى غِلالتِهِقد زَرَّ أزْرَارَه على الْقَمَرِ
للشاعر علي الغراب الصفاقسي، اقرأ القصيدة

وأخذه الرضي الموسوي، فقال من قصيدة:

كيف لا تَبْلَى غِلالَتُهُوهْو بَدْرٌ وهْي كَتَّانُ

وللقمر خاصيةٌ في قرض الكتان؛ ولذلك قال من ذكر عيوب القمر: يهدم العمر، ويحل الدين، ويوجب أجرة المنزل، ويسخن الماء، ويفسد اللحم، ويشجب اللون، ويقرض الكتان، ويضل الساري، لأنه يخفي الكواكب، ويعين السارق، ويفضح العاشق الطارق.

ومما يحسن له قوله:

ألْقَى ذُؤابتَه فكانتْ حَيَّةًتسْعَى إلى إضْعافِ رِدْفٍ خَارِجِي
وحَمَى مِن اللَّثْمَ الخُدَيْدَ بعَقْرَبٍمَلْوِيَّةٍ من فوق جَمْرةِ مَارِجِ

أخذ الأول من قول العسيلي:

دَبَّتْ له ذُؤابةٌكحَيَّةٍ مِن خَلْفِهِ
تَحْمِي ضَعِيفَ خَصْرِهِمِن خَارِجِيّ رِدْفِه

واستعمله الفيومي في أبياتٍ أخر، ومحل الشاهد منها:

ويحْمِي خَارِجِيَّ الرِّدْفِ منهبحَيَّاتٍ له ذاتِ اعْوِجاجِ

قلت: والنسبة في خارجيٍ للمبالغة كدؤادي.

قال ابن جنى، في سر الصناعة: وسموا كل ما فاق حسنه، وفاوق نظائره خارجياً، قال طفيل:

وعارضْتُها رَهْواً على مُتتابِعٍشدِيدِ القُصَيْرَى خَارِجِيٍ مُحَنَّبِ
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «بالعفر دار من جميلة هيجت»

انتهى.

وبهذا يتم حسن قول ابن النبيه:

خُذُوا حِذْرَكم مِن خَارِجيِّ عِذَارِهِفقد جاء زَحْفاً في كثيبته الخَصْرَا
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «أتاني وأصحابي من الفجل وارد»

وله، وفيه التزام لطيف:

مِن عَالَمِ الذَّرِّ لي إلْفٌ ومعرفةبه فهل جائزٌ في الحُبِّ يُنْكِرنِي
أبيتُ أذْكُره جُنْحَ الظَّلام فهلْفي ساعةٍ من لَيالِي الدهر يذْكُرنِي
صَبْراً فأيُّ فَتىً أرْضَى بحُكْم رَشاًيَذُمُّنِي في الهوى يوماً ويشْكرنِي
كما رَضيتُ بوَصْلٍ منه لي وقِلىًوالحُبُّ والوَجْدُُ يُصْحِينِي ويُسْكِرنِي

وله:

تَبَدَّى مَلِيكُ الْحُسْنِ في مَجْلِس البَسْطِبِقَدٍ كغُصْنِ الْبانِ أو ألِفِ الْخَطِّ

وأبْدَى على شَرْطِ المَحبَّةِ حُجَّةًمُسلَّمةً أحكامُها قَطُّ ما تُخْطِي
ومِن شَرْطِه في الخَدِّ قُبْلةُ عاشقٍفكان مِدادُ الْحُسنِ في ذلك الشَّرْطِ

اختلسه من قول ابن حجة، في قصيدة قالها في مدح حماة:

وقد جاء شَرْطُ الْبَيْنِ أنِّي أَغِيبُ عنحِمَاهَأ فقد أدْمَى فُؤادِيَ بالشَّرْطِ

وله:

بدرٌ من التُّرْكِ في ثوبٍ من الشَّفَقِقد حَلَّ من رَوضةِ الأزْهارِ في أُفقِ
عجِبتُ من أبيضٍ في أسودٍ حَلكٍولا عجيبَ فحُسْنُ البدرِ في الغَسَقِ
يدُورُ بالرَّاح كالتِّبْرِ المُذابةِ فيكأسٍ كدُرٍ نَضِيرٍ أبيضٍ يَقَقِ
فبات يشْفِي ويسْقِي من مُدامتِهإلى الصباحِ فأحْيَتْ مَيِّتَ الرَّمَقِ
وقد بَدَا سيفُ فَجْرِ الصبحِ مُرْتقياًأفْعَى الدَّياجِي ففَرَّتْ عنه من فَرَقِ

وله:

نَكْهَةٌ قد شَمَمْت من ذاتِ حُسْنٍتلك مَكِّيَّةٌ وذِي تُرْكيَّهْ
وَجْنةٌ عُطِّرتْ بنُقْطةِ خَالٍتلك وَرْدِيَّةٌ وذي مِسْكيَّهْ
شاكَلتْ مُقْلتاهُ قَامةَ خَدٍتلك قَتَّالَةٌ وذِي فَتْكِيَّهْ

مثل قول ابن شمس الدين البصير، نزيل الخانقاه السرياقوسية:

قلتُ لمَّا أدارَ مِسْكاً وخَمْراًذُو دَلالٍ وأعْيُنٍ سَحَّارَهْ
لكَ واللهِ نَكْهَةٌ ورُضابٌتلك عَطَّارَةٌ وذِي خَمَّارَهْ

ورأى في بروسة الحمام الخلقي، الذي يقال له: قبلجه، وهو ماء حارٌ يخرج من تحت جبلٍ عالٍ، فقال:

