من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه يحيى (٣)
وصنَّف مصنفات باللسان العبري كثيرة منها كتاب "المقامات" ومقامة مفردة سمّاها "الروضة الأنيقة" باللسان العربي.
وكان ذا قدرة في الشعر. وكان يعمل قصائد أنصاف أبياتها الأول بالعبري، والأنصاف الأواخر بالعربي. وكان قد طاف البلدان رجال في أقطارها؛ ثم سكن بآخرة حلب، ولم يزل بها إلى أن مات ليلة الأربعاء لليلة بقيت من ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
وقد ذكره الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي - رحمة الله تعالى - وقال: ورد إربل في العشر من محرم من سنة سبع عشرة وستمائة، وحدثني أنَّ اسمة بالعبرانية يهوذا، وإنما نقله إلى العربية. وكان طويلاً من الرجال أشيب.
سألته عن مولده، فقال: عمري إلى هذه السنة خمس وخمسون سنة، فانظر متى يكون مولدي؛ ثم حسب معي فأخطأ في تنزيله. يسكن بين ظهراني الفرنج، وكلامه مغربي أ/ قريب عهدٍ بالخروج من بلده، تراه كأنه يعتريه سهر. وكنت أخبرت بوروده وأثنى عليه رجل من اليهود.
وأنشدني، قال: أنشدني الحريري لنفسه في التاريخ المقدّم ذكره:
أما أنَّة لولا مححَّبة الخدرلما فضحت أيدي المدامع من سرِّي
وليل طرقت الحيَّ في بردة الدُّجىمنمنم برد الأفق بالأنجم الزُّهر
سريت إليها حين هوَّم قومهاكمثل حباب إستدار على خمر
تحيط بها بيض الصوارم والقناوأسد من الأبطال دامية الظفر
وثغر المنايا باسم عن أسنَّةويسفر عن خدٍّ من السَّيف محمرِّ
وقد برزت في حلة ذهبيَّةكما اشتبكت زهر النُّجوم على البدر
جنيت بها في جنَّة الحسن زهرهاًبمخصبة الأرداف مجدبة الخصر
لثمت بها هيفاء ريميَّة الطُّليمداميَّة الألمى حبابيَّة الثَّغر
ثم قال أبو البركات: هذا منقول من قول المعتمد محمد بن عبّاد – ملك الأندلس -:
/ ب/ وكم ليلهٍ قد بتُّ انعم جنحهابمخصبة الأرداف طيَّبة النَّشر
عاد شعر الطليطلي:
وبنتا يفرش الوصل ليلاً وفوقنالحاف فراش مزَّقته يد الهجر
وقد لاح وجه الصُّبح حسناً كأنَّهبشاشة وجه الملك ذي النَّائل الغمر
تبسَّم للقصَّاد جوداً وكفُّهتبسَّم فيها النَّصل عن مبسم الثَّغر
وللسف في يمناه لمح كأنَّهشهاب بها ينقضُّ أو قدر يجري
بحدَّيه أثار النَّجيع كأنَّهاشقائق نعمانٍ على ضفَّتي نهر
مليك يلوذ الملك منه بأصيدصقيل فرند الحمد والعرض والبشر
عليه يمين أن تجود يمينهيبذل اليد العذراء والفتكة البكر
بعزم يهدُّ الطود هدّاً ونجدهتهزُّ قدود السُّمر في كلل حمر
قال أبو البركات إلى هاهنا أنشدني ولم أسمعها منه. وأنشدته عنه قوله:
وذي قلم إن صال يوماً بكفِّهنسيت به فعل الردينيَّة السُّمر
/ أ/ بياض معانيه بسود سطورهيريك صباح الوصل في ليلة الهجر
لبيب فما تدري أرأياً لحادثيدِّبر أم سهماً إلى غرض بيري
يقسِّمه جود يفيض ودهمَّهفمن منهل غمر ومن جبلً وعر
رميت بامالي إليه وإنَّماحملت بها المرعى الجديب إلى القطر
وأنشدني أيضاً قال: أنشدني الحريزي لنفسه يمدح السلطان الملك الأشرف شاه أرمن مظفر الدين أبا الفتح موسى بن أبي بكر بن أيوب - رحمة الله تعالى -:
بسيوف عزمتك القضاء يصولومضاء بأسك في يديه نصول
لفرند سيفك من بهائك رونقبكليهما ماء الجلال يجول
قد حزت بأسك مع ندى لكليهماأبداً سيوف تنبري وسيول
فلقد ثنيت اللَّيث وهو فريسةولقد تركت الغيث وهو نحيل
ولئن ذكرت على العدا يوم الوغىمن ذكر كم نفس الكماة تسيل
/ ب/ ما لي وشرح خلالكم فخلالكمكالصُّبح لا بيغى عليه دليل
لكنَّ وصفك مفحم أهل النُّهىسَّيان فيه عالم وجهول
قال العدا ما لليود د وللندىفأجبتهم أخطاكم التَّحصيل
ما شقَّ موسى بحر جود للورىإلاَّ ليعبر فيه إسرائيل
وأنشدني أبو الفتح محمد بن أبي الخير بن أبي المعمرَّ بن إسماعيل التبريزي بإربل - رحمة الله تعالى - قال: أنشدني أبو زكريا يا بن سليمان الحريري لنفسه:
أرض سقت غيطانها أعطانهاوزهت على كثبانها قضبانها
سلبت فؤادي حورها ونحورهاوسطت بنا ولدانها ولدانها
ثملت بكأس عقارها أزهارهاحتَّى أغتدى حيرانها ريحانها
ولثن جلا آثارها آدارهافلقد حوى إحسانها نيسانها
والشمس بالحمل المنير تزينَّتلمَّا رأت ما زانها ميزانها
/ أ/ وكواعب سلت صوارم لحظهافكأنَّما أجفانها أجفانها
ولقد تلألأً درُّها بنحورهاوزها بجيد قيانها عقيانها
فتكت بالباب الكماة فسيفهامن طرفها وسنانها وسنانها
لم تبق شخصاً بالبسيطة سالماًإلاَّ سبى إنسانها إنسانها
خود نفور نافرت أقراطهارحلت بها خلانها خلانها
فاشرب بأرضٍ غازلتها مزنةفكأنَّما هتَّانها فتانها
فتعاشقت وتعانقت أفنانهاوتصافحت وتناوحت أغصانها
تصاخبت وتجاوبت أطيارهاوتداولت وتبادلت ألحانها
وتنسَّمت وتبسَّمت أيامهاوتهلَّلت ووتكلَّلت أزمانها
بمديرها ومنيرها ومجيرهاومعيوها حسناً جلاه عيانها
بحكيمها وعميمتا وكريمهاوزعيمها عقدت له تيجانها
دوح المنى عذب الجنى عالي السَّنى .. سحب الغنى يروى بها ظمانها
فتجدَّدت ببهائه أيَّامهاوتوطَّدت بعلائه أركانها
جادت يداه حيا نداه على النفر س وما أنجلى حتى أنجلى حرما نها
/ ب/ ليث الشرى غيث الورى نجم السُّرىنار القرى تعشو لها ضيفانها
فجماله أعماله ونوالهأمواله سؤاله خزَّانها
شهم غدا هدى الهدى إن أوقدانار النَّدى قلب العدا قربانها
بجنابه نشر الهدى راياتهفحكى قلوب عداته خفقانها
عزم سما، باري السّماء ماضي الشَّبامهما الظُّبا ليس الدُّمى غربانها
يا كاملاً بل فاضلاً يا فاعلاًما قصَّرت عن فعلة أعيانها
أنعم بعيد بل سعيد في مزيــد من أيادد أينعت أفنانها
لك في المآثر دولةً بل صولةبل جولة حاًز المدى فرسانها
يحيي بن عبد الله المَّرج بن درع بن الحسن بن الخضر بن حامد، أبو زكريا بن أبي القاسم التغلبي
قاضي تكريت، والمدرس بالمدرسة النظاميَّة.
إمام من أئمة المسلمين، ومن خيارهم.
كان فاضلاً عالماً كاملاً فقيهاً، شافعي المذهب قارئاً مفسراً نحوياً لغوياً عروضيا شاعراً أديباً مترسلاً، جامعاً لأشتات الفضائل، قيّماً يفتق المسائل أ/ اشتغل بتكريت على والده بحفظ القرآن العزيز والأدب، وشيء من الفقه. وبالحديثة على أبي محمد عبد الرحمان بن محمد البلخيّ.
ثم انحدر إلى بغداد فصحب الشيخ أبا النجيب السهروردي، والشيخ يوسف بن محمد الدمشقي والرضي أبا الخير أحمد بن إسماعيل القزويني، وقرأ إصلاح المنطق على الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن الخشاب النحوي، واشتغل مدَّة مقامه ببغداد؛ ثم عاد إلى تكريت.
وكان قد برز في علم الفقه والأدب، وولي قضاء تكريت مدَّة طويلة مع حسن سيرة واشتهار بالفضل والعفَّة والديانة والتفنن في العلوم. وكان يدرس ويفتي ويحكم؛ ثم استدعي من ديوان الخلافة إلى بغداد، وولي تدريس المدرسة النظامية، وذكر الدرس بها في يوم الأربعاء ثاني عشر ربيع الآخر من سنة سبع وستمائة.
ورد إليه النظر في الوقوف التي تختص بالمدرسة النظامية أيضاً، واستناب ولده الأكبر في تولي الوقف ولم يزل على التدريس بالنظامية ب/ إلى سنة أربة عشرة وستمائة فصرف عنها؛ وولي مكانة محيي الدين أبو عبد الله محمد بن يحيي بن فضلان البغداديُّ الفقيه الشافعي، فسكن القاضي رباط شيخ الشيوخ إلى أن توفي به، ولم يزل مقبلاً على الاشتغال بالعلم والعبادة على أحسن طريقة، وأجمل سيرة.
وكانت وفاته عشية الاثنين ثامن شهر رمضان سنة ست عشرة وستمائة. ودفن يوم الثلاثاء غربيها بمقبرة الشونيزية - رحمة الله تعالى -
وكانت ولادته بتكريت في مستهل المحرم منة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وتخرج به عالم كثير من التلامذة.
وكان شيخاً كيساً لطيفاً في محاورته، ظريفا في مجالسته، حسن الإيراد مليح العبارة، ذا وقار وسكينة وهيبة؛ وله من التصانيف كتاب "تفسير القران العزيز" ينيف على عشرين مجلداً، وكتاب "الحقير الناقع على مذهب إبن شافع" وكتاب أ/ "اللُّهنة في إزالة اللكنة" في النحو، وكتاب "التقريب في بضاعة الأديب" في صناعة الشعر، وكتاب في "العروض والقوافي"، وكتاب "الاختصاص في التاريخ الخاص" يدخل في ست مجلدات قصره على ذكر مشايخه الذين قرأ عليهم وتلامذته الذين قرأوا عليه، وأتبعه بذكر أقاربه وأهلة وأشعار ورسائل ومكاتبات إلى أصدقائه في المنظم والنثر وغير ذلك.
ومن شعره ما أنشدني ولده شرف الدين أبو محمد عبد الو هاب بن يس التكريتي بالموصل في سنة اثنتين وعشرين وستمائة - رحمة الله - من لفظة وحفظة، قال: أنشدنا والدي لنفسه هذه الأبيات كتبها في صدر رسالة طويلة أنفذها إلى بعض الكبراء:
ألمَّ وغربيب المدُّجنَّة مغدفخيال سليمى طارقاً يتعسَّف
نفانف لا يقطعن بالعيس كلَّمامضى نفنف منها تعرَّض نفنف
/ ب/ هجولاً تناصيها الهواجل ما بهاأنيس سوى جنٍّ تجول وتعرف
وربد وعور هادجات ونعبوبوم إذا ما جنَّه اللَّيل يهتف
وقد هاج صرٌّ والسَّماء عريةعشَّية ليل يومه ظلَّ ينطف
فساور عول البيد غير مخادرٍوناكر هول اللَّيل لا يتخوَّف
على حين حلَّ الحيُّ منها بواحفومن دونها مجهولة ليس تعرف
والت سليمي حلفةً ما تحلّهابأن لا تزال الدَّهر تجفو وتصدف
ونائي القلي شرُّ البعادين مطلباًلأن المطايا قطعة لا تكلَّف
فجاب الفلا بعد الفلا متعسَّفاًومن أين يدرى ما الفلا والتعسُّف
إلى مدنف مضًنى ليهنا رقاده .. وقد كاد يضنه الضَّنى والتَّأسف
براه الهوى حتَّى تنكَّر شخصهعلى النَّاس لولا أنه يتعرَّف
وما كان طمَّاحاً إلى وصل غادةولا شفَّه قدماً قوام مهفهف
ولكن سليمى حين مرَّت كأنهاًؤغزال بمنظور الصّريمة أهيف
ومنها قوله:
تكلَّف حبّا ثمَّ صار سجَّيةوأوّل أحوال المحب التكَّلف
/ أ/ وطال على ذي الهمَّ حتَّى كأنَّمابلا وسط ليل على اللَّيل يعطف
وأنشدني أيضاً من لفظة وحفظة وأملاه عليّ، قال: أنشدني والدي الإمام يحيي بن عبد الله لنفسه:
لأبد للمرء من ضيق ومن سعةومن سرور يؤاتيه ومن حزن
والله يطلب منه شكًر نعمتهمادام فيها ويبغًي الصبر في المحن
فكن مع الله في الحالين معتنقاًفرضيك هذين في سرٍّ وفي علن
فما على شدَّة يبقى الزمان فكنجلداً ولا نعمة تبقي على الزَّمن
وأنشدني أيضاً قال: أنشدني والآي وقد سئل عن حركة الأمر، فقال:
لألف الوصل ضروب تنحصرفي الفتح والضَّم وأخري تنكسر
فالفتح فيما كان من رباعينحو أجب يا زيد صوت الدَّاعي
/ ب/ والضَّمُّ فيما ضمَّ بعد الثانيمن فعلة المستقبل الزَّمان
والكسر فيما منه ما تخلَّىإن زاد عن أربعة أو قلاًّ
