من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الفقيه القاضي أبو الحسن بن زنباع رحمه الله تعالى
ملئ حياء، وقنئ استحياء، طود سكون ووقار، وروضة نباهة يانعة الأزهار،
وسمت صفحات المهارق غرره، وانتظمت بلبات المغارب والمشارق درره، أن نطق رأيت البيان منسربا من لسانه، والإحسان منتسبا لإحسانه، حوى العلوم وحازها، وتحقق حقائق العرب ومجازها، وروى قصائدها وأرجازها، وعلم أطالتها وإيجازها، وهو في الطب موفق العلاج، واضح المنهاج، وله نظم تزهى به نحور الكعاب، ويستسهل إلى سماعه سلوك الصعاب، وقد أثبت منه ما يجتليه، فتستحليه، وتمقله، فتنقله فمن ذلك قوله. كامل
أبدت لنا الأيّام زهرة طيبهاوتسربلت بنضيرها وقشيبها
واهتزّ عطف الأرض بعد خشوعهاوبدت بها النعماء بعد شحوبها
وتطلعت في عنفوان شبابهامن بعد ما بلغت عتّي مشيبها
وقفت عليها السحب وقفة راحمفبكت لها بعيونها وقلوبها
فعجبت الأزهار كيف تضاحكببكائها وتبشّرت بقطوبها
وتسربلت حللا تجرّ ذيولهامن لدمها فيها وشقّ جيوبها
فلقد أجاد المزن في أنجادهاوأجاد حرّ الشمس في تربيبها
ما انصف الخيريّ يمنع طيبهلحضورها ويبجه لمغيبها
وهي التي قامت عليه بدفئهاوتعاهدته بدرّها وحليبها
فكأنّه فرض عليه موقّتووجوبه متعلق بوجوبها
وعلى سماء الياسمين كواكبأبدت ذكاء العجز عن تغييبها
زهر توقّد ليلها ونهارهاوتفوت شاو خسوقها وغروبها
فضلت على سير النجوم بأسرهاوسرّوها في الخلفتين وطيبها
فتأرّجت أرجائها بهبوبهاوتعانقت أزهارها بنكوبها
وتصوّبت فيها فروع جداولتتصاعد الأبصار في تصويبها
تطفو وترسيب في أصول ثمارهاوالحسن بين طفّوها ورسوبها
فكأنّما هي موجسات أساودتناسب من أنقابها للصوبها
فادر كؤس الأنس في حافاتهاوأجعل سديد القول من مشروبها
فحديث اخوان الصفاء لذاذةتجنى ويمن من جناية حوبها
وأركض إلى اللذات في ميدانهاوأسبق لسدّ ثغورها ودروبها
أعريت خليك صيفها وخريفهاوشتائها هذا أوان ركوبها
أو ما ترى الأزهار ما من زهرةإلاّ وقد ركبت فقار قضيبها
والطير قد خفقت على أفنانهاتلقى فنون الشدو في أسلوبها
تشدو وتهتزّ الغصون كأنّماحركاتها رقص على تطريبها
وله:
كذا تصان السيوف في الخللِويفخر الحظّ بالقنا الذبّلِ
وتكرم الخيل في مرابطهابر الفتاه المعروف بالرجلِ
ويعطف النبع كالحواجب أوأحنى وتمهى السهام كالمقلِ
ويوثر الشّرة الكميّ إذاخير بين الدروع والحللِ
فتح أنارت له البلاد كماأشرقت المقربات للنهلِ
هدّت له الروم هدّة ملتقلوب أبطالهم من الوجلِ
فما أطاقوا الولوج في نفقوما أطاقوا الصعود في جبلِ
القوا بأيديهم ولا سببيفرق بين الفتاة والبطلِ
فمجرئ الأسد في مرابضهاكمجرى الغانيات في الكلِ
وربّما لم تقم مناصلهامقام تلك اللواحظ النجلِ
تغامسوا في الدروع زاخرةكي يسلموا من حرارة الأسلِ
فما أفادتهم الدروع سوى الننقلة من خّفة إلى ثقلِ
كأنّهم والرماح تحفزهمجري فصال سلكن في الوحلِ
جاءوا بها سبّفا مضاعفةقد أخلصت بالحديد والعملِ
مثل عيون الدبا فصيّرهادم وطعن كأعين الحجلِ
هناك سل بالوزير من شهد الحرب وان كنت شاهدا فقل
ولا تخف أن حكيت مغربةعنه مقام المكذّب الخطلِ
فإنّه الوحد الذي ترك الددهر بلا مشبه ولا مثلِ
حدّث بما شئت عنه من حسنوعظّم المر ثمّ لا تسلِ
ففضله يبهر الأهلّة فيسعودها والشموس في الحملِ
وكتب إلي أعزه الله مراجعا. طويل
هوى منجد يلقى به اليل متّهمُيصّرح عنه الدمع وهو يجمجمُ
يبيت يدري أو يداري ما بهويغلبه أمر الهوى فيسلّمُ
لأجفانه من كل شيء موّرقومن أين للمشتاق شيء ينوّمُ
وليس الهوى ما الراي عنه مزحزحولكنّه ما الراي فيه مفخّم
واعذر أهل الحبّ كلّ مدلّةيرى أنّ من يهدي له النصح الومُ
وأجلد أبناء الزمان مرزايقاسي خطوب الدهر وهو متيّمُ
ويصعب حمل الهّم والهمّ مفردفكيف ترى في حمله وهو توأمُ
ولولا أبو نصر ولذّات أنسهتقضّت حياتي كلّها وهي علقمُ
فتى فتح الله المعارف باسمهومن دونها باب من الجهل مبهمُ
تأخر في لفظ الزمان وأنّهبمعناه في أعيانه متقدّمُ
أتوا بالمعاني وهي درّ منظمّوجاء بها من افقها وهي أنجمُ
وما يستوي في الحكم راق وغائصلقد نال أسنى الرتبة المتسنّمُ
إليك أبا نصر بديهة خاطرتوالى عليه الشغل وهو مقسّمُ
أهّبت به القول وهو لما بهفلبّ ولم يسعده نطق ولا فمُ
وكم مصقع لا يرهب القول فعلهثنته خطوب ما أنثنت وهو مفحم
ولو لم يكن غلا وداعك وحدهلا شفق منه يذبل ويلملمُ
فما يصنع الإنسان وهو بفهمهيحسّ باشتات الأمور ويفهمُ
وقد كنت تشكيني من الدهر دائبافقد صوت أشكو منك ما أنت تعلمُ
عليك سلام تسحب الريح ذيلهفيعبق منه كلّ ما يتنسّمُ
وأن لم يكن إلاّ وداع وفرقةفإنّ فؤادي قبلك المتقدّمُ
وله أيضاً:
أرى بارقا بالأبلق الفرد يومضيذهّب جلباب الدجا ويفضّضُ
كأنّ سليمى من أعاليه أشرفتتمدّ لنا كفّا خضيبا وتقبضُ
إذا ما تولىّ ومضه نفص الدجاله صبغه المسودّ أو كاد ينفضُ
أرقت له والقلب يهفو هفوّهعلى انه منه أحدّ وأومضّ
وبتّ أداري الشوق والشوق مقبلعليّ وأدعو الصبر والصبر معرضُ
واستنجد الدمع الأبيّ على الأسىفتنجدني منه جداول فيّضُ
واعذل قلبا لا يزال يروعهسنا النار يستشرى والبرق ينبضُ
تظنّهما ثغر الحبيب وخدّهفذا ضاحك منه وذا متعرّضُ
غذا بلغت منك الخيالات ما أرىفأنت لماذا بالشخوص معرّضُ
إلى أن تفرّت عن سنا الصبح سدفةكما أنشق عن صفح من الماء عرمضُ
وندّت إلى الغرب النجوم مروعةكما نفرت عير من السيل ركّضُ
وأدركها من فجاة الصبح بهتةفتحسبها فيه عيونا تمرّضُ
كأنّ الثريّا والغروب يحثّهالجام على رأس الدجا وهو يركضُ
وما تمتري في الهقعة العين أنّهاعلى عاتق الجوزاء قرط مفضّضُ
ومنها في صفة الحرب. طويل
سل الحرب منه والسيوف جداولدفق والأرماح رقط تنضنض
وبالأرض من وقع الجياد تمددولكنه فيما تروم تقبض
وبالأفق للنقع المثار سحائبمواخص لكن بالصواعق تمخض
وقد سهكت تحت الحديد من الصدأجسوم بما علّت من المسك ترحض
ومدت إلى ورد الصدور عيونهاصدور العوالي والعيون تغمض
وأشرفت البيض الرقاق إلى الطلىلتكرع فيها والرؤوس تخفضُ
فلست ترى لا دماء مراقةتخاض إلي أكباد قوم تخضخض
وله:
نزاع ما أرى بك أن نزوعلقد شقيت به منك الضلوعُ
يروعك أو يركعك كل داعأكل مثوب داع سميعُ
جهلت وقد علاك الشيب أمرايقوم بعلمه الطفل الرضيعُ
ولولا ذاك ما قدرت أنيأنوء بحمل ما لا أستطيع
فحسبك أو فحسبي منك دهريُشت بصرفه الشمل الجميع
وشوق تقتضيه نوى شطونفتقضي عنه واجبها الدموعُ
حملت الحب مؤتمنا عليهفكيف يضيع ذلك أو يذيع
لقد جشمت نفسك متلفانبكل ثنية منها صريعُ
وحال الصب تخضبه دموعكحال القرن يخصبه نجيع
وقد تُحمى الدروع من العواليولا تُحمى من الحدق الدروع
وربّ فتى تُراع الأسد منه=تقنَّص قلبه الرشا المروع وكتب إليه الوزير محمد بن القاسم معزيا في قريب مات له.
يشاطرك الصبابة والسهاداويمحضك المحبة والودادا
صديق لو كشفت الغيب عنهوجدت هواك قد ملا الفؤادا
يعزّ عليه رزء بتّ عنهشقيق النفس تلهمها سدادا
انشقق للعباد ونحن منهممن الرب الذي خلق العبادا
أراد بنا الفناء على سواءولابد لنا مما أرادا
لئن قدمت علقا مستفادالقد أكرمت حظاً مستفادا
ومثلك لا يضعضعه مصابولا يعطي لنائبه قيادا
ومازلت الرشيد نهى وحاشىلمثلك أن نعلمه الرشادا
فراجعه القاضي أبو الحسن بن زنباع.
لعا لك من جواد قد أجاداونال الغاية القصوى وزادا
وبشّر بالتي يسمو إليهاسواك فلا تبلغه مرادا
فإني قد رأيت الدهر مطلقاًتنزل عن خلائقه وحادا
ومنذ بخست حظك وهو كبرأحال على الورى سنة جمادا
ولن يرضى الزمان وأنت فيهتدافع من محلك أو تعادا
ومثلك وهو أنت ولا مزيدشفى وكفى الملمات الشدادا
ومن وفدته بالنوب اللياليفكيف يطيق عدوا واشتدادا
ولولا ما كففت به فؤاديمن الحكم التي تسلي تمادا
ومن يطفئ بنزر الماء نارافليس يزيدها إلا اتقادا
جزاك الله خيراً من صديقأفاد صديقه مما استفادا
ورد عليه صبر اصل عنهوأقسم لا ينال له قيادا
وأنجدة على خطب عراهوأدرك فيه ثارا فاستقادا
وله أيضاً:
لهواك في قلبي كريقك في فميغيري يقول الحب مر المطعم
فادر علي بمقلتيك كؤسهحتى يدب خمارة في أعظمي
إن التلذذ في هواك تلذذلو كان أقتل من زعاف الأرقم
أحبب بحب لا يثير ملامةملئت بموليه عيون النومِ
شغل النواطر والقلوب ولم يدعمن لم يسمع زمن الأنام بميسمِ
ومن العجائب شغل شيء واحدفي الحال أمكنةً ولم يتقسمِ
وأقام أزمنة وليس بجوهروجرى وليس بمايع مجرى الدمِ
يا أيها القمر الذي إنسانيرمي أناساً للعيون بأسهمِ
لم أبد حبك غيران جوانحيفاضت به فيض الإناء المفعمِ
لا ذنب لي علم الذي أسررتهنظرا ولم أرمز ولم أتكلمِ
وأمرت بالشكوى إليك وإنماينمى إلى الإنسان ما لم يعلمِ
ولربما لم تشكني فأماتنيياسي فذرني تحت أمر مبهمِ
وتلافني قبل التلاف فإننيمن حمير وسيأخذونك في دمي
الطاعنين بكل أسمر مدعسوالضار بين بكل أبيض مخدمِ
والواردين الصادرين إذا الوغىلفحت بجمرتها وجوه الحومِ
ولعلهم تسمو بهم هماتهم=إن يدركوا في الظبي ثار الضيغمِ وزارة نفر من إخوانه فقال فيهم مرتجلاً:
أهلاً وسهلاً وكم من سادة نجبكالدبل السمرا وكالأنجم الشهبِ
أجملتُم وتفضلتم بزورتكموليس يُنكر فضل من ذوي حسبِ
أضاء منزلنا من نور أوجهكموطاب من عيشنا ما كان لم يطلبِ
النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع