من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه سهل
سهل بن محمد بن رافع بن المحيَّى الهلاليُّ، أبو المحامد الشاعر:
من بني هلال، من رامة الشعر ببلدة حوران، مولده ومنشؤه ومقامه بها، كان من الشعراء المجيدين في دهره.
حدثني القاضي أبو القاسم عمر بن أحمد الحنفي- أيده الله- من لفظه قال: قدم أبو المحامد حلب مرارًا كثيرة، مسترقدًا من ملوكها وأمرائها، واجتمعت به، وكان حلو المنطق، فصيح العبارة، حسن الشعر، وكتبت عنه شيئًا من شعره، وتوفي في رجب أو شعبان سنة/ ب/ ثلاث وعشرين وستمائة ببعلبك:
ومما أنشدني لنفسه من قصيدة يمدح بها الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب، ويتشوق فيها أهله ووطنه:
لي نحو رامة قلب شأنه الطربوعبرة يعد يوم البين تنسكب
وأنَّه كلَّما ناحت مطوَّقةتكاد من حرِّها الأحشاء تلتهب
كم رمت كتمان ما أبديه من كمدوباعث الشَّوق يعصيني فأنتحب
يا حادي العيس بالجرعاء هل نظرتعيناك مثلي معنَّى شفَّه الوصف؟
أحشاؤه من جوى التَّذكار في حرقوقلبه لفراق الحيِّ مكتئبُ
لا كان يوم وداع كنت أحذرهوالبدر يسفر أحيانًا وينتقب
وطلعة الشمس تبدو غير آفلةمن المعاجر طورًا ثم تحتجب
ودَّعت لذَّة عيشي يوم فُرقهاودمع عيني من هول النَّوى سرب
فاستعبرت ومطايا الحيِّ مزمعةسيرًا يسايره التَّقريب والخبب
فخلت حمرة خدَّيها وادمعهاراحًا تجول على ناجودها الحبب
لمياء يُخبر عن شهد مقبَّلهاويُخجل الدُّرَّ منها ثغرها الشنب
تُريك وجهًا يريك الشَّمس طالعةسبط المحاسن لا خال ولا ندب
/ أ/ خودٌ هلالية الآباء لا أمميقضي المودَّة لي منها ولا صقب
من دون رشف حميا شهد ريقهابيض الصَّوارم والعسَّالة السلب
قالت وقد ازمعت لي عن مواطنهاميساء مضمرة مهرية نجب
ماذا الرَّحيل وقد غادرت منزلناصفر الجوانب لا ورق ولا ذهب
فقلت خلَّي سبيل الهمِّ منصرفًاغازي بن يوسف ذخري والمدى حلب
وأنشدني أيضًا قال: أنشدني سهل لنفسه من قصيدة يمدح بها سنقر الحلبي:
ملك يسرُّ المعتفين لقاؤهوتخاف شدَّه بأسه أسد الشَّرى
متألّق الأضواء يحمد وفدهعند الصَّباح بوجهه غبَّ السُّرى
قهر الفوارس قبل شدِّ نطاقهوأتى المكارم يافعًا وحزوّرًا
وحوت مناقبه مآثر معشرما كان ذكرهم حديثًا يفترى
ماضي ظبا العزمات لا يعتادهزمع إذا صبح الأسنَّة اسفرا
يلقى الكتيبة غير مكترث بهاويكرُّ والأرواح واهية العُرى
متقلد عضبًا كأن مضاءهقدر لكلِّ ملمّة قد قُدِّرا
ما شيم برق من مضارب حدِّهإلا كسا الآفاق مرطًا احمرا
/ ب/ يغشى غمار الموت غضبًا فاتكًاويلوح في رهج العجاج غضنفرا
أخبرني القاضي أبو القاسم- أيده الله- قال: قال أبو البقاء يعيش بن علي النحوي قال: رأيت الهلالي ينشد السلطان غياث الدين قصيدة من حفظه لنفسه، يمدحه بها، فجعل يتوقف فيها، ويعيد أبياتها، فلما فرغ منها قال للسلطان الملك الظاهر معتذرًا من
تغلظه فيها: يا مولانا، الجواد يكبو من قلة العلف، فقال السلطان في الحال مجاوبًا له: وقد يكون من حمير.
سهل بن محمد بن أيوب بن مالك، أبو الحسن الأزديُّ الغوناطي الأندلسي:
كان من العلماء الأفاضل المتفنّين في عصره، إمامًا في البلاغة/ أ/، والخطابة، والشعر، والكتابة، قادرًا على إنشاء الكلام نظمًا ونثرًا، فقيهًا مالكي المذهب، عارفًا بأصول الدين، وأصول الفقه، مقدمًا في علم الأدب والعربية، مبرزًا في علم المنطق والجدل.
أنشدني أبو الوليد إسماعيل بن عبد الله بن إسماعيل بن أحمد البلوي القضاعي البيّاسي في العشرة الأخيرة من جمادى الأولى بحلب سنة أربع وثلاثين وستمائة قال: أنشدني أبو الحسن سهل بن مالك الغرناطي لنفسه في سنة تسع وستمائة، وقد فارق وطنه، ونزل مدينة سبتة:
لما حططت بسبتة قتب النَّوىوالقلب يرجو أن تحوّل حاله
أبصرت من بلد الجزيرة مكنسًاوالبحر يمنع أن يصاد غزاله
كالشَّخص والمرآة تُبصر وقدقربت مسافته وعزَّ مناله
وحدثني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن يوسف اللخمي الفراتي قال: أخبرنا أبو العباس أخمد بن محمد بن مسعود السبتي قال: كيف كان للفقيه الإمام العلامة أبي الحسن
سهل بن مالك خطيب/ ب/ غرناط- كلأهما الله- ابن مدمن على شرب الخمر، وتعشق جارية، كان أبوه كثيرًا ما ينهاه عنها، وعن الشرب معها، وهو مع ذلك [لا يزداد] إلا غرامًا [بها]، فلما لم يجبه إلى ترك ما علق به من ذلك، حبسه، وقيده، وبقي على تلك الحال مدة طويلة، ثم سرَّحه بعد ذلك لموشحة صنعها. وصنع طعامًا، وأراد أن يحضر أصحابه، فيأكلون ذلك الطعام في منزل ابنه، ليطيب قلبه، فتقدم أبوه إلى منزله، فوجد الباب مفتوحًا، فدخل عليه، فوجده يشرب مع تلك الجارية، وهي تسقيه بفيها خمرًا، فرجع من غير أن يراه ابنه، وكتب إليه وهو لا يعرف اسم الجارية:
يا من أُراعيه ملء عينيخف وصلة أعقبت يبين
إذا تمكَّنت من قلانهفمرَّة واترك ائنتين
فما سقت خمرة بفيهاإلا لتشفى بسكرتين
/ أ/ فكتب إليه ابنه:
يا واحد الدَّهر دون مينومن تحلَّى بكلِّ زين
مثلك ينهى أخا غرامعن وصلة أعقبت يبين
وقد نهيت الفؤاد لكنيرجع قلبي لحكم عيني
قال: فسكت عنه، ووصله، ولم يعرض بذكر الجارية أبدًا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع