تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه سعيد

سعيد بن عبد الله الشاعر الحلبي.

من شعراء الحلبيين المجيدين، أبو محمد الحريري.

كان شاعرًا جيدًا، حين العقل، فصيح القول، قليل المعرفة بعلم العربية، صاحب اقتدار على إنشاء القوافي وعمل الشعر، يقوله بطبع سليم، وكانت تصدر عن خاطره ب/ القصائد النادرة، يرتضيها الأفاضل، ويستجيدها نقاد الشعر، عارية من اللحن، ولعله برز في عملها على كثير من شعراء زمانه.

وتوفي بحلب في الثاني عشر من صفر سنة تسع وستمائة، ودفن بمقام إبراهيم- ﵇ قبلي حلب، عن نيف وسبعين سنة.

روى عنه القاضيان، القاضي الإمام بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد، والقاضي أبو القاسم عمر أحمد بن أبي جرادة بحلب أدام الله أيامها.

شاهدت ولده بمحروسة حلب شاهدًا ثبت الجنان، وسألته عن نسبه، فلم يزدني على ذلك شيئًا، وزعم أن والده لم يرفع في نسبه أكثر من هذا، وذكر أن شعره يدخل في أربعة أجلاد، وأنه بلغ من العمر أربعًا وثمانين سنة.

وطالعت بعد ذلك مجموع مدائح الوزير نظام الدين أبي المؤيد الطغرائي، فوجدت فيه: قال سعيد بن عبد الله بن المبارك: حدثني القاضي الأجل أبو محمد الحسن بن إبراهيم بحلب سنة أربع وثلاثين وستمائة بمنزله المعمور، من لفظه- أيده الله تعالى- قال: أ/ كان سعيد بن عبد الله الحريري له أشعار حسنة ومقاصد سديدة، وألفاظ عذبة، ومعان سهلة، سمعت منه الكثير من شعره، وأنشدني معظمه،

حتى إنه لم يشذ عني منه إلا اليسير، وكانت معرفتي به مذ كان يتردد إلى الوالد- رحمه الله تعالى في سنة ثمانين وخمسمائة إلى أن توفي ﵀ يعرض عليه أشعاره، وجل مدائحه في الدولة الغياثية، والمملكة السلطانية الظاهرة، وأشعاره مشحونة بتشييد مكارمها، وإعلاء مفاخرها، ثم في خواصها، ووزرائها، وكتابها، وأمرائها، وها أنا قد اخترت بعض أشعاره وقصائده، وإن كان شعره كله مختارًا حسنًا، خفيفًا على القلوب سماعه، ثم قال:

وحدثني الحريري في عاشر ربيع الأول سنة ستمائة قال: ذكر لي الوزير نظام الدين أبو المؤيد محمد بن الحسين بن محمد الطغرائي- ﵀ وزير الملك الظاهر- رحمه الله تعالى- أنه أنشد بالحضرة العالية المولوية السلطانية الظاهرية- شيد الله أركانها ب/ في بعض الليالي بيتين هما:

إشرب هنيئًا عليك التاج مرتفقافي مناذمهر ودع غمدان لليمن
فأنت أولى بتاج الملك تلبسهمن هوذة بن عليِّ وابن ذي يزن

فوقع التقدم إليه بأن يعمل الشعراء في هذا المعنى، فعلمت بديها:

يا من تفرد في أيَّام دولتهبسيرة ما حكتها صورة الزَّمن
أفنيت مالك في ذكر نسخت بهكسرى قباذ وأنسيت ابن ذي يزن
فما أقول ومن أدنى مواهبكمما عزَّ من مضر الحمراء واليمن
فليخش من كان فيه مدح شاعرهتلك المكارم لا قعبان من لبن
وجلَّ ذكرك قدرًا أن نشبههبالعارض الهتن ابن العارض الهتن
اعطيت حتَّى غوادي المزن قابلةتبعت غايته جهدي فأتعبني
إشرب فلا تاج إلا تاج شامخةعزت وقالت لمن يبغي مداك: هن