وماءٍ له طَبْعُ الحرارةِ خِلْقَةًمِن الجبلِ الصَّلْدِ العظيمِ لقد سَلَكْ
إلى كلِّ حَوضٍ مُسْتديرٍ مُوَسَّعٍتراه مَدارَ الماءِ مَلْعبةَ السَّمَكْ
تدُور به الوِلْدانُ طالعةً وقدتغِيبُ كشأنِ النَّيِّراتِ من الفَلَكْ

وقال، وهو معنىً حسن:

وحَوْضٍ كبير مستديرٍ وماءُهحَرارتُه بالطَّبْعِ للبردِ دافِعَهْ
أحاطتْ به الأقمارُ مِن كلِّ جانبٍومِن أُفْقِه شمسُ المَحَاسنِ طالِعَهْ

ومن لطائفه قوله:

ولي حبيبٌ قد سالَماهُعذبا وطَرْفَاهُ سَالماهُ
فيا خليلي عُذْراً لصَبٍجُوداً وإلاَّ فَسالِماهُ
فالطَّرْفُ هَامٍ من التَّجافِيطُولَ الليالي قد سالَ مَاهُ
وسَاكِنُ القلبِ مُذْ رَآهُيَهِيمُ بالوَجْدِ سالَ مَا هُو

الأول: ساء، بالهمزة مقصورٌ للشعر، ولماه: ريقه، فاعله، وإساءته: منعه لوارده.

والثاني: ماضٍ، والألف للتثنية.

والثالث: أمرٌ لاثنين.

والرابع: من الإسالة، والماء قصر للضرورة.

والخامس: من السؤال، سهلت الهمزة ضرورةً وما سؤالٌ على سبيل تجاهل العارف.

وقد عارض بهذه الأبيات أبيات أحمد السنفي، المعروف بقعود وزاد عليه التصريع.

وأبيات السنفي:

يا صاحِبَيَّ اتْرُكَا مُعَنىًأو فاعْذُلاهُ وعارِضَاهُ
فما تُطِيقانِ رُشْدَ غَاوٍبما يُلاقِي وَعَى رِضَاهُ
سَبَى حشَاهُ والعقلَ منهعَيْنَا غَزالٍ وعَارِضَاهُ
يا جَمْعَ مَن صَيَّرَ التَّصابِيفي الحُسْنِ عَاراً بالعارِ ضَاهُوا

ومن مقاطيعه قوله:

لقد كرَّم الرحمن وَجْهَ مُعَذِّبيبِعَشَّاقةِ حُسْنٍ وهْي زِينَةُ خَدِّهِ
فتجْذِبُ حَبَّات القلوبِ لِحُبِّهبحَبَّةِ مِسْكٍ أذْفَرٍ عند صَدِّهِ

وله:

لمَّا بَدَا حولَ وَرْدِ الخَدِّ آسُ رُباًنَبَاتُه في رياضِ الحُسْنِ قد طَلَعَا
لم يَرْضَ تَقْبِيلَه يوماً ولا عَجَبٌفما خَراجٌ على غيرِ الذي زَرَعَا

وقوله:

فِكْرِي وعقلي عندكم وبكُمْقد صِرْتُ في شُغْلٍ وفي سُكْرِ
فاعْجَبْ لمَن كتبتْ أنَامِلُهخَطّاً بلا عَقْلٍ ولا فِكْرِ

وقوله في معناه:

قد قِيلَ إنَّ المالَ عقلُ الفتىبه له التَّصْرِيفُ في النَّقْلِ
فقلتُ لا تعجَبْ فكم في الورَىمِن عاقلٍ أضْحَى بلا عَقْلِ

وقوله:

ومُذْ رامَ الهلالُ وقد تَعَدَّىمُشابَهةً له من غيرِ قَابِلْ
أجابَ قَلَمْتُ مِن ظُفْرِي شَبِيهاًله وطَرَحْتُه فوقَ الْمَزابِلْ

تناوله من قول التقي الفارسكوري:

وما في البدرِ مَعْنىً منه إلاَّقُلامة ظُفْرِه مِثْل الْهِلالِ

والتقي أخذه من قول ابن المعتز:

ولاح ضَوْءُ هِلالٍ كاد يفضحُنامثل القُلاَمةِ قد قُدَّتْ من الظُّفُرِ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «سقى المطيرة ذات الظل والشجر»

وابن المعتز أخذه من قول بعض العرب:

كأنَّ ابنَ لَيْلتِها جانحاًفَسِيطٌ لَدَى الأُفْقِ مِن خِنْصَرِ

وابن الليلة الهلال، والفسيط، بفتح الفاء وكسر السين المهملة: قلامة الظفر.

ويروى: كأن ابن مزنتها، ومعناه حين انقشعت عنه السحابة بدا كقلامة الظفر.

وهنا فائدة، ذكرها ابن الأثير، في المثل السائر، قال: واعلم أن من التشبيه ضرباً يسمى الطرد والعكس، وهو: أن يجعل المشبه به مشبها، والمشبه مشبهاً به، وبعضهم يسميه غلبة الفروع على الأصول، ولا تجد شيئاً من ذلك إلا والغرض به المبالغة، فمما جاء من ذلك قول عبد الله بن المعتز وأنشد البيت ألا ترى إليه كيف جعل الأصل فرعاً، والفرع أصلاً، وذلك أن العادة أن تشبه القلامة بالهلال، وإنما فعل ذلك مبالغة وإيذاناً بأنه لما صار ذلك مشهوراً متعارفاً حسن عكس القضية فيه.

قلت: فبيت التقي والفيومي جاريان على الأصل، والثانيان على العكس.

