تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)

الأديب أبو عبد الله بن الفخار المالقي رحمه الله تعالى

صاحب لسن، وراكب هواه من قبيح وحسن، لا يصد إذا صم، ولا يرد عما يتم، حمي الأنف لا يصام، قوي الشكيمة لا يرام، وقف للمطالبة والأسنة قد أشرعت وثبت والأطواد قد تضعضعت، حتى أقعد عدوه، وصفا رواحه وغدوه، وقد أثبت له ما يستطاب، ويسري في النفس كما يسري في البلح الأرطاب، فمن ذلك قوله:

باتي حسام أم بايّ سنانِأنازل ذاك القرن حين دعاني
من عري اليوم الجواد لعلّةفبالأمس شدّوا سرجه لطعانِ
وان عطل السهم الذي كنت رايشاففيه دم العداء أحمر قاني
إلا أنّ درعي نثرة تبعيّةوسيفي صدق أن هززت يماني
وما قصبات السبق إلاّ لأدهميإذا الخيل جالت في مجال رهان
تمنّى لقاءي من حللت وثاقهوأعطى غداة المنّ ذلّة عانِ
وقد علم الأقوام من صحّ ودهّومن كان منّا دائم الشأنِ
وما يزدهين يقول كلّ مموّهوليس له بالمعضلات يدانِ
ويزعم أنّي في البيان مقصّرويابى بناني واقتدار لساني
وأنّي لنهاض بكل عظيمةيضيق عليها ذرع كلّ جانِ
نهضت بها وحدي وغيريَ مدّعيشارك أهل القول شرك عنان
أينسى مقامي إذا كافح دونهوقدطار قلب الذعر بالخفقانِ
ويذكر يوماً قمت فيه يخطبةكآثار عدّ الماء بالسيلانِ
فقرّي جعاري أنّ دونك حارسايمنيك بالأخلاف والولعانِ
وما هو إلاّ المرء يقطع رأسهوأن دهنوه حيلة بدهانِ
ولو كان يعطي الزائرين حقوقهملما تركوه في يد الحدثانِ

وله:

إلى كم يجدّ المرء والدهر يلعبُويبعد عنه الآمن والخوف يقربُ
وهل نافعي أن كنت سيا مصمماإذا لم يكن يلقى لحدّي مضربُ
أبيّتهم واليل كالنقس أسودوأهجمهم والصبح كالطرس أشهبُ
فلا أنا عمّا رمت من ذاك مقصّرولا خيل عزمي للمقادير تغلبُ
أبا حسن سائل لمن شهد الوغىلئن كنت لم أصبح أهشّ وأطربُ
واعتنق الأبطال حتّى كأنّمايعانقني منهم من البيض ربربُ
أخاتلهم كالذيب وحدي وتارةيصول بهم منّي المزعفر يقضبُ
وفي كلّ باب قد ولجت لكيدهمولكن أمور ليس تقضي فتصعب
فوا أسفا ذا أبيت بذلّةوسيفي ضجيعي والجواد مقرّبُ

وله أيضاً:

أمستنكر شيب المفارق في الصباوهل ينكر النور المفتّح في غصنٍ
أظنّ طلاب المجد شّيب مفرقيوان كنت في إحدى وعشرين من سنِ

وكتب إلى أبي عبد اله زنغي رحمه اله عند ولايته سجلماسة والشعر طويل اثبت بعضه. طويل

بمن حلّ في سرغ فؤادك هأيموهيهات منك اليوم من حلّ في سرغٍ
وتكلف بالداعي هلمّ غلى النوىطماعا بأن تدنو من ابن أبي زنغي
وكنا به نبغي قضاء لبانةولو انه يبقى لقضى الذي نبغي
سلام عليه عذّب النفس بعدهعقارب همّ لا تفيق من اللدغِ
وشوقا غليه أصبح القلب عندهولم تثنه خود معقربة الصدغِ

وله أيضاً:

أقلّ عتابك أنّ الكريميجازى على حبذه بالقلا
وخلّ أجتنابك أن الزمانيمرّ بتكديره ما حلا
وواصل اخاك بعلاّتهفقد يلبس الثوب بعد البلا
وقل كالذي قاله شاعرنبيل وحقك أن تنبلا
إذا ما خليل أسا مرّةوقد كان قيي ما مضى مجملا
ذكرت المقدمّ من فعلهفلم يفسد الآخر الأوّلا
أبا حسن أن أتى حادثيجرّد لي سيفك المصقلا
فودّي جديدك لم أبلهيروقك في حليه والحلا
أولي الملامة عنك الزمانوأصحبك الأكوم الأفضلا
أقول وأنت لسان المقالوعين الكمال ورأس العلا
لئن جار فيك عليّ الزمامفقد كان لي حكماً اعدلا
لياليَ كنت صحيح الأخاصريح الوفاء بما أمّلا
تدافع عنّي خطوب الزمانيضرب الرقاب وطعن الكلا
ولكن أطعت غواة الرجالوبعت صديقك لا بالغلا
سأصبر للخطب حتى يزولوأدعو له رأيك الأجملا
ودونكها كالعروس الكعابعليها من الحلي ما فصّلا
فكالزبد بالدهن في لينهاوتخزي بشدّتها الجندلا
إذا صيد للشعر طير بغاثرأيت لها الطائر الأجدلا
ولم ألف جدّك جدّ الذيأكفّ به النازل المعضلا

النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الرابع من قلائد العقيان، ومحاسن الأعيان، في بدائع نبهاء الأدباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.