وأنشدني أيضًا- أبقاه الله تعالى- قال: أنشدني سعيد بن عبد الله الحريري لنفسه يمدح السلطان الملك الظاهر غياث أ/ الدين- تغمده الله برحمته- وأنا حاضر بالقلعة المنصورة- حرسها الله تعالى- في ليلة عيد النحر:

كلف بالحمى ووجد قديموغرام بالظَّاعنين مقيم
وجوى أسهر الجفون فلا النَّوم بها مولع ولا التّهويم
وشجًا خامر للفؤاد ووجدبت منه كما يبيت السَّليم
شفَّ جسمي سقمًا وما السُّقم إلاما جناه الطَّرف المريض السَّقيم
بأبي زائرًا تعسَّف نجدًاوزرود من دونه والصَّريم
وأتى يقطع الفجاج وللظَّلــماء عقد بالنِّيرات نظيم
أودع الليل سرِّه وهل الليــل بسرِّ الأقمار إلا نموم؟
فاكتسى الليل بهجة فلهذاراق ماء به ورقَّ النَّسيم
وكأنَّ الثَّرى بمسراه فيهعنبر فض من شذاها لطيم
يا لها زورة لعيني منهانظرة من رقادها ونعيم
أذكرتني غضَّ الصِّبا حيث لا النَّبــت هشيم ولا النَّسيم سموم
واللَّيالي واها لطيب لياللا ذميم فيها ولا مذموم
والصِّبا في اقتباله لا جديدرثَّ جدًّا ولا استشنَّ الأديم
/ ب/ حبَّذا حبَّذا بنجران رسملمطايا اللَّذات فيه رسيم
وعقار باكرت عانسها البكرـر وفود الظَّلماء داج بهيم
بندامى تناهزوا فرص اللذذات علمًا بأنَّها لا تدوم
فطرقنا بالقصف حانة شمطاء فكادت لضعفها لا تقوم
زولة هرقليَّة النَّجرما تفتأ في بيعها ما تسوم
فأنخنا بها فحطَّت رحالبحوانيتها وفكَّت ختوم
ثمَّ قالت قرُّوا عيونًا فعندي الـالقهوة الصِّرف والغزال الرِّيم
فاغنموا غفلة الزَّمان فما العيـشة إلا مدامةٌ ونديم
فنزلنا من ساحها في جنابكلُّ طار يغشاه إلّا الهموم
فأشارت إلى نزيف عُقاريُقعد البدر وجهه ويقيمُ
فأتى حاملًا من الرَّاح شمسًاكلَّلتها من الحباب نجوم
وجلاها صرفًا وفي شفتيهما إليه هيم القلوب تهيم
من عقار أريجه النَّشر لا التبــخيس من شرطها ولا التَّحريم
كرمت أن تهان بالعصر أو تســخوبها في قديم عصر كروم
فأحيها يا مزنَّر الخضر بالقتــل لتحيا أرواحنا والجسوم
/ أ/ وأدرها لا من يديك فما الخرطوم إلا ما كأسه الخرطوم
واسقها مملقًا متى خاف عسرًاجاده للغياث كفء كريم
ملكٌ طبَّق البرية جودًافتساوى غنيَّها والعديم
يوسفني نماه من وحة المُلوك نجارٌ لا يعتليه وصوم

تمّ سلطانه فسادًا الملوك الشيب طفلًا لم يُلق عنه تميم

إن أساءوا فمحسن وإذا ضنــنوا فسمح وإن هفوا فحليم
وإذا دقَّ مشكل فبصيروإذا جلَّ حادثٌ فعظيم
لهم النَّقض لا محالة ممالك منه التكميل والتَّتميم
ولأعدائك التأخر عمَّالك فيه الإقدام والتَّقديم؟
حاولوا ما حويت من رتب المجــد وأين السماء ممّا يروموا؟
ولك الحزم لو رميت به العصــم لألقت بها إليك الحزوم
والخلال التي كأنَّك فيهاللثَّريا والفرقدين نديم