وله:

جاء المَليحُ بأسودٍ في أبيضٍمِن قَهْوةٍ تَرْوِي عن المِسْكِ الذَّكِي
فنظَرْتُها ونظرتُ حُسْنَ عُيونِهِوالفَرْقُ فيه احْتار ذو عقل ذَكِي

كأنه نظر إلى قول الجمال العصامي:

فِنْجانُ قَهْوةِ ذا المَلِيحِ وعَيْنُه الْكَحْلاءُ حَارَتْ فيهما الألْبَابُ
فسَوادُها كسوَادِها وبيَاضُهاكبَياضِها ودُخانُها الأهْدابُ

وله في الدولاب:

إنما الدُّولابُ في دَوْرِهِيَهُمُّ من شَوْقٍ وأشْجَانِ
ينُوحُ حُزْناً ويُرَى باكِياًبأعْيُنٍ تَهْمِي على الْبَانِ

قريبٌ من قول ابن عبد السلام المصري:

ورَوْضة دُولابُها دائرٌمُوَلَّهٌ مِن فَرْطِ أشْجانِهْ
فكلُّه مِن وَجْدِه أعْيُنٌتبْكِي على فُرْقةِ أغْصانِهْ

وهذا المعنى كثير، وقد تقدم ما يغني عن ذكره.

وله في دولاب العيد:

دولابُ عِيدٍ دار بالمُنْحنَىلِطَلْعةٍ قامتُها ناضِرَهْ
يَرْوِي لنا عن فَلَك نَاضِرٍوالشمسُ ما زالتْ به دَائِرهْ

وله:

شَبَّابَةٌ قامتْ بمَوْصُولِهاوعَيْنُها جَارِيةٌ بَاكِيَهْ
تُشِيرُ بالعَيْنِ إلى ذِي جَوىًبأنَّها مِن وَجْدِها شَاكِيَهْ

مثله لابن الأزهري:

يا حُسْنَها شَبَّابة لم ينْقطِعْمَوْصولُها عِندي وذاك تَرَنمُ
بالرَّمْزِ تُفْهِمني إشاراتِ الورَىأوَمَا تَرَاهَأ بالعُيونِ تَكلَّمُ

شبابة، بالتشديد: قصبة الزمر المعروفة، مولدة.

قال المشد:

ومُطْرِبٍ قد رأيْنا في أَنامِلِهِشَبَّابةً لِسُرورِ النفسِ أهَّلَهَا
كأنه عاشقٌ وَافَتْ حبيبتُهفضَمَّها بيَدَيْه ثم قَبَّلَهَا

ولشافع:

شَغَفَتْنَا شَبَّابةٌ بِهَواهَاكلّ ما يُنْسَبُ الكئيبُ إلَيْهَا
كيف والمُحْسِنُ المُقوِّلُ فيهاآخِذٌ أمْرَها بكِلْتا يَدَيْهَا

والمقول: الزامر، والعجم تقول له: قوال.

وهل:

ليلُ هَجْرٍ مَكانه سَنَةٌأو مَسِيرٌ ناءَتْ مَراحِلُهُ
صُبْحُه كالمَدِينِ مَاطَلَهُرَبُّ دَيْنٍ غَدَا يُماطِلُهُ

أحسن منه قول ابن الجزري:

وليلٍ كأنَّ الصُّبْح فيه مَآرِبٌنُؤَمِّلُ أن تُقْضَى وخِلٌّ نُصادِقُهْ

وله في بعض المحتجبين:

أتَيْتُ بابَ كبيرٍ عند نَائِبةٍوجَدْتُه مُغْلَقاً قلتُ الفَتَى فَطِنُ
فقال لي صاحبي ما الرَّأْيُ قلتُ لهرَأْيُ ابنِ عُبْدُوسَ رَأْيٌ كامِلٌ حَسَنُ

رأي ابن عبدوس قوله

لنا قاضٍ له خُلُقُأقَلُّ صِفاتِه الْفَرَقُ
إذا جِئْناه يحْجُبنافنَلْعنُه ونفْتَرِقُ

وقد اقتدت الأدباء بهذا الرأي كثيراً، فمنهم ابن الخصال في قوله:

جئْناك للْحاجةِ المَمْطولِ صاحبُهاوأنت تَنْعَمُ والإخوانُ في بُوسِ
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وقد وقفْنا طَوِيلاً عند بَابِكُمُثم انْصَرَفْنا على رَأْيِ ابنِ عُبْدُوسِ
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة

ولمحمد بن بدر الدين القوصوني مثله من فصل: الرأي الصواب، في المتواري بالحجاب، رأي ابن عبدوس، وما سواه رأيٌ منحوس، بل عذابٌ وبوس.

وله في الخضوع:

يا مَن له مُهْجتِي رِقٌّ ولِي شَرَفٌبأنَّنِي عبدُه جَهْرِي وإسْرَارِي
عَتَقْت قلبيَ من زَيْغٍ ومن زَلَلٍوعِتْقُ ذِي سَفَهٍ فيما بَقِي سَارِي
مَنَنْتَ باللُّطْفِ في الأُولى ولا عَجَبٌأن تعْتِقَ الجسمَ في الأُخرى من النارِ

منه قول البدر القرافي:

منك البَداءةُ بالإحْسانِ حَاصِلَةٌمَلَّكْتنِي الرِّقَّ فضلاً منك لي سارِي
ألْهَمْتنِي بعدَه عِتْقاً لتُكْرِمَنِيفاخْتِمْ بخيرٍ به عِتْقِي من النارِ

وللحافظ ابن حجر:

يا رَبِّ أعْضَاء السُّجُّودِ عَتَقْتَهامن فضلِك الوافِي وأنتَ الْوَاقِي
والعِتْقُ يَسْرِي في الغِنَى يا ذا الْغِنَىفامْنُنْ علَى الْفانِي بعِتْقِ الْباقِي

والأصل فيه قول ذي الرمة، قال الشريشي: وهو آخر شعرٍ قاله:

يا رَبِّ قد أسْرَفتْ نَفْسِي وقد عَلِمَتْعِلْماً يَقيناً لقد أحْصَيْتَ آثارِي
يا مُخْرِجَ الرُّوحِ من نفسِي إذا احْتُضِرتْوفارِجَ الكَرْبِ زَحْزِحْنِي عن النارِ

وله من فصل في معرض شكاية من الزمن: قد كان الفضل في المراقي، من نصل عيون الدهر هو الراقي، والترقي في الأدب به التوقي من النصب والوصب، وكل هذا ذهب، وانحصر الدواء في الفضة والذهب.