وأنشدني أبو نصر عبد الرحيم بن يحيي التكريتي ببغداد، قال: أنشدني والدي من شعره:
تأمل إذا قلت ماذا تقولفإنَّ لكل مقام مقالا
ولا تأت ما لست من أهلهفإنَّ لكلَّ رجالً ل نعالا
وسل إن سألت الَّذي يستطاعلتعطي وإلاَّ أضعتً السُّؤالا
وحاذ قريبك قبل البعيدفإن من الأهل داء عضالا
وأنشدني الشيخ العلامة الإمام الزاهد أبو سالم محمد بن طلحة بن محمد الفقيه الشافعي المدرس النصيبي العدوي يثغر حلب إملاء من لفظة وحفظة في شوال سنة أ/ اثنتين وأربعين وستمائة - أسعده الله تعالى - قال: أنشدني القاضي تاج الدين أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن المفّرج التغلبي التكريتي - رحمة الله تعالى - لنفسه ببغداد:
تعلَّم من ذوي الحكمــة وأعمل بفتاويهم
فقد قالوا لمن يرغــب في مثل مساعيهم
إذا سدت على قومــك علماً لا تقم فيهم
فإنَّ الحي لا يطربهم صوت مغنيهم
وأنشدني الشيخ العالم أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الموصلي الفقيه الشافعيُّ يحلب - أيده الله تعالى - قال: أنشدني ب/ القاضي الإمام أبو زكريا يس بن عبد الله التكريتي لنفسه من جملة مقطعاته:
لي في الربوع وما بهن أنيسقلب ودمع مطلق وحبيىس
هذا يد الأشواق تحلب درَّهولذاك من حرِّ الفراق وطيس
شكواي لو نفعت شكاتي فرقةأضنت وشوقي في الحشا موسوس
داءان ما اجتمعا لحيٍّ فانثنىحياً ولو د داواه جالينوس
وقال أيضاً:
عزائم صبري فرَّقتهاوألفت بيني وبين السُّهاد
وصيَّرتني مثلاً للأنامأداول ما بين حضر وبادي
فشهر وصالك طيف الخيالويوم صدودك يوم التَّنادي
وحسبك أنَّي على ما علمتإلى ما حكمت لسهل القياد
فقتلي حياتي إذا شئتهوعلمي بأنَّك راضٍ مرادي
وقال أيضاً:
هل لي على أن أسحَّ الدَّمع أعوانهذا الغوير وما بالدَّار سكَّان
/ أ/ ما أو حش الربع بعد الطاعنين وانتأنَّست فيه أطيار وغزلان
ترى يكون لعود الدَّار آهلةيوم وهل لاجتماع الشَّمل إَّبان
واخيبة السَّعي ما عندي سمحت بهوعزَّتي في الَّذي أبغيه وجدان
قف ساعة أيَّها الحادي فقد نشأتللقلب منِّي صبابات وأحزان
واسأل أثيلة سفح المنحني بهمفربمَّا اخبرت عنهم متي بانوا
قل للشَّموت توقَّع فرقةً أمماًإن نمت هوناً فصرف الدَّهر يقظان
فالمرء ما عاش تطويه وتنشره .. من الزَّمان مسرَّات وأحزان
يا راقداً وبقايا اللَّيل قد طويتإلي متى أنت بعد الصُّبح وسنان
حيران غيِّك أمسى فيك مهتدياًوالرُّشد عندك أضحى وهو حيران
تصرَّم العمر فاستدرك بقيَّته .. وفي التدارك إن حاولت إمكان
يحيي بن عبد الرزاق بن يحيي بن عامر بن شجاع بن كامل، أبو البقاء الكنانيُّ المقدسي الخطيب
كانت ولادته بأودلا قرية من قرى نابلس في جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. ونشأ ببيت ب/ المقدس - حمى الله حوزته - ونزل عقربا من الغوطة. وتولّي خطابتها سنين كثيرةً. وكان أبوه قبله خطيبها.
واستظهر الخطيب أبو البقاء القرآن المجيد، وقرأ طرفاً من الفقه على مذهب الإمام الشافعي ﵁ وسمع الحديث النبوي كثيراً وقرئ عليه ببغداد ودمشق وديار مصر. وأجاز لمن سمع منه، وله مشايخ يكثر تعدادهم. وأنشأ خطباً، ونظم شعراً. وكانت له منزلة لطيفة عند ملوك الشام بني أيوب ينفذونه إلي البلاد وأطرافها رسولاً.
وتوفي بدمشق حين حاصرها معين الدين بن شيخ الشيوخ نيابةً عن الملك
الصالح نجم الدين أبي الفتح أيوب بن محمد بن أبي بكر بن أيوب - سلطان الديار المصرية - وكان بها يومئذ الملك الصالح إسماعيل بن أبي بكر بن أيوب متغلباً ثامن عشر محرم سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ودفن بجبل قاسيون - رحمة الله تعالي _.
أنشدي أبو عبد الله محمد بن يحيي بن عبد الرزاق الدمشقي يحلب في المدرسة أ/ العصرونيَّة في ربيع الآخر سنة خمس وأربعين وستمائة، قال: أنقذ الملك الأمجد أبو المظفر بهرام شاه بن فرخشاه بن شهشاه بن أيوب - صاحب بعلبك - والدي ني رسالة إلى مدينة السلام في سنة اثنتين وعشرين وستمائة بهنيء الظاهر بأمر الله أبا نصر محمداً بتوليته الخلافة ويعّزي بوفاة والده الناصر لدين الله بعد إنشاء خطبة وتقديم كلام منثور، وقال: سمعتها من لفظ والدي وهو يوردها غير مرَّة، وأتبعها بهذه الأبيات:
جئت أعزَّي وأهنَّي معاًبالسَّالف الماضي والباقي
هماً إمامان فمذ غاب ذابدا لنا ذاك بإشراق
هم أمناء الله في أرضهلبيعه أو أخذ ميثاق
دام إمام الأرض فيها لناورحمة الله علي الَّراقي
يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن علىٍّ، أبو الحسين المصريُّ، المعروف ب/ بالجزار.