والمساعي التي ملكت خصال السبق فيها وما عصاك سليم

فتقدمت والذي أوجب التَّقــديم سرٌّ لله فيك قديم
/ ب/ وهو شيء قضى بأنك في الملــك إمام وغيرك المأموم
فلهذا أعطأك من أمره الأمــر سعودًا ما دَّبرتها النُّجوم
نافذات أحكامها تعقد الزِّيــج ويعوجُّ عندها التقويم
وهي من دون كنهها يقصر الفهــم وفي مثلها يحار الحكيم
غير أنَّ الإقبال حظُّك منهاولشانيك خسفها والرُّجوم
ولك الدهر لا محالة حزبٌولأعدائك الليالي خصوم
ولأنت الخصوم في هذه الدُّنــيا بما منه غيرك المحروم
طلت فخرًا فما لمجدك مجدٌفي البرايا ولا لخيمك خيم
كم خرقت النَّقع المثار بعزمتنتصي حدَّ غربه وتشيم
فوق طرف يفوت عالية الطرف وتكبو له الرياح العقيم
أجرد إن زجرته فشهابثاقب أو أهجته فظليم
راح يطوي البلاد لأكرك عزز عليه ولا عصى داروم
يا غياث الدِّين الذي يهب الأقــليم جودًا وما عسى الإقليم
والذي ما سألته الرزق إلّاجاد ساح منه أجشُّ هزيم
بندى راحتيك اينع غصنيوتثنَّى فهو الرَّزين القوم
/ أ/ فلماذا أهملت حتى كأنيفي الرَّايا معبَّد وسقيم؟
تنتحيني الأرزاء طردًا فطردًاعن حياض ما زلت فيها أعوم
غير أني أقول للنَّفس صبرًاتجدب الأرض تارة وتسيم
ويضن الحيا لأمر ويسحوقطره تارة فتحيا الرُّسوم
فثقي من مواهب الملك الظَّاهر بالنَّائل الذي لا يريم
ومتى أعوجَّ أو تناقص حاليفبكم لا بغيركم يستقيم
فادّرع حلة من العمر تُفنىكلّ عيد من دونها وتدوم
وانحر الحاسدين ما نحر الهدى بجمع وما أقام الحطيم

وأنشدني قال: أنشدني سعيد لنفسه:

أبى البين أن يرقا لمدمعه شانوللبيد خفض بالركائب هتَّان
وأنى يفيض الدمع أو يحمد الجوىودون التداني منك يا نعم نعمان؟
ناى جلدي لمّا ترامت بك النّوىوولّت حمول بالفريق واظعان
واسلمني بين الخليط إلى جوىلجفني به واد من الدَّمع ملان
غرامًا بظبي ساحر اللَّحظ ساخركثير التعدِّي ما تعَّداه عدوان
من الغيد ما قدُّه فهو بانهتثنى وأما وجهه فهو بستان
/ ب/ على خدِّه القاني من الحسن روضةيُضاحك فيها الورداس وريحان
حمى كلَّما امتدت له كفُّ قاطفحماه من الصُّدع المشوَّش ثعبان
فيا بأبي أفدي على القرب والنّوىغزالًا لديَّ منه ظلٌّ وليَّان
نفورًا يفوز الغير دوني بوصلهوحظِّي صدود من هواه وهجران
يسدِّد سهمًا ريَّشته جفونهوما السَّهم إلَّا ما أراشته أجفان
فمن منصفي من منبض السَّهم مُعرضٍحواجبه للنزع عوجاء مرنان
سقاني الحميا من يديه وثغرهفملت ولا عيب إذا مال سكران

عشيَّة أصلتنا القفار سعيرها ونحن بنجران فللَّه نجران

وفي ديره خمَّارة هرقليةلها مسح تختال فيها وصلبان
انخنا به والليل يبدي نسيمهوللغيم دمع لا يكفُّ له شان

وقد صدرت ريح الصَّبا عن عبائق تضوّع من أنباتها الرَّند وألبان

فقلنا وكادت لا تجيب لضعفهاوفي طرس فوديها من الكبر عنوان
اعندك يا قدسية الدَّير قهوة؟فقالت: وظبي فاتر الطّرف وسنان
وأومت بأطراف البنان مشيرةإلى بدر تمَّ ما تولَّاه نقصان
نزيف أمال التيه غضَّ قوامهكما مال من صرف المدامة نشوان
/ أ/ فجاء وفي إبريقه مثل خدِّهعُقار بواري نورها استعر ألحان
وقال هي الرَّاح التي ما سخا بهالقديسة في دير سمعان سمعان؟
يروقك في الرَّاووق منها عقائقٌيذوب لها في درّه الكأس مرجان
وطاف بها العيسي فينا وقدُّهكغُصن تثنَّى في نقا وهو ريَّان
شكا خصره الرُّنَّار وارتجَّ ردفهفما جت بقضبان البشامة كثبان
وبتنا أوثانًا عليها برانسلها من تصاوير الكنيسة أوثان
خليليَّ لا أنسى الشباب فإنّهلخيل التَّصابي في الخلاعة ميدان

فما العيش إلا قينة ظاهرية لها الملك الغازي بن يوسف سلطان

مليك له من باذخ الملك منصبتكوَّن فيه قبل يوجد كيوان
وجرد تهاى في الحديد كأنهاأسود لها ناب السنّور خفان
وتحسبهم فوق الجياد أجادلًاتطير بها في مأزق الحرب عُقبان
فوارس هيجاء تخف إلى الوغىسراعًا إذا خافت من الطعن فُرسان
لها جلل من سابغي مفاضهاومن يلب العادي وللبيض تيجان
/ ب/ صدور الخيل واعتقلوا القناوخاضوا غمار الحرب والنقع طوفان
بكل جرئ لا يردُّ عنانهولو أنَّ حصباء البسيطة أقران
هو النار لكن في غدير مفاضةيشق به ليل الفجاجة سرحان
يحنُّ إلى الحرب العوان فقلبهبها لا بحبِّ العامرية ولهان
ويضحك واليوم العماس مقطِّبٌفيرضى له الخطيُّ والقرن غضبان
لدى ملك ما سلَّ غرب حسامهفصاحب هامًا من أعاديه أبدان
ولا ركب الجرداء إلا نزعزعتله وهو في أرض الشام خُراسان
ولا اهتزَّ يوم الجدِّ في صدر دستهفحنَّ لمن يرجو أياديه ميزان

عُلا لا تضاهيها الكواكب رفعة وراسخ علم لا يوازيه ثهلان

فلا عجب إن زدت في الملك رفعةولا غرو إن ذلوا عداك وإن هانوا
وأنت الذي رضت الصعاب من العلابهمة من يلقى الدجى وهو يقظان
ومن دأبه رعي الرَّعايا وشأنهحُنوٌّ على مستضعفيه وإحسان
بنى مجده إذ كان للمال هادمًاوفي هدمه الأموال للمجد بنيان
/ أ/ وقام بأعباء الممالك ناهضًابما عجزت عنه تميم وذبيان
وتمَّ وما تمَّ الرِّهان لحكمةتبّوا منها ما تبوّأ لقمان
فحيدة الكرار في متن طرفهوفوق سرير الملك منه سليمان
يعزُّ به ثغر وملك وموكبويزهى به تاج ودست وإيوان
هو الظَّاهر الملك الذي في ظهورهدليل فما فيه مع الله بطلان
حواني وأيام الزَّمان أساودتحاول لسبي والبرية سيدان
ومدَّ لنصري راحة مذ لثمنهاتروَّى بها قلبٌ إلى الجود ظمأن
وقالت يدي للنيِّرات تطامنيفشأني من العلياء ما فوقه شأن
ونلت وقد أصبحت خادم بابهبما لم ينله بابن أيهم حسان
وخاطبت منه البحر بالفضل مفعمًافكنت لديه باقلًا وهو سحبان
وهذَّب أشعاري فصرت مهذَّبًاوروحت ودوني في المدائح غيلان
فلا زال في ملك مديد رواقهعلى الدَّهر ما أرسي ثبير ولبنان
فيا ملكًا ما فاز كسرى بملكهولا ناله من قبل كسراه ساسان
أرى الخلق جثمانًا وملكك روحهولولا وجود الرُّوح ما قام جثمان

/ ب/ سعيد بن حمزة بن أحمد بن الحسن بن علي بن نصر بن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن القاسم بن عبد الله بن سارخ، أيو الكاتب النيلي:

كانت ولادته بالنيل لثلاث خلون من ربيع الأول سنة ثماني عشرة وخمسمائة، وقدم بغداد في صباه بعد عشرين سنة من عمره.

وقيل: كانت ولادته ببغداد في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، كذلك ذكر الشيخ أبو الحسن محمد بن أبي أحمد بن القطيعي.

توفي يوم الجمعة عاشر شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن بمقابر قريش بمشهد باب التبن.

كان صاحب شعر رقيق، وترسل حسن، فاضلًا متميزًا، خدم ببغداد في الأمور السلطانية، وامتدح بشعره الأمراء والولاة، وكان قد طاف بلاد الشام، سمع الحديث من أبي المظفر هبة الله بن أحمد بن الشبل الدقاق، وأبي عبد الله محمد بن عبد الله الحراني، روى عنه من شعره الشيخ الحافظ أبو عبد الله بن النجار، وابن الدُّبيثي، وابن القطيعي وغيرهم، وكتبوا عنه.

/ أ/ أنشدني الشيخ الحافظ محب الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن النجار البغدادي بمدينة السلام، يوم الأحد ثالث شوال سنة تسع وثلاثين وستمائة قال: أنشدني أبو الغنائم سعيد بن حمزة بن أحمد بن الحسن بن محمد بن منصور بن الحارث بن سارخ النيلي الكاتب لنفسه:

هوى قاطن في ساحة الصَّدر رابعوبين عن الأحباب والأهل مانع
إذا قلت قد جاد الزمان بأوبةتقر بها عيني وترقا المدامع
تعرَّض يرمي عن قسي من النَّوىلأسهمها في قلب شملي مواقع
مُنيت بفقد الصبر إذ كان جُنَّةتمنَّته من بيض الخطوب القواطع
وفقد بشاب كان فيه وسيلةبقلبي إلى البيض الحسان وشافع
نضا صبغ فودي بعد ما كان حالكًاوأعدى إلى خطِّي وخطِّي ناصع
فيا وفد شيبي ليت أنَّك ظاعنوعصر شبابي ليت أنَّك راجع
وسامحة لي في الكرى بعد بينهاوقد بخلت بالوصل والشَّمل جامع
/ ب/ وما زار منها الطَّيف إلا أزارهرسيس غرام ضمِّنته الأضالع
أيا ظبية الوعساء من بطن وجرةهناك الكرى إني عن النوم نازع
يرينيك عند القرب يأسي بعيدةوتدنيك أطماعي وربعك شاسع
وما فقدت أطلالك البرق والحياإذا قابلتها زفرتي والمدامع
سأسعى فإن عزّت عليَّ مطالبيفدون الغنى خرق من الأرض واسع
وإن أنا لم تكفل بنيل مطالبيبلاد فما ضاقت عليَّ المطالع

وأنشدني قال: أنشدني ابن سارخ لنفسه:

أما الشُّؤون فقد مضتوالشَّأن في شأنيكما
لكنَّها نضبت وسدد مفيضها شأنيكما
ثم اجعلا ما قد بقىفي تربتي مأقيكما
فإذا أمر تكما بفيــض الدَّمع من غربيكما
حلاَّ غزاليها وخددابالبكا خديكما
حتى يقال بأنَّنيبكما بكيت عليكما

وأنشدني قال: أنشدني أبو الغانئم من شعره:

/ أ/ لقد هجرتني أم هاجر وابتدتتقول لقد خابت لنا فيك آمال
رأت رجلًا أعشى مسنًّا وما بهحراك وقد أرداه بؤس وإقلال
ومن جاوز التِّسعين عامًا فعدلهبرود قواه رثَّة وهي أسمال
ولما رأت شيبي وفقري تنكرتوصدَّت وحالت حين حالت بي الحال
وماذا عسى مثلي يحبُّ ومالهشفيع إليها لا شباب ولا مال؟

