تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)

الفقيه الحافظ القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض رحمه الله تعالى

جاء على قدر وسبق إلى نيل المعالي وابتدار، واستيقظ لها والناس نيام، وورد ماؤها وهم حيام، وتلا من المعارف ما أشكل، وأقدم على ما أحجم عنه سواه ونكل فتحلت به العلوم نحور، وتجلت له منها حور، كأنهن الياقوت والمرجان، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، قد ألحفته الأصالة رداءها، وسقته أنداءها، وألقت إليه الرياسة أقاليدها، وملكته طريفها وتليدها، فبذ على فتائه الكهول سكونا وحلما، وسبقهم معرفة وعلما، وأزرت محاسنه بالبدر اللياح، وسرت فضائله سري الريا، فتشوفت لعلاه الأقطار، ووكفت تحكي نداه المطار، وهو على اعتنائه بعلوم الرشيعة، واختصاصه بهذه الرتبة الرفيعة،

يعني بإقامة أود الأدب، وينسل غليه أربابه من كل حدي، إلى سكون ووقار كما سار الطود، وجمال مجلس كما حليت الخود، وعفاف وصون، ما علمنا فسادا بعد الكون، وبهاء لو رأته الشمس ما باهت بأضواء وخفر، ولو كان للصبح ما لاح ولا أسفر، وقد أثبت من كلامه البديع الألفاظ والأغراض، ما هو اسحر من العيون النجل والجفون المراض فمن ذلك رقعه حملنيها تحية للرئيس أبي عبد الرحمن بن طاهر ﵀ وهي، عمادي أبا نصر، مثني الوزارة ووحيد العصر، هل لك في منة تفوت الحصر، تخف محملا، وتبلغ أملا، وتشكر قولا وعملا، شكرا تترنم به الحداة ورمى، إذا بلغت الحضرة العلية مستلما، ولقيت الطاهر بن طاهر فخر الوزارة مسلما، وحلت من فنائه الأرحب حرما، ولمست بمصافحته ركن المجد يندى كرما، فقف شوقي بعرفات تلك المعارف، وانسك شكري بمشاعر تلك العوارف، واطف أكباري بكعبة ذاك الجلال سبعا وبوء لوادي في مقر ذلك الكمال ربعا، وأبلغ عني تلك الفضائل سلاما، يلئم بصريح الحب والتئاما، ويحسن عني بظهر الغيب مقاما، ويسير عني بارح الجد أنجادا واتهاما، وله مراجعا عن كتابين كتبتهما إليه معاتباً له. طويل

أبا النصران شدّوا رحالك للنوىفإنّ جميل الصبر عنك بها شدّوا
وأن تتركوا قلبي مقيما وترحلوافماذا ترى في مهجة معكم تغدوا

وله فصل من رسالة في جانبي، في علمك، سدد الله علا حكمك ما جمعه فلان من جلائل، تشد عن الحصر، وفضائل يعترف له بها نبهاء العصر، يقول: فيختلس العقول ويعن، فيذهل الألباب ويحن، أن نظم فعبيد، أو لبيد، أو نثر فعبد الحميد، أو ابن العميد، أوصال فأبو نعامة، أو أنال فكعب بن مامة، وا فاخر فشجرة سيادة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وا ذاكر فبحر معارف لا تكدره الدلاء، إلى همة تصفع هامه الثريا، وعزة تمتهن الفضل بن يحيى ولهجة تخرس العجاج، وبهجة تزري بنصر بن حجاج، ولو كنت ابن أبي هالة، لما بلغت المنتهى له، على أني لم أنبه لشأنه ذا جهالة، لكنه الكلام يطرد والبداية حسب ما ترد واللسان ينطق ملْ فيه والجبان يرشح بما فيه، ومن شعره قوله. طويل

عسى تعزف العلياء ذنبي إلى الدهرِفأبدي له جهد اعترافي أو عذري
وقد حال ما بيني وبين أحبّهألفتهم ألف الخمائل للقطرِ
همُ أودعوا قلبي تباريح لوعةفنأيهم أذكى وأنكى من الجمرِ
على أنّ لي سلوى بانّ فراقهموأن طال لم يمزج بصدّ ولا هجرِ
سأفزع للريح الشمال لعلّنيأحمّلها نجوى تلجلج في صدريِ
تبلّع منها للوزير تحيّةمعطرّة الأرجاء دائمة البشرِ
تظلله من حرّ كلّ هجيرةوتونسه في وحشة البلد القفرِ
وتنبئه أنّي أكنّ صبابهلحسن بدا في غير شعر ولا شعرِ
أهزّ بها عطفيّ من غير نشوةوأرخي بها ذيلا من التيه والكبرِ
وأنّي أشدو في النوادي بذكرهكما شدت الورقاء في الغصن النضرِ
أجل وعساها أن تبلّغ مهجتيفأبلي بها عذري وأقضي بها نذري

وله في خامات زرع بينها شقائق نعمان هبت عليه ريح. سريع

انظر إلى الزرع وخاماتهاحكي وقد ماست أمام الرياح
للشاعر القاضي عياض، اقرأ القصيدة
كتابيا تجفل مهزومةشقائق النعمان فيها جراح

وله فصل من رسالة راجع بها، وصلت لمعظمي قرب الجلال، وزهيت به رتب الكمال، وحامت على مشرع مجده العذب طيور الآمال، وغصت أفنية جنابه الرحب بوفود الإقبال، ولا غرو أعزك الله أن من لاحظ من أثار فضلك الرائقة لحظة، أو حظي من سماع محاسنك الرائعة ولو بلفظة، أن تسير به همته في لقائك واحداً، وتعتسف الطرق إلى ورد جلالك وافداً حتى يشاهد الكمال لم يحوج إلى نقص، وليس لله بمستنكر أن يجمع العالم في شخص، وله عند ارتحاله عن حاضرة قرطبة. طويل

أقول وقد جدّ ارتجالي وغرّدتحداتي وزمت للفراق ركائبي
وقد غمصت من كثرة الدمع مقلتيوصارت هواء من فؤادي ترائبي
ولم تبق إلاّ وقفة يستحثّهاوداعي للأحباب لا للحبائبِ

رعى الله جيرانا بقرطبة العلى=وسقى رباها بالعهاد السواكبِ

وحيّى زمانا بينهم قد الفتهطليق المحيّا مستلين الجوانبِ
أأخواننا بالله فيها تذكروامعاهد جار أو مودّة صاحب
غدوت بهم من برّهم واحتفائهمكأنّي في أهلي وبين أقاربي
للشاعر القاضي عياض، اقرأ القصيدة

وله في المتشابه. متقارب

إذا ما نشرت بساط ابتساطفعنه فديتك فاطو المزاحا
فإنّ المزاح كما قد حكىأولو العلم قبل عن العلم زاحا

وله في فصل من رسالة، لا بد لكل حين من بنين يجلون عاطله، ويجلون فضائله، ولكل محال، من رجال، يقومون بأعبائه، ويهيمون في كل واد بأنبائه، ولئن كانت جمرة الدب خامدة، وجذوته هامدة، ولسانه حصير، وأنسانه حسير، فلن يخليه الله من هلال يطلع، فيشرق بسمائه بدار، وزلال ينبع فيغدق بفضائه بحرا، وشبل يشدو فيزار من غابه ليثا، وطل يبدو، فيمطر من ربابه غيثا، ومن شعره. متقارب

لك الخير عندي لذاك النزاعِعقل يهيم وقلب يراعُ
يعزّ علينا تنأي الدياروذاك سلامك لي والوداعُ
لكم أمل لي في اللقاءوأمنية قد طواها الزماعُ
فلم أجن منها سوى حسرةفوجد جميع وانس شعاعَ
لئن حّمل القلب ما لا يطاقفما كلّف الجفن لا يستطاعُ

وخرجنا لنزهة فلما أنصرفنا أصاب غفارتي شوك شقها فلما وصلت موضعي أمر أن أبعثها إليه، مع أحد عبيده المتصرفين بين يديه، فلما كان من الغد تأخر صرفها، وحضرت الجمعة فكتبت إليه معاتباًَ في توقفها، قد بقيت أعزك الله كالأسير، ولقيت التوحش بجناح كسير، أن أردت النهوض لم ننهض، وليت من لا بريش لم يهض، وقد غدوت من المقام، في مثل السقام، فلتأمر بردها، لعلي احضر الصلوة وأشهدها، لا زلت سريا تطلق من يد الوحشة بريا، أن شاء الله فراجعني أدام الله ياوليي جلالك، وأبقى حليا في جيد الدهر خلالك الفغارة عند من ينظر فيها، وقد بلغت غير مضيع تلافيها، ويرجى تمامها قبل الصلوة وادراكها، وتصل مع رسولي وكأنما قد شراكها، وان عاق عائق، فليس مع صحة الود مضائق، والعوض رائق لايق، وهو واصل وأنت بقبوله مواصل، والسلام ما در شارق، وومض بارق.

النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الثالث من قلائد العقيان، ومحاسن الأعيان

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.