لم أسمع شعره إلاَّ من الصاحب الإمام أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه بحلب - أدام الله سعادته - لأنَّه لمَّا عاد قافلاً من ديار مصر إلى حلب في سنة ثمان وثلاثين وستمائة. وكان سافر إليها رسولاً من قبل السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف – خلَّدا الله ملكه – فاقام يها نحو ستة أشهر؛ فدخلت إليه مهنئاً بالقدوم والسلامة، وتجارينا في الأحاديث والمذاكرة.
ثم سألته عن من شاهد ولقي بتلك الديار من الشعراء الذين يشار إليهم ني الشعر المستجاد؛ فذكر لي جماعة كثيرة منهم هذا الجزّار الشاعر، وأثنى علي شعره، وتمكنه من استنباط المعاني اللطاف ووصفه بالشاعر البارع، وأنَّة لم يكن له نظير في زمانه، وذكره ذكراً جميلاً.
ثم أشار إلى بعض غلمانه فأتاه بكتاب فدنعه إليّ؛ ؟ وهو مجلد لطيف الحجم من أشعار الجزار سمَّاه أ/ "تقطيف الجَّزار" قد كتبه ناظمه خدمةً له وسمعه منه جميعه. يشتمل علي أغراض غريبة، ونكت طريفة من مديح وهجاء ومجون وهزل، وأغراض مختلفة النعوت والأوصاف ناستطرفته جداً، واقتضبت من أثنائه ما ينبغي أن يسطر ويثبت؛ فمن ذلك قوله يمدح أمير المؤمنين المستنصر بالله أبا جعفر المنصور بن محمد بن أحمد ﵁:
بمدائح المستنصر بن محَّمدنافست كلَّ مرجز ومقصَّد
خير الخلائف من بني العبَّاس قدورث الخلافة سيَّدا عن سيَّد
الله شرِّفه وشرَّف بيتهوحمي به دين النبَّي ومحمَّد
سل عنه آيات الكتاب تجد لهنبأ عظيما في العلا والسؤدد
وإذا غدا القاري ورجَّح مدحهأغناه عن ترجيح لحن المنشد
من معشر للدِّين والدُّنيا بهمشرف يروح به الفخار ويغتدي
ولكم أتينا فيهم من آيةولكم أتانا من حديث مسند
/ ب/ ما شكَّ في تفضيلهم إلاَّ امرؤبالغيَّ ضلَّ عن السَّبيل الأرشد
وكذاك أنَّ الشمس يطرف جفنهللعجز عنها كلُّ طرفٍ أرمد
ومنها يقول:
يا أبن الأئمَّة دعوةً من مادحنادى نداك على مدًى مستبعد
أملي يقربني إليك مع النوىيا من بذيل رجائه علقت يدي
أرجو نداك مع الخمول وربَّماكان الحيا حظَّ الحضيض الأوهد
واحسرتا لو أنَّ لي سبباً إلىذاك الحمى لأكون أوَّل منشد
ولئن أرى وجهي يعفَّر في ثرىًكالمسك مبثوثاً بفرق الفرقد
ولقد بعثت بها قصيداً لفظهاكالدُّرِّ إذ وافى بسلك منضّد
وجعلتها يوم الحساب ذخيرتيفاشهد بها عند ابن عمَّك في غد
وقال يمدح صدر الدين ابن القرميسيني:
بان اصطباري والكرى منذ بانبدر دجًى يحمله غصن بان
شاهده القلب وان كانقد غيِّب واستوحش منه العيان
/ أ/ لاقيت من بعد فراقي لهوجداً شجاعا بسلو جبان
ما ضره لو كان ن للصبِّ منخوف تجَّنيه عليه أمان
واحرَّ قلباه وللعين فيخدَّيه من حسنهما جنَّتان
في صدغه الآس وفي خدهِّ الــورد وفي مبسمه الأقحوان
أسكنته قلبي وفيه لظًيوالحور لا تسكن إلاَّ الجنان
له من الَّصدر مكان وللــصدر من العلياء أعلي مكان
العالم العامل والفاضل الــفاصل حكماً بوجيز البيان
والناظر اليقظان اغنته عنسود جفون اللَّحظ بيض الجفان
والكامل الفضل السَّريع النَّدىالوافر العرض البسيط البنان
عودِّ بسط الكفِّ حتَّى لقدعجبت منها عند قبض العنان
وخلقه ينبئك بالحسن عنأسرار أخلاق لديه حسان
ذو طلعة كالبدر في التمِّ بلكالشِّمس لولا هالة الطَّيلسان
لو جمع الرَّحمن شملي بهتفرَّقت عني صروف الزَّمان
وقال فيه أيضاً يمدحه:
/ ب/ أقبل مثل البدر في تمامهتحفُّه الهالة من لثامه
ومزَّقت انواره ثوب الدُّجىمذ اطلع الأنجم بابتسامة
وماس فاشتاقت غصون البان انتنقل ذاك اللِّين عن قوامه
أصمي قلوب العاشقين طرفهظلما بما فوَّق من سهامه
يا جفنه رفقاً بصب مدنفسقمك أضحى الأصل في سقامه
وأنت يا أعطافه هل عطفهًعلي مشوق القلب مستهامة
من لي بمن في خدِّه نار حياًفوق لهيب دام في اضطرامه
كم ليلة أسكرني بريقةاغنت بكأس الثغر عن مدامه
وبتُّ لا أجزع من حراسهإذ فرعه أبدي دجي ظلامه
وبيننا طيب عناق طالماألزمني شوقي بالتزامه
هذا هو العيش الَّذي وددت أنلو ساعد الدَّهر علي دوامه
تلك ليال بل لآل شرَّفتجيد زمان كنَّ في نظامه
كنت بها فًي لذَّة الأمن كماغدت رعايا الصَّدر في أيامه
الآمر النَّاهي الَّذي عزمتهتخدمها الهمَّة باهتمامه
/ أ/ والناظر اليقظان وجداً بالعلافاعذره إن اعرض عن منامة
صدر به لله سر مودعتذيعا الحكمة من أحكامه
عزائم ردَّ بها الأيام مناعو انه والدَّهر من خدّامة
ونقطة قد حصَّه الله بهاتوحي إليه الغيب من إلهامة
وسطوة لو نظر اللَّيث بهالأعمل الحيلة في إحجامه
وقال أيضاً وقد اكتسب بالشعر ثم عاد إلى الجزارة، فعاتبه على ذلك بعض أصحابه:
لا تلمني يا سيدي شرف الدِّيــن إذا ما رأيتني قصَّابا
كيف لا اشكر الجزارة ما عشــت حفاظاً وارفض الآدابا
وبها أضحت الكلاب ترجِّيــني وبالشعر كنت أرجو الكلابا
وقال أيضاً:
يا لقومي أنا من فقــري في أنحس حاله
/ ب/ حين آلى الدَّهر انَّــي لا أري من فيه آله
ضاق صدري وأضرَّتبي مع الفقر البطاله
وارى الآمال للمرء وإن لذَّت علاله
وأبي قد بات منَّييسأل الله الإقاله
ملَّني فقراً وإن كــان شفيعاً لا محاله
كلَّ يوم أطرق الخَّــباز منه بحواله
فرغت دكانه لوانها دار الوكاله
وقال غي رجل اسمة الوجيه طلب منه فصاً من الكتان ومطلة به:
طلبت من الكتان فمّا فجات لي الــوجيه بوعد عوَّض المن بالمين
إذا جئته يدعو عليه لسانهإذا قلت أين الفص، قال: علي عيني
وقو له في النجم بن عديسة، وقد ادعى الشعر ووالده يعرف بالمعلم:
/ أ/ ارى النجم نجل عليَّ غدايذكَّرنا من مضى قبلة
هو أبن المعلَّم عند الفخاروعند القريض هو الأبله
وقال أيضاً:
من منصفي من معشركثروا علي وكثَّروا
صادقتهم وارى الخروج من الصداقة يعسر
كالخطَّ يسهل في الطروس ومحوه متعذر
وإذا أردت كشتطهلكن ذاك يؤثر
وقال أيضاً:
إن كنت ممن راعني هجركمأو وصفت ذرعاً بتجنيكم
فلا أدام الله لي سلوةًوردَّد قلبي عاشقاً فيكم
وقال في أمرد يعرف بابن النعيم:
يا أبن نعيم دام ذَّمي لماسلكته من قبح منهاج
خالفت من رًّباك في فعلهإذا أنت دخَّال ابن خراَّج
/ ب/ وقال علي باب بعض الأمراء:
أمولاي ما من طباعي الخروجولكن تعلَّمته بالخمول
وصرت أروم لديك الغنيفيخرجني الضَّرب عند الدُّخول
وله في مسلماني لا يبرح في يده كتاب:
قالوا: النُّعيل وان تبيَّن غيُّهللعالمين وغاب عنهم رشده
يمشى وفي يده كتاب قلَّماعلم أمرؤ في حملة ما قصده
فأجبتهم لا تعجبوا من فعلةفأبوه من أهل الكتاب وجدُّه
وكتب إلى شرف العلا هاشم بن الأشرف العلوي:
شرفت بك العلياء يا شرف العلالمَّا علوت بها جميع العالم
والكامل الملك ارتضاك لعزمةأغنته عن سمر وبيض صوارم
فاحرس برأيك مجد دولتة الَّذيًمذ شدته لا يستطيع لهادم
فاجمع به شمل الفخار فإنَّمابمحمد كمل الفخار لهاشم
/ أ/ وكتب إليه وقد أمر له بغلَّة فوجدها قديمة:
كتبت لنا بذاك البرِّ برًّاًوقصد في الثَّناء وفي الثَّواب
فكدَّر صفوه الكيَّال حتَّىبقينا منه في عجب عجاب
وجدناه عتيقا وارتضينابه إذ [عاد] وهو أبو تراب
وأخبرني الصاحب الإمام أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله العقيلي الفقيه الحنفي المدرس – أيده الله تعالى – بحلب، قال: كنت بالقاهرة جالساً في المنزل الذي نزلت به في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وستمائة. وكان قد أهدي إلي السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن محمد بن أبي بكر رطباً جاءه من قوص هدية مع المفرد الذي يصل ببشارة النيل ب/ وكان الأديب أبو الحسين الجزار حاضرا قد جاء في، وقد قرب رحيلي عن القاهرة يشكو إلي ما يجده من الوحشة لقرب الفراق،
فقدمت للجماعة شيئا من ذلك الرطب، فارتجل أبو الحسين الجزار بيتين وهما:
أطعمتنا التَّمر الَّذيللبركات قد حوي
لله ما أطيبهلو لم تشبه بالنَّوي
وكتب للأمير شرف الدين يعقوب سأله عن المجد وكيل الأمير سيف الدين علي بن قليج:
سيدي أنت هل أتأك من المجــد لذاك الحديث عنَّب جواب
أو تناسى أمري وحاشا معاليهفيسري إليَّ منه عتاب
/ أ/ أدركوني فبي من البردوهمليس ينسى وفي حشاي التهاب
البستني الأطماع وهما فها جســمي عار ولي فريً وثياب
كلما أزرقَّ لون جسمي من البرد تخيَّلت أنَّه سنجاب
وأنشد الأمير شرف الدين يعقوب، وقد مطلة بوعد:
يا أيها المولى الَّذي لندىكفَّيه كلُّ الجود منسوب
لا غرو أن أصبحت تأمر بالــصبر الجميل وأنت يعقوب
وقال أيضاً:
أنا في راحة من الآمالأين من همَّتي بلوغ المعالي
لي عجز أراح قلبي من الهــم ومن طول فكرتي في المحال
طاب عيشي والحمد لله إذ كنــن له حامداً علي كلَّ حال
ما لباس الحريرير مما أرجَّيــه فيرجي ولا كوب البغال
راحة السرَّ في التخلَّف عن كــلَّ محل أضحى بعيد المنال
إنَّ عزَّ الإنسان في تركه العــزَّ لذُّل في مبتدى الأحوال
/ ب/ يا معيني على الزَّمان أعنِّيفلقد قلَّ عن سطاه احتمالي
كل يوم أسعي ولكن بلا نفــع فسيَّان فرغتي واشتغالي
عملي دائم ولي سيرة في الدَّهر تروي كسيرة البطَّال
وقال في صدر الدين بن القرميسيني: [امن الكامل]
والقصر إن عداك في العصروقد انتهوا لبداية الحشر
ظلموا فما ابقوا لهم وزاًينجي ولا سلموا من الوزو
كفروا صنائعك الَّتي أشتهرتفيهم فتلك عقوبة الكفر
ظهروا لنورك وهو شمس ضحًىفتضاءلوا كتضاءل الذَّرً
مكروا وفد الإله بهمشتَّان بين المكر والمكر
دعهم فلا برح التَّغابن منحسد يواصلهم إلى الحشر
وأنشد إذا ما زرت تربتهممتكتَّماً في السِّر والجهر
ماتوا بغيضهم وما ظفروابمرادهم واضيعه العمر
تالله ما أخَّرت مدَّتهمإلاَّ لكسب مثوبه الصَّبر
/ أ/ زلرأفة ردَّت سطاك بكــفِّ الحلم عند النِّهي والأمر
ومن العجائب كونهم جهلواأنَّ العلوم وديعة الصَّدر
لله درك كلُّ ممتدحلعلاك قد ضاهى آبا ذر ٍّ
لولا أخاف الله قلت لمنيروي مديحك أتل يا مقري
حجت لك العافون فازدحمواكتزاحم الآمال في الفكر
نالوا المنى بمنى جنابك فاخــتاروا المقام بها عن النَّفر
وقال أيضاً:
إفعل ما أنت أهلهيا من لديه الفضل كلًّه
يا حاكما عمَّ الرَّعيــة بعد ظلم الغير عدله
يا من تشرَّفت المحلَّــة إذا غدا فيها محله
مولاي لا تبد اشتغالا عن محبٍّ أنت شغله
ضاقت عليه يا رجيبالصدر منذ رحلت سبله
كفرت به الأصحاب إذألأوارقه بالشٍّعر رسله
وتباعدت عن قربهأخوانه وجفاه أهله
/ ب/ وإلي متي طمعا يصرِّف جدَّ هذا الوقت هزله
ما بين قوم لا يعـ ـزم عليهم في الدَّهر ذلُّه
وإذا ارتضي الإنسان يوما بالخمول فأين فضله
مولاي صدر الدَّين يامن فرعه زاك وأصله
يا منعماً عم الوريفي الدَّهر نائله وبذله
بك في الزَّمان المسغاث من الزَّمان أشتد محله
مولاي دعوة من غدامتبدِّداً مذ غبت شمله
يدعوك لما أن تناقص صبره وازداد خبله
فأجره من زمن يرام نداه والمعهود بخله
زمن مدامعه المدامه فيه والزفرات نقله
وتباً لعيش قد تنغَّــص شربه فيه وأكله
ولباسه خلق تبــرا كفُّه منه وشلُّه
وغدا دروزا مقناًيالغاش والخيَّاط قمله
فهو الصَّحيح وإنَّماجلدي المفتَّق منه كلُّه
/ أ/ فأجر غلامك من زمان قد اناخ عليه كلُّه
وانظر إليه فرأسهبالبرد مضرور ورجله
باع العمامة والشمشكفغلوه عار وسفله
هذا القران به تعكَّــس نجمه فغدا يضلُّه
فمر الزَّمان فعقدهفي أيدي مولانا وحلُّه
وقال يمدح الإسكندرية:
أرى الإسكندرية ذات حسنبديع ما عليه من مزيد
هي الثغر الذي يبدي ابتساماًلتقبيل العفاة من الوفود
إذا وافيتها لم تبق همّافقلبك مذيراها من بعيد
حللت [بطاهر] منها كأنَّيحللت إذا بجنَّات الخلود
فلا بئر معطَّلة وكم قدرأيت هناك من قصر مشيد
بياض يملا الآفاق نوراًيبشر برقة بسحاب جود
وأقسم لو رأتها مصر يوماًلكادت أن تغيب عن الوجود
/ ب/ وكم قصر بها أضحى كحصنمنيع لا كزرب من جريد
يرص فصوصه بانية رصّاًيفضَّله علًى نظم العقود
لها سور إذا لاقى الأعادييقاتلهم بوجه من حديد
هو الفلك استدار بها وكم قدرأينا فيه من برج سعيد
أحاط بسورها بحر أجاجومنهل أهلها عذب الورود
وحسبك أنَّ صدر الدَّين فيهاوذا من مدحها بيت القصيد
هم السادات لا يرجى ويخشىسواهم عند وعد أو وعيد
إمام جلَّ قدراً أن يهنىَّبشهر أوً بعشر أو بعيد
وله من قصيدة كتبها إليه أيضاً:
بذل وجهي إلاَّ لمثلك بذلهواعتزازي إلاَّ بجاهك ذلَّه
يا جوادا سحاب كفَّيه بالجود على كل قاصد مستهلَّه
والَّذي لو رآه في دسته الفضــل بن يحيي لجاء يطلب فضله
لك نيل قد اخجل النَّيل جوداوغدا دونه الفرات ودجله
ومنها قوله:
/ أ/ يا أمينا قد زاده الله مجداًدون هذا الورى وعلى محلَّة
لي نصفيَّة بعد من العمرسنيناً غسلتها ألف غسله
لا تسلني عن مشتراها ففيهامنذ فصلتها نشاء بجمله
نشَّف الرِّيح صدرها ورآهاكل يوم تشكو هواءً ونزلة
ظلمتها الأيّام حكما فأضحتفي العذاب الأليم من غير زلَّه
كل يوم يحوطها الدَّقُّوالعصر مراراً وما تقرُّ بعمله
وهي تعتلُّ كلَّما غسَّلوهاويزيل النَّشاء تلك العلَّة
أين عيشي بها القديم وذاك الــنتق فيها وخطرتي والشمله
حيث لا في أجنابها رقعة قــطُّ ولا في أكمامها قطُّ وصله
قال لي الناس حين أطنبت فيها:بسَّ أكثرت خلَّها وهي بقلة
فسير له صدر الدين بن القرميسيني نصفيَّة وملبوساً فكتب إليه:
أشكر مولانا ونصفيَّتيتشكره أكثر من شكري
أراحها جدواه من كلِّ مايسكن من دقٍ ومن عصر
/ ب/ كم ليلة كادت مع الماء إذيغسلها غسَّالها تجري
وقال يمدح القاضي زين الدين ابن الزبير:
بانت وقد كلَّفتها توديعيما بين فيض جوى وفيض دموع
وتجلَّدت للبين مثل تجلُّديوالنَّار حشو ضلوعها وضلوعي
ولكم تعلَّلها مواعيد المنىمنِّي عن المرئيِّ والمسموع