ومن شعره:

يا شائم البرق من شوقيِّيبدو مرارًا وتخفيه الدَّياجير
إذا سقيت الحيا من كلِّ معصرةوعاد مغناك خصبًا وهو ممطور
سلِّم على الدَّوحة الغنَّاء من سلموعفِّر الخدَّ إن لاح اليعافير
واستخبر الجؤذر السَّاجي اللحاظ أخاالتــعذير هل عاقه عنَّا معاذير؟
فإن يكن حال عمّا كنت أعهدهوشاب أيمانه البهتان والزور
فلا يغرنَّ مخلوقًا ببهجتهبعدي فما ذاك عند النّاس معذور

ومنها قوله:

هل من رجوع إلى الزَّوراء عن كثب؟وأين من واسط بغداد والقور
وأين رقَّتها والدَّوح تسجع فيأغصانها بالتغاريد الشَّحارير؟
// أحنُّ شوقًا إلى تلك الديار وقدضاهي بنفسجها ورد ومنثور
ومالت السَّرو في خضر الثياب كماتمايلت في الحرير الأخضر الحور
فالرَّوض والماء يجري في جوانبهمثل السماء على أرجائها النُّور
أو مثل سندسة تزهو وجدولها الــجاري حسام جلاه القين مشهور
والغصن سكران من شرب الندى فإذادعا ابن ورقاء أضحى وهو مخمور
وهاتفات على الأغصان قد رقدتعنهنَّ في غسق الليل النَّواطير
فظلن يسجعن حتى كدت من ولهيأقضي ولكنَّما في العمر تأخير
لكنَّ وجدي بترجيع الهديل وماغرَّدن باقٍ إلى أن ينفخ الصور

وقال أيضًا، يمدح عز الدين [مسعود] بن [مودود بن زنكي] بالموصل:

من الخفيف

ناشداني برملتي يبرينفغرامي بذكرها يبريني
وانظرا بين رامة والمصلّىكم غزال أودي بليث عرين
يا خليليَّ خلَّياني لكي أبــذل بالبثِّ كلَّ سر مصون
واكتبا ما أملُّ من لاعج الشوق فويق الثرى بماء الجفون
لا تضنَّا عليَّ أن تسعدانيفخليل الصَّفاء غير ضنين
/ أ/واضمنا فائت الكرى فعلى الضَّامن حقًا غرامة المضمون
أمكن الوقت فاجعلا مهــر أبكار المعاني غبَّ المهاري العون
واذعر بالسُّرى فؤاد الدياجيوبأيدي الرَّكاب قلب البين
وأنا كافل الغنى إن وصلناربع صدر الزَّمان عزِّ الدين
لا تخافا سوء الإضافة في الموصل أو حادث الزَّمان الخؤون
والفتى ذو الرياستين سديد الددولة المرتجى لدفع المنون
يا جوادًا علقت من فضله السَّابق بين الورى بحبل متين
قد أتيت الحدباء مذ عرقتنيمدية الفقر بعد خمس سنين
ردَّت الصَّدر يشبه التِّسع في التســع وخمسًا من نسبة السِّتين
فاصرف المهمّة العليِّة في تدبير حالي برأي عقل رصين
وابق ماذرَّ شارق لابسًا في الــفخر ثوب التأييد والتمكين

سعيد بن محمد بن محمد بن محمد بن عطَّاف، أبو القاسم الهمداني المؤدب، البغدادي المولد والمنشأ:

أصله من الجزيرة العمرية، يلقب الجرذ، ب/ من أبناء المحدثين، وكان

محدثًا صحيح السماع، حدّث عن أبيه، والقاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي البزار الأنصاري وإسماعيل بن أحمد السمرقندي، ومات يوم الأحد ثاني ربيع الآخر من سنة ثلاث وستمائة.

له شعر حسن، ولم يقع إلى منه سوى بيت واحد من جملة أبيات، وهو ما كتبه إلى بعض إخوانه يتقاضاه حاجة:

أراك تنسى وعوديمذ صرت تأكل قرضي

سعيد بن محمد بن سعيد بن الموفق بن علي الخازن، أبو منصور بن أبي بكر، النيسابوري الأصل، البغدادي المولد والدار:

كان فقيهًا فاضلًا متميزًا متأدبًا، من بيت الدين والخير والتصوف.