فالمفلحون بخبايا النقود قعود، والمفلسون في زوايا الخمول رقود.

فدع فضل العلم والنسب، واسع أن يكون لك من المال خير نشب.

فقد كان الأدب وديعةً واسترد، وصار الدرهم مرهماً ولبرء ساعةٍ استعد.

ومن هذا القبيل قول زين الدين الجزري من مقامةٍ له: قد كان شراب الأصول يداوي العليل، والآن ليس في غير الدينار شفاءٌ للغليل.

ألم تسمع أن الدراهم، لجروح العدم مراهم! وقد استردت الأيام، ودائع المكارم والكرام! يس الحمصي العليمي نزيل القاهرة منتمى بدع الفنون، ومنتدى نزه العيون.

الذي بعث نفساً عاطراً إلى الإحسان، وأثبته عقداً نفيساً في جيد الكواعب الحسان.

يتناول المعاني والألفاظ من مدىً قريب، وإن مد باعه فمن سحابٍ وإن اغترف فمن قليب.

وحواشيه حواشي خدود، لا حواشي برود، وتخريجات أصداغٍ على وجنات، أو سوالف على خدود غانيات.

وله أشعار تحل لها عقد الحبى، وتهتز لها النفوس كما يهتز تحت القطر الربى.

وكان عهده قد جمع نضارة الورد إلى بقاء الآس، وافتر عن رقة المدامة في نقاء الكاس.

وهو يرجع إلى شيمٍ دمثة، وهممٍ على الخير منبعثة.

طالما هبت منه على طلبته نسمة المنى، فنبهت من أفواههم زهرة الثنا.

وقد أثبت له ما إذا تلي وصف نفسه، وأطلع نهار طرسه شمسه.

فمنه قوله:

في لَحْظِه سِحْرٌ فلم أرَ صَارِماًفي غِمْدِه يَفْرِي سِواهُ فمن يَرَى
عَجَباً لغُصْنِ الْبانِ مَن أعْطافُهفوقَ الكثيب لبَدْرِ تِمٍ أثْمَرَا
صَبَّرتُ عنه القلبَ فهو بصَبْرِهِمَيْتٌ عسَى يَرْثِي لِمَيْتٍ صُبِّرَا
وحدِيثُ دمعِي مُرسَلٌ لمَّا غَدَامنه الصُّدودُ مُسَلْسَلاً يا ما جَرَى
فالرأسُ مُشْتعِلٌ بشَيْبِ صُدودِهِوالعَظْمُ أضْحَى وَاهِياً وقد انْبرَى
والقَلبُ من مُوسَى لِحاظٍ قد غدَتْمَرْضى كَلِيمٍ وهْو لن يتغيَّرَا
إن رَامَ مَرْأىً مِن بَدِيع جمالِهِجعَل الجوابَ له وحَقِّي لن تَرَى
واللَّحْظُ مِنّي حين أبْصر خَدَّهُفيه الربيعُ جَرَى عليه جَعْفَرَا
يا ذا الذي قد زَارَ طيف خَيالهِوأتى بَخِيلاً ما تأهَّل لِلْقِرَى
بالطَّيْفِ قد مَنَّيْت لكنْ بالأذىأتْبَعْتَه فسلَلْتَ من عينِي الْكَرَى
ما زار إلاَّكي يُعاتبَني علىنَوْمِي فيُفْنِيهِ ويجْنَحُ للسُّرَى
ولَرُبَّ ليلٍ طال حتى إنَّنيقد قلتُ لو كان الصباحُ لأسْفَرَا
لكنْ ذكرتُ بطُولِه وسَوادِهِشَعْرَ الحِسانِ فطاب لي أن أسْهَرَا

قوله: في لحظة صدر الأبيات من قول بعضهم:

كلُّ السيوفِ قَوَاطعٌ إن جُرِّدتْوحُسامُ لَحْظِك قاطعٌ في غِمْدِهِ

وقوله: يا ذا الذي إلى آخر الأبيات الثلاثة، هو معنى بيتي صردر:

زار الخَيالُ بَخيلاً مثل مُرْسِلِهِفما شَفانِيَ منه الضَّمُّ والْقُبَلُ
للشاعر الحيص بيص، من قصيدة «زار الخيال بخيلا مثل مرسله»
ما زارنِي قطُّ إلاَّ كيْ يُعاتِبنيعَلَى الرُّقادِ فيُفْنِيه ويَرْتحِلُ

وهو مسبوقٌ إليه أيضاً، في قول بعضهم:

طيفُ خَيالِ هَاجِرِيألَمَّ بي فما وَقَفْ
عاتَبَنِي على الْكَرَىثُمَّ نَفَاهُ وانْصَرَفْ

قلت: وهو إن تجارى مع غيره في ميدان تلك التحاسين، ف " قل هو الله أحدٌ " شريفة وليست من رجال " يس ".

محمد الحموي نزيل القاهرة هو بين العلماء صاحب وجاهة، تستعير أولو الأخطار لدى الأزمة همته وجاهه.