قالت: ذممت البين، قلت لها: عسىأن تشكري عقباه عند رجوعي
وقال أيضاً:
إني لمن معشر سفك الدماء لهمداب وسل عنهم إن رمت تصديقي
تبيت أنعامهم مفهم على وجلإذ شملها بهم يفضي لتفريق
تزداد بالدَّمِّ إشراقاً عراصهمفكلُّ أيامهم أيَّام تشريق
وقال يمدح الأجل العدل شرف الدين أبا حامد محمد بن علي بن سعيد بن أبي جرادة الحلبي العقيلي:
/ أ/ لازم قلبي كمدهوبان عنِّي جلده
وطال عمر اللَّيل حــتَّي قلت قد مات غده
وارحمتا لعاشقفي الحبَّ ذابت كبده
يستنجد الدمع إذاًلم يلق من يستنجده
إلى متى يقيمهحكم الهوى ويقعده
ما يصنع العبد إذا جار عليه سيَّده
لا يستطيع البطش في الشِّــدَّة من غلَّت يده
يا عاذلي عنِّي فكمسهرت ليلاً ترقده
هيهات أن تدري بمايلقي العليل عوده
يا بأبي الغصن الَّذييعجبني تأوُّده
تغبطه شمس الضحيوالبدر امسي يحسده
ذو مبسم أحسن فيتنضيده منضَّده
وريقه عذب ولــكن أين منَّي مورده
/ ب/ وخده مورَّديا حبَّذا مورَّده
يصدُّني عن لثمهإذا رنا مهنَّده
لحظ يسل أبيضاًعلي القلوب أسوده
إلي متا ينالنيمن كل دهر نكده
لم يبق في الخلق فتييغرُّني تودًّده
قد عدم الَّديق في الــدُّنيا فمن ذا يجده
إنَّ السَّعيد من غداوهو قليل عدده
فربما لارمي الفتيفي الموبقات ولده
وإنَّ مثلي في الوريلم يخل ممن يحسده
وهكذا من شرف الــدَّين الأجل يعضده
أي كريم لم يزلنشكره ونحمده
ولم يخب في الدَّهر منيؤمُّه ويقصده
تروي حديث الجود عنبنانه ونسنده
كم مسلم حققهاأنَّه محمده
/ أ/ وعزمه لا يتناهي في المعالي أمده
فبيته قد نصبتعلي الثريا عمده
لقد زكت أصولهفينا وطاب مولده
وقد سمت فخراً بهعلي البلاد بلده
ذو راحة هان بهالجنينه وعسجده
وطالما عزَّ بذا الــهوان من يسترفده
ولفظه الدُّرُّ إذاحرَّره منتقده
فطرسه بخطِّهكالرَّوض والغيث يده
فإن حسبت أنَّهسحر فأين عقده
ذو قلم كالسهم فينحر العدا يسدده
يهزه كالمشرفــيِّ هزَّه مجرده
ما درَّ يوماً نفسهإلاَّ تبدَّت زبده
فلو تراءي لأبن عبَّــاد لكان يعبده
ما ضلَّ عاف في دياجي الخطب وهو مرشده
/ ب/ كلاَّ ولم يشق فتيفي الدَّهر وهو يسعده
يا أبن الذَّين فضلهميتعب من يعدده
ومن غدا بينهمليس يرام سؤدده
يا من غدت فروعهطيَّبةً ومحتده
مولاي يدعوك فتًىقد خانة تجلًّده
هيهات أن يقوم يوماً بالقوافي أوده
ضاع القريض فهو لاينشده بل ينشده
ما بال هذا الدَّهر لاينجز يوما موعده
مولاي لي حقٌّ ومدحي قد غدا يؤكَّده
ومن غدوت قصده .. ليس يخيب مقصده
وقال فيه أيضاً:
هب خاطري العفر إن شحت غمائمهما كلُّ وقت يجيد الشِّعر ناظمة
وطالما ركدت ريح الصَّبا سحراًلدي الأراك ولًم تسجع حمائمه
ورَّبما جاد خدٍّ النور دمع حياًفوق الغصون وما شقَّت كمائمه
/ أ/ لا يمكن المرء أن يمشي على سننوإن غدا الرشد لا تخفى معالمه
قد يكتم السر من لم يخفه أبداًعن الرجال وقد يفشيه كاتمة
يسالم الدهر من أضحى يحاربهكما يحارب من أضحى يسالمه
وقد يكون رفيع القدر جاهلةكما يكون وضيع القدر عالمة
أشكو إلى الله دهراً ليس ينصفنيوكيف ينصف من ذا الدَّهر حاكمة
كم ذا أذُّل قريضا بتُّ أحملهجهلاً إلى باب من عزَّت دراهمه
لولا ضرورات دهري كان ما درهقد استوى اليوم في عيني وحاتمة
بار القريض بمصر اليوم فهو إذااعرضته عن شَّاريه وسائمة
لو قدر الله أن آتي الشَّام بهما أسلمتني إلى دهري عواصمه
وكنت أدرك ما ارجوه بابن أبيجرادة حسب آمالي مكارمه
عليك يا شرف الدَّين اعتماد فتىيشكو لك الدَّهر إذ عمَّت مظالمه
/ ب/بسم الله الرحمن الرحيم
[تتمة حرف الياء]
[تتمة ذكر من اسمه يحيى]
يحيى بن عبد القاهر بن علوي بن عبد القاهر بن علويِّ بن الحسن بن عبد الحميد بن عبد العزيز بن عبد المجيد بن المهنَّا بن زيد بن الرشيد بن عبد الرحمن بن المهنا بن صدقة بن محمد بن صدقة بن عويمر بن الحر بن فهم بن تيم اللات، أبو سالمٍ بن أبي المكارم التنوخيُّ.
من أهل معرَّة النعمان المعروف والده بابن خصا البغل.
وذكر والده ثابت في كتاب "تحفة الكبراء".
ووالده هذا كان يعرف صدراً صالحاً من علم العربيَّة، وتصدر لإفادتها بالمسجد الجامع بحلب يجرى عليه رزقٌ لذلك، ولم يزل مقيماً بحلب إلى أن توفي يوم الأربعاء تاسع شوال سنة أربعين وستمائة.
أنشدني لنفسه يمدح الملك العزيز غياث الدين محمد بن غازي بن يوسف- رحمه الله تعالى- من قصيدة طويلة أولها:
/ أ/ لا كان بعدك لي حبيب ثانيفي النَّاس ومنزل القرآن
والمرء أكثر ما يود لعينهاليمنى وحقِّك إنَّك العينان!