وسكن رباط شيخ الشيوخ، وصحب المشايخ والصوفيه، وكان أبوه وجده وأبو جده من المعهودين بالتصوف، المقيمين أ/ برباط شيخ الشيوخ، وإليهم أمر الخزن به، في زمن كل من تولى مشيخة الشيوخ بالرباط المذكور.

وسكن أبو منصور هذا المدرسة النظامية، واشتغل بها على الضياء ابن أبي القاسم عبد الرحمن الطيبي المعيد بها، وعلى غيره، وأقام بها من صغره، واشتغل بعلم المذهب والخلاف، وعلم الآداب والفرائض والحساب، وسمع من جماعة من مدينة السلام، وكثرت صحبته للشيخ أبي أحمد عبد الوهاب علي ابن سكينة، وسمع منه، وكتب عنه.

ولما قدم القاضي تاج الدين، وولي تدريس النظامية، لازم الاشتغال به، وسماع دروسه، واستبدل بحلقة المناظرة، كتبه، تكلم مع الفقهاء، وسمع ما كان يقرأ عليه من الفنون، وسمع منه، وكتب عنه، وقرأ عليه في مدة مقامه بالنظامية، وتعمد انفصاله عنه بالفتوى، وسمع من لفظ تاج الدين كتاب "روح العارفين"، وقرأ عليه من حفظه في سنة تسع وستمائة جميع كتاب "الخطب النباتية"، وكتاب "ألفاظ عبد الرحمن"، و"مقصورة ابن دريد"، وقرأ من حفظه عليه كتاب "الفصيح"، لثعلب، وكتاب "ملحة الإعراب"، وكتاب "المستصفى" بكماله تأليف الغزالي، وكتاب "كفاية المتفقه وتذكرة الفرضي المتنبه"، وغير ب/ ذلك من التواليف.

وكانت ولادته سنة تسع وسبعين وخمسمائة ببغداد، وتوفي بها يوم الجمعة عاشر رجب سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودفن بالجانب الشرقي، بالمقبرة الوردية.

شاهدته ببغداد شابًا يتفقه على مذهب الإمام الشافعي، ولم أعلق عنه شيئًا من فيه، ثم وجدت له بعد موته قطعة يمدح بها بعض رؤساء إربل:

سلام على المولى السديد المؤيدسلام بريَّاه الرّكائب تغتدي
تحية من أضحى على العهد قلبهيراه بعيني شوقه والتَّودد
إذا ضلَّ ركب نحو إربل قاصدفمن طيب ما أهدى مع الركب يهتدي
يردُّهم قصد الطريق نسائمتضوع بريا الماجد القيل أحمد
كريم يجول البشر في قسماتهفأنواره كالبرق للشائم الصَّدي
ترى ربعه بالبرِّ والخلق آهلًافمورده بالبر أعذب مورد
فلا زال في عزِّ يدوم ورفعةولا زال في جدِّ سعيد وسؤدد

وأنشدني ولده عبد الرحمن قال: أنشدني والدي لنفسه من قصيدة امتدح بها بعض الأمراء ببغداد، أولها يقول:

/ أ/ لام العذول على الغرام مململاقلقًا يعقُّ من الهيام العذَّلا
رضع الهوى طفلًا ولم يك واردًابحر السلوِّ فما له أن يقبلا
كفَّ الملام فلو شربت كؤوسهلعذرته وكففت عنه المقولا
صب يذوب على الحبيب تأسفًاوتمثِّل الأفكار منه ممثَّلا
وبقيت رهن صبابة لم يلهنيإلا ندى الملك الذي حاز العلا
ملك إذا ركب الجواد تخالهملكًا على ظهر الجواد تمثَّلا

سعيد بن محمد بن سعيد بن جحدر بن الحسين بن جحدر، أبو منصور الجزري:

من أهل الجزيرة العمرية، ومن بيت مشهور بها.

كانت ولادته في يوم الأحد، رابع عشر جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وخمسمائة.

يروي عن شميم الحلي، ومكي بن علي بن الحسن العراقي.

صار صوفيًا، نزل الخانقاه بمصر، وعنده شيء من أدب، وله طبع يواتيه في عمل الشعر.

أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبي بحلب قال: أنشدني أبو منصور سعيد بن محمد بن سعيد بن جحدر لنفسه:

/ ب/ وما كنت أرضى أن تكون كما ترىولكنَّها الدنُّنيا تجيء وتذهب
إذا كنت أسعى والمقادير حكمهاخلاف مرادي فالمقادير أغلب
فلا تجزعي يا نفس وارضي بما قضىفإنَّ قضاء الله ما منه مهرب
لئن كانت الأيام غيّرن حالتيفما ذاك بدع إنَّها تتتقلَّب
ولا تعجبي إن كان دهري يضيمنيفقدمًا إلى الأحرار ما زال يذنب
صبرت على الشكوى واضمرت عفَّةفلا زمني أشكو ولا الخلّ اعتب

سعيد بن مودود بن سعيد بن الصباح بن المبارك، الضرير، أبو عبد الله، الكرخيني الخطيب.

كان حافظًا للقرآن العظيم، وعنده شيء من فقه، وقرأ طرفًا من الحساب والفرائض، وكان يتولى خطابة كبستدر من ولاية إربل، وبها توفي سلخ رمضان سنة أربع وعشرين وستمائة، وله شعر.

أنشدني أبو الفتح مسعود بن مودود بن الصباح قال: أنشدني أخي سعيد لنفسه من قصيدة أولها:

/ أ/ تناشأت سيفًا صفحه الصفح والشَّباوحدَّاه عزم منك يختطف العدا
وإنَّ الحيا والشمس ضدّان آلفابوجه شجاع الدين من حاز سوددا
فتى لم يدع للشِّرك شملًا مجمَّعاكما لم يذر للدِّين شملًا مبدَّدا

سعيد بن سعد الله بن عيسى بن محمد، أبو الخير، المعروف بسيدا:

من أبناء الأكراد، مولده بقرية من أعمال الموصل بنواحي عقر الحميدية، تدعى خلبتا، ونشأ بإربل، وأقام بها وزمانًا طويلًا، إلى أن توفي بها ليلة الأربعاء الحادية والعشرين من ذي الحجة سنة سبع وعشرين وستمائة، وكان قد جاوز الثمانين- رحمه الله تعالى.

ختم القرآن العزيز على أبي الثناء البوازيجي، وأتقن طرفًا من النحو على أبي الثناء محمود بن الحسن الضرير المعروف بابن الأرملة.

كان شيخًا مداعبًا ساكنًا، من أهل الخير والعلم، وكان يتردد في إربل إلى أبناء أمرائها، يؤدبهم ويستفيدون منه، ويقرأون عليه، وله أشعار غريبة، أنشدني منها في الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي- ﵀:

/ ب/ صمِّد بنشءٍ من ذؤابة أحمدفهم الكرام الطيِّبون الصِّيد
لو أمَّهم يوم القيامة مجتدوالنار تزفر والأنام سجود
أعطوه برَّ صلاتهم وصيامهمكيلا يراهم سائل مردود
يا ال موهوب بكم عُرف الندىأنتم موال والأنام عبيد

وأنشدني لنفسه أيضًا فيه- ﵀:

نجوع وأنت يا مأوى المقاوىلنا ولكلِّ عاف مستجير
ونصبح في الطَّوى خمصًا ونمسيولم نقدر على خبر الشَّعير
فعش ما عقَّب الصبح الدَّياجيوما بزغت براح على ثبير

وأنشدني أيضًا فيه يهنيه بالشهر:

نهنِّي الشَّهر بالمولى السَّعيدأبي البركات ذي الكرم التَّليد
فعقوتك الطواف بكلِّ ساعودارك ماتني حجُّ العبيد
فلا برحت عداتُك في نحوسولا زلت نجومك في سعود

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من [حرف السين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.