لين المهتصر والعود، أملس العرض مصقول شبا الوعود.

تصدر تصدر الجهبذ النحرير، وأغنى الطلاب بما أبداه على المغنى من التقرير والتحرير، فأصبح الكل من أهل الإفادة، يتقربون إليه بالتلمذ والاستفادة.

وكان فرد العلم في عصره، لا بل العلم الفرد بين مشايخ مصره.

مع ذاتٍ بهية مطبوعة، وأداة فواكهها الحموية غير مقطوعة ولا ممنوعة.

وقد أوردت له ما يبتهج ابتهاج الربيع ببرده، ويروق روق الريق في حلاوته وبرده.

فمنه قوله، من قصيدة أولها:

أوُجُوهُ غِيدٍ أم حِسانُ رُبوعِوعيونُ آرامٍ تَزِيدُ وُلوعِي
أم نَشْرُ زَهْرٍ ضاعَ فامْتلأَ الرُّبَىعِطْراً عَبِيراً أم رياضُ ربيعِ
والماءُ قد صَقَل النَّسِيمُ مُتُونَهُأم في جَداوِلِه مُتونُ دُروعِ
للشاعر الأبله البغدادي، اقرأ القصيدة
والطَّلُّ قد زانَ الشَّقِيقَ بلُؤْلُؤٍأم وَجْنةٌ مَطْلولةٌ بدُموعِ
والقُضْبُ مِن لُطْفِ النسيمِ تَمايَلَتْخَجَلاً فأبْدَتْ ذِلَّتِي وخُضوعِي
والبدرُ أشرقَ في ثَنِيَّاتِ الدُّجَىسَهَراً وبُرْدُ الليلِ في تَوْشِيعِ
سَفَرَ اللِّثَامَ فَلاح في وَجنَاتِهوَرْدُ الخدودِ فحارَ فيه بَدِيعِي
سَاجِي اللَّواحِظِ فاتِكٌ بجُفونِهذو خِبْرةٍ في صَنْعةِ التَّقْطيعِ
ما نَمَّ مِسْكُ عِذارِه في خَدِّهإلاَّ لِيُظْهِر عُذْرَ كلِّ خَلِيعِ
والثَّغْرُ قد حازَ العُذَيْبَ وبَارِقاًوجَوَاهِراً للدُّرِّ غيرَ مُضِيعِ
يا قلبُ خَلِّ هَوى الحسانِ وخَلِّنِيمِن ذِكْرِ أحْبابٍ وذكرِ رُبوعِ
واقْطَعْ أقاويلَ الْوُشاةِ فقَطْعُهاسَبَبٌ لِوُصْلةِ حَبْلِنا المقْطوعِ

ومن دره المكنون، بديعيةٌ على قافية النون، مستهلها:

هَجْرِي عليَّ ولِي وَصْلٌ بأحْيَانِيأمَاتنِي الهَجْرُ جاءَ الوَصْلُ أحْيانِي

قوله: أماتني من قول ابن الفصيح، صاحب السراجية في الفرائض:

زارَ الحبيبُ فَحَيَّىبِحُسْنِ ذاك الْمُحَيَّا
مِن صَدِّه كنتُ مَيْتاًمِن وَصْلِه عُدْتُ حَيَّا

السيد أحمد الحموي جميع السادة منه في المنزلة، منزلة الكتاب من البسملة.

وهو في المجد متعادل الوصفين، وفي السؤدد متكافىء الطرفين.

صحيح المنتسب من القدم، فضلٌ كله من الفرق إلى القدم.

فأصله عريقٌ وطبعه شريف، وروضه وريقٌ وظله وريف.

تملا من لطفه، وسال الوقار على عطفه.

فكأنما أخلاقه رضعت در النعيم، فجاءت والحمد لله كالصحة في جسم السقيم.

فتدرج على درج النجح بأرجاء الرجا، وابتهج بمطلعه السعد المتألق بلألاء اللألا.

مطوياً على نشر الكرم الفائق المستفيض، متبلجاً بأضواء المكارم الغر وأنوار الأيادي البيض.

فألسنة الثناء بفضله منطلقة، وأيدي الرجاء بحبله معتلقة.

وهو في ظلٍ من الأمن مديد، ورأيٍ بحل المشكلات سديد.

فكم من فضلٍ افاد، وأدبٍ أحياه وقد باد.

وله في الأدب ومضافاته، رتبةٌ يعرف مقدارها من مؤلفاته فيه ومصنفاته.

وشعره كمسعول الأماني في شباب الزمان، ومعتنق قدود الغواني في ظل الأمن والأمان.

أوردت منه ما يعطر أنفاس النسائم في الهبوب، فهو إن لم يكن كثنائه العطر فكنفس المحبوب.

فمنه قوله من قصيدة:

ورَقِيقِ خَصْرٍ بالنُّحولِ مُمَنْطَقٍقد رُيِّشَتْ بالهُدْبِ لي أجفْانُهُ
غُصْنٌ على دِعْصٍ يميلُ مع الصَّبَاسَكْرانُ من خَمْرِ الصِّبا نَشْوانُهُ
مَكْحُولُ أطْرافِ الجفونِ غَضِيضُهاقد خُضِّبتْ بدمِ القلوبِ بَنانُهُ
ما السِّحْرُ إلاَّ ما حَوَتْهُ جُفونُهُوالطِّيبُ إلاَّ ما حَوَتْ أرْدانُهُ
ما الوردُ إلاَّ مَا حَوَتْه خُدُودُهوعِذارُه رَيْحانُه سُوسَانُهُ
ما الصَّعْدةُ السَّمْراءُ تُشْبِهُ قَدَّهُكلاَّ ولا غُصن النَّقَا فَيْنَانُهُ
سلطانُ حُسْنٍ بالجمالِ مُتَوَّجٌشَاكِي السِّلاحِ سِهامُه أجْفانُهُ
قد حجَّبُوه بالأسِنَّةِ والظُّبَاكالبدرِ حُجِّب بالغَمامِ عيِانُهُ
فهو العزيزُ ومِصْرُه قلبُ الشَّجِيوسَوادُ ناظِره به إيوانُهُ
مَبْذولُ ما فوقَ اللِّثامِ لِنَاظرٍمَمْنوعُ ما تحت الإزارِ مُصانُهُ
قد زَارَنِي والليل قُلِّص ذَيْلُهوالصبحُ قد طعَن الظلامَ سِنانُهُ
والوُرْقُ تبْكِيه وتنْدُب فَقْدَهُوالدِّيكُ صاح وقد علَتْ أحْزَانُهُ
في منزلٍ عَمَّ السرورُ رِحابَهُوالعُودُ يُفْصِح بالسرورِ لِسانُهُ
والوَرْدُ والمَنْثورُ يَعْبَقُ نَشْرُهوالنَّدُّ يسْطَع إذْ عَلاهُ دُخانُهُ
وحَديثُنا قِطَعُ الرِّياض لِظِلِّهاأنْدَا الرَّبيع وما أطَلَّ زَمانُهُ
جاذَبْتُه هُدْبَ الحديثِ مُوَرِّياًعن فَرْطِ شَوقٍ قد زكَتْ نِيرانُهُ
فأتاحَ ما تحتَ اللِّثامِ لناظرِيوأباحَنِي الثَّغْرَ النَّضِيدَ جُمانُهُ
فلَثَمْتُه ورشَفتُ رِيقَةَ ثَغْرِهِوسَقيْتُ قلباً شَفَّنِي خَفَقانُهُ
وضَممْتُه وهَصَرْتُ بَانَةَ قَدِّهِوعَفَفْتُ عَمَّا ضَمَّهُ هِمْيانُهُ
وغَفَرْتُ ذَنْبَ الدهرِ ممَّا قد جَنَىوشكَرْتُ قَوْلاً عَمَّنِي إحْسَانُهُ

ومن بدائعه قوله في معذر:

لاح العِذارُ بِخَدِّ نَحْوِيٍ لناكالَّلامِ أكَّدتِ الغرامَ وَفاءَا
فسألتُ ما هذا السَّوادُ أجابَنِيحَرْفٌ لمعنىً بالمحَاسِنِ جاءَا

وأحسن منه قول الشهاب:

بلاَمِ عِذارِه قد زادَهُ رَبُّ الورَى حُسْنَا
وعادتُهم إذا ما زِيدَ حَرْفٌ زادَ في المعنَى

ولام التأكيد وقعت في قول ابن نباتة:

لامُ العِذَارِ أطالتْ فيك تَسْهيدِيكأنَّها لِغَرامِي لامُ تَوْكِيدِ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «لام العذار أطالت فيك تسهيدي»

ومثلها لام التعليل، كما في قول ابن الحنائي الرومي:

ولائمٍ لامَ في حُبِّي لِذِي غَنَجٍلمَّا رأَى في حَواشِي خَدِّه لاَمَا
فقلتُ ذِي لامُ تعْليلٍ بوَجْنتهِتُبِين عِلَّةَ مَن في حُبِّه هَامَا

ولام الاستغاثة، كما في قول ابن رشيق:

خَطَّ العِذَارُ له لاَماً بِعَارِضِهِمِن أجْلِها تسْتغيثُ الناسُ بالَّلامِ

واللام الموطئة للقسم كما في قول الخفاجي:

غَزالٌ نَقَدْتُ له طاعتِيوعَجَّلْتُ للوَصْلِ ذاك السَّلَمْ
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة
وأقْسمتُ لا بُدَّ مِن وَصْلِهِوبالهَجْرِ والوَصْلِ يأْتِي القَسَمْ
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة
ولامُ العِذَارِ على خَدِّهِلَعَمْرِي مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمْ
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة

واللام الجارة كما في قول ابن الجابي وقد تقدم:

في خَدِّه لامٌ تَجُرُّ إلى الهوَىفالقلبُ مَجْرورٌ بتلك الَّلامِ

ولام الابتداء، كما في قول أبي الحسن علي بن الحسن الأندلسي:

قال العَذُولُ الْتَحَى فقلتُ لهحُسْنٌ جَدِيدٌ قَضى بتجْدِيدِ
أما تَرَى عَارِضَيْه فوقَهمالاَمُ ابْتداءٍ ولامُ تَوْكِيدِ

ولام كي، في قول ابن نباتة:

ومُسْتَتِرٍ من سَنَا وَجْهِهِبشَمْسٍ لها ذلك الصُّدْغُ فَيّ
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «ومستتر من سنا وجهه»
كَوَى الْقَلْبَ مِنِّي بلاَمِ العِذَارِفعرَّفني أنَّها لامُ كَيْ

والبيت الأول كثيراً ما يشكل فهمه، وتبينه أنه أراد بسناء الوجه البياض، وبالشمس الحمرة.

وعكس ابن غالبٍ وأبعد وأبدع في ذم العذار، فقال:

سأصْنَعُ في ذَمِّ العِذارِ بَدائِعاًفمن شاء يقْضِي بالدَّليلِ كما أقْضِي
ألا إنَّه كالَّلامِ واللامُ شَأْنُهاإذا الْتصَقتْ بالإسمِ آلَ إلى الخَفْضِ

فاجعله محتملاً لما شئت من الذم إن وجهت الخفض بانخفاضه للعمل المطلوب منه، وإن شئت انخفاضه انخفاض حاله.

وقد رد عليه شرف الدين المناوي، بقوله:

بَلَى إنها لامُ ابْتداءِ مَحبَّةٍأو اللامُ للتأكيدِ ليستْ بذِي الخَفْضِ
فلو أبْصَرَتْ عيْناك ذاك الذي بَدَاعلى خَدِّه الوَرْدِيِّ كنتَ إذاً تَقْضِي

وللسيد المترجم:

تبَدَّى ذا العِذارُ شَبِيهَ لاَمٍعلى وَرْدٍ بهِ زهَتِ الخدودُ
غَدَتْ كلُّ البَرَايَا فيه سَكْرَىلَدَى لامِيَّةِ الْوَرْدِي شُهودُ

مثله لبعضهم:

هوَيْتُه عَجَمِيّاً فوق وَجْنَتِهِلاميَّةٌ عَوَّذْتها أحْرُفُ القَسَمِ
في وَصْفِه ألْسُنُ الأقْلام قد نَطقتْوطال شَرْحِي في لاميَّةِ العَجَمِ

وله:

بأبِي وغيرِ أبِي عِذارٌ سائلٌكالمِسْكِ سالَ على بَياضِ الْعَاجِ
أبداً أدِينُ بحُبِّه وبمدْحِهفلْيَلْحَنِي اللاَّحي ويهْجُو الْهَاجِي

وله في غلام يشرب الدخان:

وبديع حُسْنٍ بالدُّخانِ مُولَّعٍومِن الغَداةِ إلى العَشِيَّةِ يَشْرَبُهْ
يُبْدِي الدُّخانُ بوجْهه سِتْراً لنافتخالُ بَدْراً والغَمامُ يُحجِّبُهْ

مثله لابن الجزري:

كأنما دُخانُ غلْيُونِهِلمَّا بَدَا من ثَغْرِه الدُّرِّي
للشاعر ابن الجزري، من قصيدة «كأنما دخان غليونه»
غَيْمٌ نَشَا من شَفِقٍ أحْمَرٍمُحْتَجبٍ غَطَّى سَنَا الْبَدْرِ

وكتب لشخصٍ من أهالي مكة، في صدر كتاب:

سلامٌ كنَشْرِ الرَّوْضِ أو نَفْحةِ المِسْكِتَسِيرُ به أيْدِي الصَّبَا في دُجَى الحُلْكِ

بَلِيلة أذْيالٍ بدَمْعِ تَشَوُّقٍإلى خِيرَةِ البيتِ المُعظَّمِ بالنُّسْكِ
يخُصُّ حبيباً أبْعَدَتْهُ يدُ النَّوَىوكان قريباً قُربَ جِيدٍ إلى السِّلْكِ

وكتب إلى الأستاذ زين العابدين البكري وقد انقطع عن مجلسه أياماً بسبب كثرة الأوحال من المطر:

لقد مَنع المَسِيرَ إلى حِماكُمْتَوَالِي الغَيْثِ من ثَدْيِ السَّحابِ
وأوْحالٌ بها الطُّرقاتُ سُدَّتْفما أسْطِيعُ مَشْياً لِلذَّهابِ
وقالوا رحمةٌ للناسِ عَمَّتْولكنْ لي بها فَرْطُ العذابِ
فيا رَبَّاهُ حتى الغَيْثُ خَصْمِييُمانِعُنِي دُنُوِّي واقْترابِي
فعَجِّلْ بانْحِباسِ الغَيْثِ كَيْماأرَى ذاك الجمالَ بِلاَ حِجَابِ

من الأمثال مطر مصر يضرب للشيء النافع، يتضرر به؛ لأن من عيوب مصر أنها لا تمطر، فإذا أمطرت كرهت أهلها ذلك أشد كراهةٍ؛ لما يقع فيها من الأوحال، قال الله تعالى: " وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته " يعني المطر، فهذه رحمةٌ مجللة لهذا الخلق، وهم لها كارهون، وهي لهم غير موافقة، ولا تزكو عليها ثمارهم.

قال بعض الشعراء:

وما خيرُ قومٍ تُجْدِبُ الأرضُ عندهمبما فِيهِ خِصْبُ العالَمين من الْقَطْرِ

إذا بُشِّرُوا بالغَيْثِ رِيعَتْ قلوبُهمكما رِيعَ في الظَّلْماءِ سِرْبُ الْقَطَا الكُدْرِ

ومما يحسن موقعه في منع المطر عن الزيارة قول الشهاب مضمناً:

أقولُ لِوَابلٍ عن دارِ حِبِّيأعَاقَ وقد بَدَا منه انْسِجامُ
سلامُ اللهِ يا مَطَرٌ عليهاوليس عليك يا مَطَرُ السَّلامُ
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أإن نادى هديلا ذات فلج»

وكتب جحظة إلى ابن المعتز: كنت على المسير إلى الأمير، فانقطع شريان الغمام، فقطعني عن خدمته.

فكتب إليه: لئن فاتني السرور بك لم يفتني بكلامك.

وقوله: شريان الغمام، من أحسن الكلام.

ورأى تاريخ المقري، المسمى بنفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، فكتب إليه:

مِن الغُصْنِ الرَّطِيبِ هَصَرْتَ غُصْناًومن أثْمارِه أصْبَحْتَ جَانِي
كَساهُ اللهُ من ورقٍ بُرُوداًمُطرَّزة بأزْهارِ الجِنانِ

وكتب لبعض إخوانه يطلب منه كتاب قلائد العقيان:

يا سيِّداً حاز خَصْلَ الفضلِ من كُتُبٍبجدِّ عَزْمٍ وجَدٍ طاهر النَّسَبِ
مِن القَلائِد جِيدِي عامِلٌ أبداًفابْعَثْ بها كي تُحَلِّي جِيدَ ذِي أدَبِ
قَصْدِي المروُ عليها مُسْرِعاً عَجِلاًكما يمُرُّ نسيمُ الرَّوضِ بالْعَذَبِ

وله يعتذر عن ترك التغزل:

وقائلةٍ لِمْ لا تَغَزَّلُ في الظِّبَاوطَبْعُك مِن ماءِ اللَّطافةِ قد رَوِي
فقلتُ لها قَدْرِي تَسَامَى عن الذيتَرُومِي لِشُغْلِي بالعلومِ وما رُوِي

وله في الشباب والشيب:

ليلُ الشبابِ نجومُ الشَّيْبِ فيه بَدَتْفأحْرقتْ مِن شَياطينِ الهوَى زُمَرَا
بدَتْ وأدْهَمُ لَهْوِي جَدَّ في مَرَحٍفقيَّدتْهُ بِعقْدٍ يُشْبِهُ الدُّرَرَا

معنى الأول ألم فيه بقول أبي طالب بن يعمر.

نجومُ شَيْبِيَ في ليلِ الشبابِ بَدَتْفبَصَّرتْ عينَ قلبِي مَنْهَج الدِّينِ
فصِرْنَ راجِمةً شَيْطَان مَعْصِيَتِيإنَّ النُّجُومَ رَجُومٌ للشَّياطِينِ

ومن فوائده ما كتبه على البيت المشهور:

فَرَّقْنَ بين مَحَاجرِ ومَعَاجِرٍوجمَعْنَ بين بَنَفْسَجٍ وشَقائِقِ

قال: أجاب عنه البدر الدماميني، وصاحب التبيان، والبيت ثالث بيتين قبله، وهما:

أنا الفِداءُ لظَبْيةٍ أحْداقُهامَوصُولةٌ مِن حُسْنِها بحدائِقِ
لمَّا الْتقيْنا للوَداعِ وأعْرَبتْعَبَراتُنا عنَّا بدَمْعٍ ناطقِ

فَرَّقْنَ.....الخ

وقد وجدت البدر أتى البيوت من أبوابها وأزال بنور قريحته ما أظلم من غيهب رحابها أما صاحب التبيان وإن كان من أئمة البيان، المشار إليهم بالبنان، فقد وقف من وراء البيوت، وهو من الحزن كظيم، وتأخر عنها وهو من الحياء سقيم، وراش سهام قريحته فأبعد المرمى، ولم يصب لحماً ولا عظماً.

ولله در القائل:

نَزَلُوا بمكة في قبائلِ مُكْثِرٍونزلت بالبَيْداءِ أبْعَدَ مَنْزِلِ

فأتى بمعانٍ لا يخطبها خاطب، بل مما يحطبها في ليل سطورها الحاطب، وجهز بنات فكره بما لا يستروح لنشره؛ وليت شعري ما كان أغناه عن هذا الجواب وقصده، وما أكثر ما يهز المعاطف ولكن ببرده.

وها نحن نذكر نص الجوابين، ليظهر لك ما قلناه بغير مين، ونذكر ما ظهر لنا من الجواب، الذي هو أمس رحماً بضوءٍ من الآداب.

قال البدر: الظاهر أن الشاعر قصد أن عبراته في حال الوداع حجبت نظره عن رؤية الظبية الموصوفة، وحالت بينهما، فحصل بذلك تفريق العبرات المذكورة بين محاجره التي كان ينظر منها، وبين المعاجر التي كان ينظر إليها.

وقد وصف بعض الشعراء الدمع بكونه حائلاً بين العين والرؤية، كقول بعضهم:

وحالتْ دموعُ العَيْن بيني وبينهكأن دموعَ العين تعْشَقه مَعِي
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بنفسي من رد التحية ضاحكا»

وقال ابن منهال، أحد شعراء إفريقية:

إذا بَدَا حَالَ دَمْعِي دون رُؤْيتِهيَغارُ منِّي عليه فهْو بُرْقُعُهُ

وقول أبي الحسين بن سقر، شاعر المرية، في دولة بني عبد المؤمن:

وقَفَتْ وَقْفَةَ الوَداعِ وقالتْليت شِعْرِي متى يكون الرُّجوعُ
فبكيْنا خوفَ الفِراقِ فحالَتْبيْننا قبلَ أن نَبِينَ الدُّموعُ

وأما دمعها هي، فإنه إذا اختلط بكحل عينها، أشبه البنفسج من حيث اللون؛ وباعتبار جريانه على الوجنات حصل الجمع بين البنفسج وهو الدمع المذكور، وبين الشقائق وهي الخدود.

وقد شبه بعض الأدباء البنفسج بالكحل الممتزج بالدمع، حيث قال:

بَنَفْسَجٌ حُمِيَتْ أزْهارُه فحكَىكُحْلاً تشرَّب دَمْعاً يومَ تَشْتيتِ

فلا بدع إذن في تشبيه الدمع، الذي هذه حالته بالبنفسج، ووجه الشبه ما قلناه.

والملخص أن العبرات التي جرت من هذين في حالة التوديع، أوجبت حالةً اختص بها القائل، وهي التفريق المذكور، وحالةً تختص بالمقول، وهي الجمع على الصفة المذكورة، وهذا كله ظاهرٌ، متجهٌ، لا يرد عليه شيءٌ، إلا أن الشاعر لم يصرح في نظمه بأن المتغزل فيها كانت مكحولةً، حتى يشبه دمعها الممتزج مع الكحل بالبنفسج.

وجوابه أن يقال: أحال الأمر في ذلك على ما يقتضيه الذوق السليم، وأشار إلى ذلك بالتشبيه المذكور، فيتلطف له في هذا القدر.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.