بي أنت من رشأ حفظت ودادهفأضاعني وأطعته فعصاني
يغضي الجفون على ظباً من أجلهايكفي عن الأغماد بالأجفان
ويهزُّ من ترف النَّعيم قوامهمرَّ النَّسيم نواعم الأغصان
فكأنَّ بهجة وجهه في قدِّهبدر التَّمام على قضيب البان
رام العواذل سلوتى عن حبِّهوالمستحيل عن الهوى سلواني
سقمي أمان صحَّة الدَّعوى علىألمي وشأني مخبر عن شاني
سهمٌ رماني من سهام جفونهعن قوس حاجبه فما أخطاني
عجباً لنار أسيله في مائهيصلي وكيف توافق الضِّدان
ولقدِّه الفتَّان لهدم صدرهمن لحظه الوسنان حد سنان
من منصفي من سورة الجاني الَّذي حكم الغرام إليه قد الجاني
سارقته نظر المريب محييافازورَّ واستحيا وما حياَّني
فأماتني إعراضه عنِّ ولوحيَّا بمثل تحيَّتي أحياني
/ ب/ يا قاتلي بمدى الصدود وتاركيذا مقلة عبرى وقلب عاني
ومكلِّفى حمل الصبابة والأسىومطلِّهي بالصَّدِّ والهجران
أعباء وجد لو تحمَّل بعضهارضوى لأوهته فما جثماني
فيمن منعت مدامعي أن ترتقيمن موق أجفاني فما أجفاني
ومن بعد أبيات كثيرة:
هلا انضويت إلى جناب محمد الــملك العزيز القاهر السُّلطان
ملك ملائكة السَّماء جنودهوملاذة بالواحد الدَّيان
يمِّمه متنمياً إليه ولذبهوغناك في دركي وتحت ضماني
أنا من تبصَّره وراز خلالهفرأيت كلَّ النَّاس من إنسان
وأنشدني أيضاً من شعره:
هل جاء في شرعٍ وفي مذهبٍحلُّ دم الصبِّ لهذا الصَّبي
هذا وقد زرفن أصداغهفقلت لاح البدر في العقرب
مجرِّداً من جفنه صارماًكم شقَّ من قلبٍ ولم يضرب
يستعذب التَّعذيب منه ولولا الحب لم يحل ولم يعذب
/ أ/ شكوت ما ألقاه من حبهإلى تجنِّيه فلم يعب بي
أمات صبري ثمَّ أحيا الهوىشوقاً فآمنت بعيسى النَّبي
لو زارني من هام قلب بهمختفيا في ظلِّه الغيهب
لثمته ألفا ونلت المنىمنه ومن معسوله الأشنب
لم أنس لما سمته وصلهفقال: يا أطمع من أشعب
فقلت: عده، قال: ميعادهأن تطلع الشَّمس من المغرب
أحبابنا ما لذَّلي مطعميولا حلالي بعدكم مشربي
وليس عن حبكم معدلبلى إليكم منكم مهربي
ديني هواكم واعتقادي ولاكم وحبِّي لكم مذهبي
عاقبتموني بجفاُكموما كنت له منكم بمستوجب
وبئس في الإنصاف والعدل أِّنيعاقب العبد ولم يذنب
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من المسرح]
يا صاحب الحكم والقضاء ومنلا حيف في حكمه ولا جنف
قل لي: لماذا وقيت كل أذىعلَّي على ما جهلته أقف
/ ب/ قسمت "لا" بيننا فلي الــلاَّم إن قمت ولابن المرصَّص الألف
أو فلماذا تحلُّه الصَّدر والسَّــفله من شأن مثله الطَّرف
فضيلةٌ ما لديه ترفعهبها على غيره فيعترف
أم أجل شعر فالشِّعر مشتركٌوالفضل فيما عداه مختلف
تسعى إليًه تظنُّه عمل الــصِّين ولا شكَّ أنَّه خزف
واخبر النَّاس سل حالهمفالزَّيف عند المحكِّ ينكشف
فأنت من قد فشت مناقبهوأنت من بالسَّخاء متَّصف
من عنصر فاخر له سلفٌمن بعدهم أنت حبَّذا الخلف
وأبق سعيًد الجدود ما طلعتشمس نهار وما دجت سدف
يحيى بن عبد الواحد بن عمر بن يحيى الأمير، أبو زكريا بن أبي محمد الهنتاتيُّ.
ملك أفريقية.
ذكره صاحب "الدرة الفائقة في محاسن الأفارقة"، وأثنى عليه جميلاً، وقال عقيب ترجمة أبيه الشيخ أبي محمد: ومنهم ولده الطاهر النجيب الزكي الأريب السلطان الأعظم أ/ الملك المؤيد المعان المنصور المظفر، لم يرث المجد عن كلالة، ولا كأن الملك خلق إلَّا له. هيبة تنسف الجبال نسفاً. ورحمة تسع أهل الأرض حنانًا وعطفًا، وشجاعة ينثني بها الدهر عن عزائمه، وصرامة بطلت ملك الموت السلامة من صوارمه. مع ذكاء كالنار، وخلق ألين من الماء الحار، وأدب أغض من الرياض، ونظم ونثر أسحر من الحدق المراض.
أما أفريقية وقد نجم فيها النفاق، وقامت الفتنة على ساق، وخلت من الأموال والرجال، وريع فيها في الخدور ربات الحجال. فآمن من سربها وأزال خوفها وجدبها، وأعاد فيها وضرب بعربها بربرها وببربرها عربها؛ حتى فرح بعضهم ببعض وجعل الذئاب والنَّقد ترد في حوض، وجند الأجناد ورتب بين الملك، وبسط على تخوم المشرق يده اليمنى وعلى تخوم المغرب يده الشمال، فأمن السُّبل خمن باب تونس إلى ثغر الإسكندرية غاية الأمان، وقطع دابر المفسدين عرضًا من تونس إلى أبواب تلمسان؛ فدانت له البربر ب/ والعرب؛ وهما المتمرّدان على الملوك في القديم والحديث من الزمان وصارت الأندلس تستصرخه والمغرب الأقصى يطلب منه الأمان.
ثم أنشدني من خمريّاته:
وضعت في الزُّجاج فالتهبتوكسته برقًا من اللَّهب
وعلا فوقها الحباب فلمتبصر العين مثل ذا العجب
ضرم النَّار فوقه بردٌكائنٌ عنه منه في النَّسب
مثل درِّ الجمان نظَّمهناظمٌ فوق عسجد الذَّهب
وقال أيضًا:
حنانيك رفقًا كم تطيل صبابتيوتقدح ناراً في الفؤاد مضرّما
وتذكى غرامًا أوهن الصَّبر حملهوقلبًا رهينًا بالصَّبابة مغرما
تقطَّع وجدًا إذا تنفَّس زفرةًفأسبل دمعًا هامي السَّكب مثجما
أأحبابنا بالجزع والعيس معرقٌوحبل اتِّصال الوصل منكم تصرَّما
أجدُّكما هل للمشوق لديكماتعلُّل ذكر بالخيال فينعما
وهل تذكران العهد والعهد نازحٌوأيَّامنا بالوصل عقداً منظَّما
/ أ/ أمالكتي قلب العميد تعطَّفاوساكنتي ربع الضلوع ترحَّما
على هائم أعياه حمل غرامهواعقبه فرط الغرام تألُّما
فلم يبق فيه البين إلَّا تنفسًاولم يبق منه الشَّوق إلَّا توهُّما
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع